الأمر لم يعد نوعا من الرفاهية أو الترف التثقيفى، بل بات قضية أمن قومى مباشر فى مواجهة حروب جيل رابع شرسة تتدفق عبر شائعات وأخبار زائفـة تقودها كتائب إلكترونية ممنهجة وحسابات آلية مُدارة بالبرمجيات وحسابات زائفة مُدارة بشريًا، والمعادلة الرئاسية واضحة بأن التطوير لم يعد خيارًا بل هو خط الدفاع الأول عن وعى المواطن واستقرار الدولة، ولم تقف الرؤية الرئاسية عند التحذير والتوجيه بالتحديث الفنى والتقنى، بل وضعت «التعددية» شرطًا أساسيًا للنجاح؛ إذ طالب الرئيس بفتح المجال كاملاً أمام حوار إعلامى وموضوعى يتسع للرأى والرأى الآخر.
ولأن التوجيهات هذه المرة اقترنت بآليات تنفيذية فورية؛ فقد تحولت الرؤية إلى خطوات استرشادية على الأرض، حيث كلف وزير الدولة للإعلام بالتنسيق مع كافة الجهات والهيئات الإعلامية والصحفية لعقد اجتماع سنوى موسع فى الثالث من ديسمبر من كل عام، برعاية شخصية من رئيس الجمهورية، لمراجعة وتأطير أوضاع المنظومة الإعلامية، ولضمان عدم تحول اللقاء إلى مجرد بروتوكول دورى وضعت القيادة السياسية أجندة عمل محددة وصارمة للمجتمعين ترتكز على التشخيص الدقيق للتحديات الراهنة، واستشراف الفرص المتاحة وتوظيفها، والخروج بتوصيات عملية وقابلة للتطبيق تضمن التطوير المستدام للإعلام المصرى، وفى هذا التحقيق نفتح ملف الإعلام المصرى فى ضوء التوجيهات الرئاسية الأخيرة، فكيف يواجه صُناع القرار الإعلامى «صدمة التحديث»؟ وما الأدوات الفنية والسياسية القادرة على تحويل هذا الطموح الرئاسى إلى واقع ملموس يحمى العقول ويصنع الوعى؟
فى هذا السياق، قال الدكتور حسام النحاس، الخبير الإعلامى وأستاذ الإعلام بجامعة بنها: إن تطوير الإعلام يجب أن ينطلق من استراتيجية متكاملة تتضمن وضع آليات متنوعة للتمويل، والنظر إلى الإعلام باعتباره صناعة واستثمارًا، بما يضمن توفير رؤية واضحة لمستقبله مدعومة بإرادة سياسية تدفع عملية التطوير، وذلك تجسد فى توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى التى شددت على ضرورة تطوير المنظومة الإعلامية، لأن عملية التطوير لا تقتصر على الجوانب الإدارية أو التمويلية وإنما تمتد إلى المحتوى الإعلامى، بحيث يصبح أكثر ارتباطًا باحتياجات الجمهور استنادًا إلى دراسات علمية لقياس اهتماماته مع مواكبة التطورات التكنولوجية وأنماط استهلاك المحتوى؛ فالإعلام مطالب بتقديم محتوى جاد وموثوق فى قوالب متنوعة عبر منصات مختلفة تراعى اختلاف الفئات العمرية والثقافية، مع التحول إلى إعلام تفاعلى يتيح للجمهور المشاركة وإبداء الرأى من خلال منصات التواصل الاجتماعى.
وأكد «النحاس» أهمية تأهيل العاملين فى المجال الإعلامى أكاديميا ومهنيا، مع ضرورة قصر ممارسة المهنة على المتخصصين فى علوم الإعلام، وأن يتم تقديم المحتوى عبر وسائل إعلام مرخصة، بما يسهم فى الحد من انتشار المحتوى غير المهنى الذى يقدمه بعض المؤثرين وصناع المحتوى غير المتخصصين، كما يجب أن تتوجه المؤسسات الإعلامية إلى الجمهور لفهم احتياجاته واهتماماته وما يتابعه، حتى تتمكن من استعادته تدريجيا من محتوى المؤثرين؛ فالرهان الحقيقى يتمثل فى تقديم محتوى قادر على جذب الجمهور والحفاظ عليه، داعيا إلى تطوير المحتوى الإعلامى من حيث المضمون وأسلوب التقديم، فدور وسائل الإعلام لا ينبغى أن يقتصر على نشر الأخبار، بل يجب أن يمتد إلى تقديم محتوى خدمى يلبى احتياجات المواطنين، مع تنويع أدوات العرض من خلال الفيديوهات القصيرة والريلز والقصص وغيرها من القوالب الرقمية التى أثبتت قدرتها على جذب ملايين المشاهدات.
