فى ظل تداعيات الأزمة الغذائية العالمية التى تفاقمت بسبب التوترات الجيوسياسية التى يشهدها العالم، وعلى رأسها الحرب «الروسية - الأوكرانية»، وما ترتب عليها من اضطراب فى سلاسل توريد الحبوب وارتفاع غير مسبوق فى الأسعار، برزت الحاجة الملحة لإعادة ترتيب أولويات الدولة المصرية نحو تعزيز «سيادتها الغذائية»، لا سيما أن القاهرة التى كانت تُعد من أكبر مستوردى القمح فى العالم، وجدت نفسها أمام اختبار حقيقى لمدى قدرتها على الصمود فى وجه تقلبات السوق الدولية وتغير أسعار الصرف، وهو ما فرض واقعًا جديدًا عنوانه «لم يعد تحقيق الأمن الغذائى رفاهية، بل ضرورة أمن قومى ترتبط مباشرة باستقرار المجتمع وسلامته»، خاصة فى ظل النمو السكانى المتسارع ومحدودية الرقعة الزراعية التقليدية التى لا تتجاوز نسبة ضئيلة من إجمالى مساحة البلاد، فضلًا عن المتغيرات المناخية العالمية وتزايد ندرة المياه.
وفى هذا السياق، برز جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة كإحدى الأذرع التنفيذية الفاعلة للدولة فى تنفيذ رؤية القيادة السياسية الرامية إلى تعزيز الإنتاج المحلى، وتأمين سلاسل الإمداد، وضمان توافر السلع الأساسية بأسعار عادلة وجودة مضمونة فى الأسواق المصرية، وهو الجهاز الذى أُنشئ بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022، ويتولى إدارته التنفيذية الدكتور بهاء الغنام، ويعمل وفق نموذج تنموى متكامل يُعرف بـ«فلك التنمية»؛ وهو نموذج فريد يربط بين استصلاح الأراضى الصحراوية، والزراعة بإدخال التكنولوجيا الحديثة، والتصنيع الغذائى المتقدم، والتخزين الاستراتيجى، والتسويق المباشر عبر منافذ البيع، بما يقلل الفاقد بنسب تتراوح بين 20 إلى 30 فى المائة مقارنة بالسلاسل التقليدية، ويسهم فى تحقيق استقرار الأسواق واستدامة الإنتاج.
الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بكلية الزراعة جامعة القاهرة، أكد أن «جهاز مستقبل مصر يستهدف استصلاح وزراعة نحو 4.5 مليون فدان بحلول عام 2027 من خلال سبعة مشروعات رئيسية موزعة على امتداد الصحراء الغربية والشرقية، يأتى فى مقدمتها مشروع الدلتا الجديدة بمساحة مستهدفة 2.2 مليون فدان فى نطاق محافظات الجيزة ومطروح والبحيرة والفيوم، ويُعد هذا المشروع بمثابة نقلة نوعية فى تاريخ مصر الزراعى الحديث؛ إذ يفوق حجمه الإجمالى ما تم استصلاحه خلال عقود ماضية. وتشمل المشروعات الأخرى: سنابل سونو (650 ألف فدان)، الداخلة والعوينات (660 ألف فدان)، الكفرة (600 ألف فدان)، سيناء (450 ألف فدان)، بالإضافة إلى مشروعات المنيا وبنى سويف والقطاع السادات التى تستهدف سد الفجوة الغذائية فى الصعيد».
«نور الدين»، أشار إلى أن «هذه المشروعات تعتمد على أحدث تقنيات الرى الحديث، مثل الرى المحورى والرى بالتنقيط والرى بالرش، إلى جانب استخدام أنظمة الاستشعار عن بعد والطائرات المسيرة لمتابعة حالة المحاصيل وتحديد احتياجاتها من المياه والأسمدة بدقة متناهية، مما يسهم فى ترشيد استهلاك المياه بنسب تصل إلى 40 فى المائة مقارنة بالرى السطحى التقليدي. وتُدار الخزانات الجوفية فى الصحراء الغربية وفق منظومة علمية دقيقة تحول دون الإفراط فى السحب، مع التخطيط لاستخدام الطاقة الشمسية لتشغيل الآبار لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى. وقد أثبتت الدراسات الفنية أن جودة أراضى الدلتا الجديدة تفوق فى بعض الجوانب أراضى الدلتا التقليدية، خاصة من حيث خلوها من الملوثات والأمراض الزراعية، ما يعزز الإنتاجية ويقلل الفجوة الاستيرادية من المحاصيل الاستراتيجية».
