فى البداية يرى حلمى طولان عضو اللجنة الفنية باتحاد الكرة، أن عودة مصر إلى المشهد العالمى بقوة الفترة الحالية، كان لمحمد صلاح دور كبير فيها، وهو حاضر فى قلب الحكاية، ويقود المنتخب بخبرته وشخصيته قبل مهاراته، ليثبت أن النجوم الحقيقيين لا تختزل أدوارهم فى تسجيل الأهداف، بل فى صناعة الفارق داخل الملعب وخارجه، لذلك لم يكن غريبًا أن يتحول اسمه إلى العنوان الأبرز فى رحلة الفراعنة بالمونديال، باعتباره الركيزة التى استند إليها المنتخب فى كتابة فصل جديد من تاريخه الكروى.
«طولان»، أكد أن «صلاح» كان العامل الأبرز فى عودة مصر إلى الخريطة العالمية، لأن الأرقام وحدها لا تكفى لتفسير تأثيره، لكنها نقطة بداية ضرورية لفهم حجم ما يحدث، سجل قائد الفراعنة هدفا وحيدا حتى الآن فى البطولة، جاء فى الانتصار التاريخى على نيوزيلندا (3-1)، لكنه أضاف تمريرتين حاسمتين جعلتاه ضمن قائمة أكثر صناع الأهداف فى المونديال، فى مصاف أسماء مثل كيليان مبابى وبوكايو ساكا ومايكل أوليسي، وبهذا الهدف، رفع صلاح رصيده إلى 68 هدفا دوليا، ليتصدر منفردا قائمة هدافى مصر التاريخيين فى كأس العالم بثلاثة أهداف عبر نسختين مختلفتين، متجاوزا رقما ظل صامدا لعبد الرحمن فوزى منذ مونديال 1934.
وأضاف: لكن الرقم الأكثر دلالة ربما يكون خارج الملعب لا داخله، عندما ضمنت مصر تأهلها الأصلى إلى النهائيات، كان «صلاح» الهداف التاريخى للتصفيات الإفريقية المؤهلة لكأس العالم برصيد 20 هدفًا، متجاوزًا أساطير القارة أمثال ديدييه دروجبا وصامويل إيتو، هذه ليست مصادفة عابرة، بل نمط متكرر، كلما احتاجت مصر إلى من يفتح لها الأبواب المغلقة، كان «صلاح» هناك، المفارقة أن موقع الاتحاد الدولى لكرة القدم استبعد صلاح من قائمته الرسمية لأفضل عشرين لاعبًا فى البطولة حتى الآن، رغم تصدره لقائمة صناعة الأهداف، فى إشارة إلى أن معايير «فيفا» الفنية الدقيقة، التى تشمل الأدوار الدفاعية ومعدلات الابتكار، لم تنصفه بالكامل، هذا التناقض بين الأثر الفعلى والتصنيف الرسمى يفتح نقاشًا مشروعًا، هل يقيس الإحصاء وحده رجلاً يصنع الفارق بحضوره أكثر مما يصنعه بأرقامه الفردية، كما أوضح أن «صلاح» هو القائد الذى غير شخصية المنتخب الوطنى بالمونديال، فلم يكن حسام حسن، المدير الفنى لمنتخب مصر، بعيدًا عن قراءة هذا التحول، وذكر أن الجهاز الفنى حرص منذ البداية على منح «صلاح» المكانة التى يستحقها داخل الملعب وخارجه، لينعكس إيجابيًا على مستواه الفنى والذهنى، كما ذكر حسام حسن أن الجهاز الفنى معه وظف صلاح فى مركز جديد لم يختبره من قبل حتى فى مسيرته الأوروبية، مانحًا إياه حرية حركة أكبر ضمن نظام تكتيكى منضبط، وهذه الشهادة المهنية تلتقى مع ما لاحظه المتابعون على أرض الملعب، حيث إن «صلاح» لم يعد فقط اللاعب الذى يبحث عن الهدف الفردى، بل تحول إلى محور تنظيمى يهدئ إيقاع الفريق فى اللحظات الحرجة، ويمنح زملاءه الأصغر سنًا -مثل حمزة عبدالكريم، غطاء نفسيًا واضحًا، ولم يكن هذا الدور القيادى بلا اختبار، بعد استبداله فى الدقيقة 76 من مباراة بلجيكا، انتشرت شائعات حول توتر بينه وبين حسام حسن، سارع المدرب لنفيها بشكل قاطع، ليعلن أن الثقة فى القائد ثقة كاملة، وأن كل لاعب فى القائمة يحظى بالتقدير نفسه.