كما تطرق «النحاس» إلى الجانب التشريعى، مؤكدًا ضرورة مراجعة وتطوير التشريعات المنظمة للعمل الإعلامى، وعلى رأسها قانون تنظيم الصحافة والإعلام وقانونا نقابتى الصحفيين والإعلاميين، إلى جانب مراجعة عضويات نقابة الإعلاميين وخاصة تصاريح مزاولة المهنة، بما يسهم فى مواجهة ظاهرة «بيع الهواء» وممارسة النشاط الإعلامى دون ضوابط مهنية، وفيما يتعلق بالتمويل؛ فالمؤسسات الإعلامية مطالبة بتبنى نماذج استثمارية جديدة تضمن الاستدامة المالية من خلال إنشاء كيانات اقتصادية تُدار داخل المؤسسات الصحفية والإعلامية بما يسهم فى تنويع مصادر الدخل، إلى جانب إعادة تفعيل الوكالات الإعلانية وتعزيز دورها، مع أهمية إعداد استراتيجية وطنية متكاملة للإعلام يشارك فى وضعها خبراء ومتخصصون، على أن تتضمن محاور تنفيذية واضحة واختصاصات محددة، بهدف مواجهة التحولات التى تشهدها الساحة الإعلامية، والحفاظ على مكانة المؤسسات الإعلامية المصرية فى مواجهة تنامى تأثير الصفحات والحسابات الشخصية، وما يعرف بالإعلام غير الرسمى.
فى السياق ذاته، قال الدكتور محمود زكى، مدرس الإذاعة والتليفزيون بكلية الإعلام بجامعة سيناء: إن توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بتطوير الإعلام المصرى ليست الأولى من نوعها؛ إذ سبق أن شدد فى أكثر من مناسبة على أهمية تحديث المنظومة الإعلامية بما يتواكب مع متطلبات بناء الجمهورية الجديدة، ويعزز دور الإعلام فى رفع الوعى المجتمعى والتعامل مع مختلف القضايا السياسية والصحية والاجتماعية؛ فتطوير الإعلام يتطلب وجود تخطيط استراتيجى واضح، والدولة اتخذت بالفعل عددًا من الخطوات التى تعكس اهتمامها بإصلاح المنظومة الإعلامية من الداخل وفى مقدمتها إعادة وزارة الإعلام وإسناد مسئوليتها إلى قيادة تمتلك خبرة إعلامية وإدراكا لطبيعة المشهد الإعلامى وتحدياته، واختيار ضياء رشوان وزيرا للإعلام يعكس توجها نحو تحقيق التوازن بين احتياجات الدولة ومتطلبات الجماعة الإعلامية.
وطالب «زكى» بإعداد استراتيجية وطنية للإعلام على غرار الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان تتضمن سياسات واضحة لتطوير الإعلام المصرى، تترجم إلى تشريعات وقرارات تنفيذية تنعكس على الإعلام المرئى والمسموع والمقروء والرقمى، فوجود ما يقرب من 250 موقعا إلكترونيا رسميا يستدعى توحيد الرؤية الإعلامية، بما يمكن المؤسسات الإعلامية من مواجهة التوسع المتزايد لما يوصف بـ«الإعلام الشعبي» الذى تقدمه منصات التواصل الاجتماعى والمؤثرون، كما أن مواجهة انتشار المحتوى الذى يقدمه المؤثرون عبر منصات التواصل الاجتماعى تمثل أحد أبرز التحديات أمام الإعلام المصرى؛ فجانب كبير من هذا المحتوى يفتقر إلى الدقة والمصداقية، الأمر الذى يستوجب تطوير الإعلام الرسمى والخاص فى الوقت نفسه، حتى يتمكن من استعادة ثقة الجمهور وتقديم بديل مهنى قادر على المنافسة.
وأضاف أن نجاح الحوار الإعلامى يتطلب وجود آلية مؤسسية واضحة تضمن إتاحة المعلومات من مصادرها الرسمية بحيث تكون دقيقة وكافية وشاملة، بما يغلق المجال أمام استغلال نقص المعلومات فى نشر الشائعات أو المحتوى المضلل عبر المنصات غير المهنية، وهنا يمكن الاستفادة من التجارب الدولية فى تطوير الإعلام؛ فالدول عادة ما تستلهم النماذج العالمية فى العديد من المجالات إلا أن الإعلام يظل مرتبطًا بخصوصية كل مجتمع، فالنموذج الأمريكى على سبيل المثال لا يمنح الإعلام دورا تنمويا بالمعنى المتعارف عليه فى مصر، وهو ما يجعل من الصعب نقل أى نموذج دولى بصورة كاملة، وتطوير الإعلام المصرى ينبغى أن ينطلق من احتياجات المجتمع المصرى مع الاستفادة من التجارب الدولية فى الجوانب التى تتوافق مع هذه الخصوصية.