كما أوضح «نور الدين»، أن «الجهاز لا يزال مشروعًا وليدًا، إذ لم يمضِ على إنشائه سوى ثلاث سنوات ونصف السنة، ولم يكمل أربع سنوات بعد، وهو ما يتطلب نظرة واقعية عند تقييم مردوده الحالى، لافتًا إلى أن «الأراضى الصحراوية المستصلحة تحتاج عادة إلى فترة لا تقل عن خمس سنوات حتى تتمكن من الوقوف على قدميها وتحقيق الجدوى الاقتصادية، لأن التكاليف التأسيسية فى السنوات الأولى تكون ضخمة جدًا، وتشمل توصيل المياه عبر خطوط طولها مئات الكيلومترات، حفر الآبار العميقة التى قد يتجاوز عمقها الألف متر، وشبكات الرى الداخلية ومحطات الرفع، فضلًا عن تسوية الأراضى وتمهيدها. وتُقدّر هذه التكاليف بمليارات الجنيهات، وهى تمثل استثمارًا طويل الأجل. ومع مرور الوقت، يبدأ الإنتاج فى تغطية جزء من هذه النفقات تدريجيًا، وفى العام الخامس يبدأ المشروع بالانتقال من مرحلة تغطية التكاليف إلى المرحلة الربحية، حيث يجنى المزارعون والمستثمرون ثمار ما تم ضخه من جهود وأموال».
وأضاف أن «المشروع حقق نجاحًا ملحوظًا فى زراعة بنجر السكر، حيث يُعطى إنتاجية عالية تصل إلى 70 طنًا للفدان فى بعض المناطق، ويجرى حاليًا إنشاء مصنع لاستخلاص السكر من البنجر بطاقة إنتاجية ضخمة، ما سيشكل إضافة نوعية للدولة فى مجال السلع الاستراتيجية ويوفر ملايين الدولارات كانت تنفق على استيراد السكر الخام، كما تعمل إدارة الجهاز على توسيع رقعة القمح، والبطاطس، والبصل.
لا يقتصر دور «مستقبل مصر» على الإنتاج الزراعى الأولى، بل يمتد إلى حلقة متكاملة من التوريد المباشر إلى المستهلك النهائى، وهو ما يعكس فلسفة اختصار حلقات الوساطة التى كانت ترفع الأسعار بشكل كبير، ومن أبرز آلياته فى هذا الصدد منافذ «سوبر توفير» التى وصل عددها إلى أكثر من 1400 منفذ موزعة بعناية فى مختلف المحافظات، لتكون قريبة من المواطن البسيط، وتقدم هذه المنافذ السلع الأساسية من خضراوات وفواكه ولحوم وألبان ومنتجات تموينية بأسعار عادلة وجودة مضمونة، عبر تقليل حلقات التوريد التقليدية التى كانت تتوسطها عدة أيادٍ، وربط الإنتاج مباشرة بالمستهلك من خلال أسطول نقل مجهز بسيارات مبردة.
وقد أثبتت منافذ «سوبر توفير» فاعليتها الملموسة فى تخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المواطنين، خاصة فى فترات الطلب المرتفع وذروة الاستهلاك كشهر رمضان المبارك، حيث وفرت كميات ضخمة من السلع الأساسية بأسعار تقل بنسبة تتراوح بين 15 إلى 25 فى المائة عن مثيلاتها فى الأسواق المجاورة، كما يعمل الجهاز على تطوير مراكز لوجستية متقدمة تضم صوامع حديثة ومخازن تبريد عملاقة بطاقة استيعابية تصل إلى 500 ألف طن، إضافة إلى مركز سفنكس لتجارة المحاصيل الذى يتمتع بطاقة تداول عالية تتيح إدارة المخزون الاستراتيجى بكفاءة، وتُعد سلاسل التبريد هذه عنصرًا حيويًا فى تقليل الفاقد من الخضراوات والفواكه، الذى كان يصل فى الطرق التقليدية إلى نسب مهدرة تقارب 30 فى المائة نتيجة سوء التخزين والنقل، وهو ما كان ينعكس سلبًا على الأسعار.
بدوره، أكد المهندس شاهين حامد، أحد العاملين بالجهاز، أن «المدينة الصناعية الزراعية المتكاملة التى تم تدشينها تستقبل فى مرحلتها الأولى نحو 3.5 مليون طن من الخامات الزراعية سنويًا، وتحولها إلى نحو 1.7 مليون طن من المنتجات الغذائية النهائية، ما يعزز القيمة المضافة للمحصول الخام، ويفتح آفاقًا واعدة للتصدير إلى الأسواق العربية والإفريقية، ويقلل الاعتماد على المنتجات المستوردة التى تلتهم العملة الصعبة، وتشمل هذه الصناعات استخلاص السكر، وتصنيع الزيوت، والمكرونة، والأعلاف الحيوانية، ما يخلق منظومة متكاملة تستفيد من كل جزء من المحصول».