بدوره قال فتحى مبروك، مدرب منتخب مصر السابق: إذا كان لهذه البطولة «قرار مصيري» واحد يتعلق بـ«صلاح»، فهو ذلك الذى اتُخذ فى الساعات التى سبقت مواجهة أستراليا، بعد شعوره بإجهاد عضلى طلب على إثره تغييره فى مباراة إيران، ولكنه خضع لبرنامج علاجى مكثف وسط شكوك حقيقية حول جاهزيته لمباراة الإقصاء المباشر، وهنا، اتخذ الجهاز الفنى قرارًا واضحًا صرح به حسام حسن علنًا، عدم المجازفة بإشراك القائد إلا فى حالة التأكد التام من جاهزيته البدنية، مع تأكيده أن اللاعب سيكون موجودًا بشكل كبير فى المباراة أيًا كان قرار المشاركة من الدقيقة الأولى، وهذا القرار الموثق إعلاميًا وليس افتراضيًا، يعكس فلسفة مختلفة عن سنوات سابقة كان فيها الاعتماد على صلاح شبه أعمى، بصرف النظر عن حالته البدنية، هذا التوازن فى إدارة الحمل البدنى، بعيدًا عن المغامرة بإرهاقه، مكن «صلاح» من الحفاظ على تأثيره حتى فى أصعب مراحل البطولة، دون أن يتراجع عطاؤه أو يثقل كاهل الفريق، وهو ما يحسب لدقة القراءة الطبية والفنية أكثر مما يحسب لقرار تكتيكى.
«مبروك»، أشار إلى أن «الفارق بين روسيا 2018 ومونديال 2026 لا يقاس بالنتائج فقط، بل بطبيعة الدور، فى روسيا، كان صلاح يخوض البطولة بعد إصابة كتف مؤلمة لحقت به قبل أسابيع قليلة من الانطلاقة، وكان الفريق بأكمله يتمحور حول أمل تعافيه وتسجيله، سجل حينها هدفين أحدهما بركلة جزاء أمام روسيا فى مباراة خسرتها مصر، والثانى من اللعب المفتوح أمام السعودية، لكن مصر ودعت البطولة من دور المجموعات دون أى فوز، أما فى 2026، فصلاح يخوض غماره وهو فى الرابعة والثلاثين من عمره، بعد أن أنهى هذا الصيف مسيرته الطويلة مع ليفربول، لكنه لا يحمل الفريق على كتفيه بمفرده، بل يوزع الحمل مع جيل من اللاعبين الشباب الذين نضجوا فى ظله، إمام عاشور، «زيكو»، محمود تريزيجيه، ومصطفى شوبير، حسام حسن نفسه حرص على التأكيد مرارا بأن «منتخب مصر لا يلعب من أجل لاعب واحد أو نجم واحد»، وهى جملة ما كانت لتقال بالثقة نفسها قبل ثمانى سنوات، النتيجة على أرض الواقع، تأهل تاريخى إلى دور الـ16 لم يتحقق قط فى نسخة 2018 أو فى أى نسخة سابقة، وتكتيكيًا، لم يعد صلاح يعتمد فقط على انطلاقاته الكلاسيكية من الجهة اليمنى نحو القلب، بل بات يتحرك فى مساحات أكثر مرونة بين خطوط الوسط والهجوم، منسحبًا أحيانًا لاستقبال الكرة وتوزيعها بدل انتظارها فى العمق، هذا التموضع الجديد، منحه فرصة أكبر لصناعة اللعب لا استهلاكه فقط، وهو ما يفسر تصدره لقوائم «صناعة الأهداف» رغم تواضع رصيده الفردى من الأهداف مقارنة بمعايير النجومية العالمية، تمريراته الحاسمة أمام نيوزيلندا وبلجيكا لم تكن نتاج لحظة عبقرية فردية بقدر ما كانت نتاج قراءة هادئة لمساحات الملعب، وهى الصفة التى طالما ميزت مسيرته فى ملاعب إنجلترا.