من جانبه، قال الدكتور حسام الضمرانى، المتخصص فى الإعلام الرقمى وعضو المجلس الأعلى للثقافة: إن توجيه الرئيس عبدالفتاح السيسى بتطوير الإعلام المصرى لا يقتصر على تحديث أدوات العمل الإعلامى؛ وإنما يستهدف بالأساس تطوير الخطاب الإعلامى بما يتوافق مع التحولات المجتمعية والتنموية التى شهدتها الدولة منذ ثورة 30 يونيو، وفى إطار مستهدفات الجمهورية الجديدة؛ فالخطاب الإعلامى فى المرحلة الحالية ينبغى أن يركز على بناء الإنسان المصرى، من خلال إبراز النماذج الوطنية الإيجابية فى مختلف المجالات، إلى جانب التعامل مع الظواهر السلبية بمنهج تحليلى ونقدى يتجاوز مجرد السعى وراء «الترند» عبر تفكيك أسباب تلك الظواهر، وطرح حلول عملية تسهم فى دعم متخذ القرار، بدلًا من الاكتفاء بعرضها بصورة سطحية.
وشدد على أهمية تحقيق العدالة الإعلامية من خلال إتاحة المعلومات للمواطنين فى مختلف أنحاء الجمهورية، وهو ما يستلزم الإسراع بإقرار قانون حرية تداول المعلومات، لأن تطوير المنظومة الإعلامية يتطلب إعادة التفكير فى صناعة الإعلام بصورة مختلفة تبدأ بتحديث غرف الأخبار وتحويلها إلى غرف أخبار ذكية ومتكاملة، تقوم على الشراكة بين المحررين والمتخصصين فى التكنولوجيا، بما ينعكس على تطوير آليات إنتاج الأخبار وتحليلها، وقياس تفاعل الجمهور بشكل لحظى، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعى وأدوات التحقق الرقمى فى مكافحة الشائعات والأخبار الكاذبة والمضللة، وتعزيز وعى الجمهور.
وأشار إلى أن المنظومة الإعلامية المصرية والعربية تواجه تحديات غير مسبوقة فى مقدمتها الشائعات والأخبار المضللة التى تنشر عبر الحسابات الآلية المدارة بالبرمجيات والحسابات الوهمية التى يديرها أفراد، ومواجهة هذه التحديات أصبحت أحد متطلبات الأمن القومى، وهو ما يستدعى إعداد جيل جديد من الإعلاميين يمتلك المهارات الإعلامية والتكنولوجية فى آن واحد، بما يتماشى مع رؤية الجمهورية الجديدة وتوجيهات الرئيس السيسى بشأن تطوير الإعلام، ويتمثل أحد أهم عناصر التطوير فى إنشاء غرف أخبار مدمجة داخل المؤسسات الصحفية والإذاعية والتليفزيونية تعتمد على إنتاج المحتوى متعدد الوسائط، وتضم فرقًا من المبرمجين والمتخصصين فى التقنيات الرقمية إلى جانب منح مساحة أكبر للشباب للمشاركة فى صناعة المحتوى الإعلامى، بما يسهم فى الوصول إلى الفئات العمرية الأصغر وتعزيز الوعى الوطنى بقضايا التنمية ومستهدفات الجمهورية الجديدة.
واقترح إنشاء وحدة لاستشراف مستقبل الإعلام المصرى تتبع وزارة الدولة للإعلام وتضم خبراء فى الإعلام والصحافة والعلاقات العامة والتسويق وعلم الاجتماع وعلم النفس، إلى جانب المتخصصين فى التكنولوجيا وممثلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام، والاستفادة من نتائج البحوث العلمية الصادرة عن كليات الإعلام، وفى مقدمتها وحدة الدراسات المستقبلية بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وتكون مهمة هذه الوحدة إعداد سيناريوهات مستقبلية لتطوير الإعلام المصرى وتحليل نقاط القوة والضعف ورصد التحديات والفرص التقنية والاقتصادية واللوجستية، بما يعزز تأثير الإعلام فى المجتمع، ويتوافق مع مستهدفات رؤية مصر 2030.