كما أكد أن الصحافة العالمية لم تتأخر فى رصد المشهد، تقارير أسترالية احتفت بـ«صلاح» قبيل مباراة الفريقين، واصفة إياه بلقبه الجماهيرى «ملك مصر»، بينما خصصت مواقع «فيفا» الرسمية مساحات متكررة لتوثيق لحظاته التاريخية مع المنتخب، من هدف التأهل إلى روسيا وحتى هدف نيوزيلندا، عربيًا، تصدر اسمه نشرات الأخبار الرياضية يوميًا، وارتبطت أكثر الموضوعات قراءة بمقارنات بين أدائه الحالى وأدائه فى النسخة السابقة.
وأضاف: جماهيريًا، عكست المدرجات الأمريكية والكندية امتلاء لافتًا بالأعلام المصرية، فى مشهد نادرًا ما تكرر لمنتخبات إفريقية أو عربية غير مستضيفة للبطولة، ويقف «صلاح» اليوم على مسافة إنجازات متعددة، أول لاعب مصرى يسجل فى نسختين مختلفتين من كأس العالم، ثانى لاعب مصرى فى التاريخ يسجل ويصنع فى المباراة ذاتها وصاحب أعلى رصيد تهديفى مصرى فى تاريخ البطولة بثلاثة أهداف، إضافة إلى ذلك، يتقاسم «صلاح» واللاعب محمود تريزيجيه لقب الأكثر مشاركة فى تاريخ منتخب مصر بكأس العالم بأربع مباريات لكل منهما حتى الآن، وهو رقم مرشح للزيادة مع استمرار مشوار الفراعنة، فمنذ عام 2017، لم يعد «صلاح» مجرد لاعب كرة قدم مصرى ناجح، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية عابرة للملعب، الأطفال الذين ولدوا فى العام الذى انضم فيه إلى ليفربول أصبحوا اليوم مراهقين يرتدون قميصه فى شوارع القاهرة والإسكندرية، بينما تحول اسمه إلى مادة دائمة فى الأغانى الشعبية والمحتوى الرقمى، هذه البطولة تحديدًا كرست هذا البعد الرمزى، صلاح لم يعد فقط «اللاعب الذى يسجل»، بل أصبح «اللاعب الذى يجعل مصر تصدق فى نفسها»، كما عبر هو ذاته بعد الفوز التاريخى على نيوزيلندا حين قال إنه لا يجد كلمات تصف ما تحقق، تلك الجملة القصيرة، الصادرة عن رجل اعتاد الإنجازات الفردية الكبرى فى أوروبا، كانت مؤشرًا على أن ما يحدث مع منتخب بلاده يحمل قيمة مختلفة تمامًا عن أى لقب نادٍ حققه من قبل.
«مبروك»، لفت إلى أنه «لسنوات طويلة، ظل السؤال معلقًا فى الصحافة المصرية والعربية، هل سيغادر محمد صلاح المشهد الدولى دون أن يكتب إرثًا يوازى حجم نجوميته العالمية، اليوم، وبعد التأهل التاريخى لدور الـ16، بات هذا السؤال أقرب للإجابة منه إلى الغموض، لم يعد صلاح ذلك النجم الذى يحمل مسؤولية إنقاذ فريق هش بمفرده كما حدث فى روسيا، بل قائد لجيل مصرى متكامل، ساهم فى صناعته بقدر ما استفاد من نضجه، يبقى الطريق أمام مصر طويلاً حتى نهاية البطولة، لكن ما تحقق حتى الآن، بصرف النظر عن أى نتيجة قادمة، يكفى لتثبيت حقيقة واحدة، محمد صلاح، فى الرابعة والثلاثين من عمره، وربما فى آخر ظهور مونديالى له، لم يعد يبحث عن إثبات نفسه للعالم، بل عن ترك اسمه فى تاريخ بلاده بالطريقة التى طالما حلم بها وهو طفل يقلد أبطاله فى شوارع «نجريج»، وبين ركلة ترجيح ناجحة وهتاف جماهيرى فى دالاس، يبدو أن هذا الحلم بات أقرب من أى وقت مضى».