الثالث من يوليو تاريخ محفور فى قلوب كل المصريين، يحمل الفرحة والسعادة، ويؤكد على الشخصية والهوية المصرية والقوة الناعمة المصرية التى لن تموت مهما كانت التحديات والصعوبات؛ فما بين الثالث من يوليو من عام ٢٠١٣ إلى اليوم نفسه من عام ٢٠٢٦ عاش الشعب المصرى بأكمله الفرحة والسعادة والفخر، عندما انحاز الجيش المصرى بقيادة الفريق أول عبدالفتاح السيسى إلى جموع الشعب المصرى لاستعادة الوطن من أيدى الجماعة الإرهابية
وبنفس الروح ومظاهر الفرحة فى الشوارع التى عادت مرة أخرى بعد ثلاثة عشر عاما بإنجاز منتخب كرة القدم بالصعود لدور 16 لأول مرة فى تاريخنا بكأس العالم التى شاركنا بها ثلاث مرات سابقة على مدار تاريخ البطولة التى بدأت عام 1930، وكنا نلعب دائما على قصة التمثيل المشرف كضيوف شرف ونخرج من دور المجموعات من دون فوز واحد، وكان أكبر إنجاز لنا هو التعادل، ولكن فى هذه النسخة كانت المعادلة مختلفة كما يعرف الجميع، وحققنا أول فوز لنا وتعادلاً فى مباراتين وصعدنا لدور 32 ثم 16، وهنا لا أقصد الحديث عن كرة القدم كلعبة، ولكن عن الشعب المصرى الذى آمن بالحلم فى 2013، وواصل الحلم فى 2026 مع الفارق بالطبع، ولكن الهدف واحد هو رفع اسم مصر عاليا؛ فعلى مدار البطولة تابع الشعب المصرى بأكمله مباريات المنتخب مهما كان موعدها الواحدة بعد منتصف الليل أو الرابعة فجرا أو السادسة صباحا، كانت «الفان زون» بالعاصمة الجديدة وكل النوادى والكافيهات والمقاهى ممتلئة بالمشجعين من كل الفئات بلا استثناء، حتى لو كان منهم البعض الذى لا يعرف قواعد كرة القدم، ولكنهم اجتمعوا على حب مصر وتشجيع المنتخب من القلب، لذا لم أتعجب من طلب بناتى شراء «تى شيرت» المنتخب والذهاب لمشاهدة المباراة مع صديقاتهن بالنادى، فوافقت بالطبع ولم أذهب معهن، لأنى متعصب، وأحب أن أجلس أتفرج على مباريات مصر بمفردى فى المنزل، وحتى بعد انتهاء المباراة وفوز منتخبنا وصعودنا لدور 16 اتصلت ببناتى: أين أنتن، ولماذا لم تعُدن للمنزل؟.. فكانت الإجابة أننا نشارك فى الاحتفالات بفوز المنتخب، ولا أعرف لماذا نزلت للشارع لأجد أعدادًا كبيرة جدا من الشعب يرفعون الأعلام، بالإضافة إلى زفة السيارات؛ الكل يحتفل، والكل يهنئ الآخر على الفوز بكلمة مبروك، والأمر نفسه على كل وسائل التواصل الاجتماعى؛ حالة من الفرحة والسعادة، حالة خاصة لا يمكن لأى حدث آخر أن يجمع كل هذا العدد بهذا الشكل، والجميع يشعر بالفرحة والفخر.
وهذا هو الانتماء الذى يكمن فى الشخصية المصرية التى تظهر وقت الشدة ووقت الاستدعاء للوقوف خلف اسم مصر، وما أجمل الفرحة والسعادة التى يحتاج لها الشعب المصرى حتى لو كانت بكرة القدم اللعبة الشعبية الأولى فى العالم التى لا تعترف بقوة اقتصادية أو سياسية للدول ولكنها تعترف فقط بالمهارة والجماعية والروح! فمثلا أعظم منتخب هو البرازيل، وهى دولة تعانى اقتصاديا، والأمر نفسه تقريبا مع الأرجنتين، وحتى عند ذكر اسم الدولتين، أول ما يأتى فى خاطرك هو كرة القدم ونجومهم على مر التاريخ والذين يعشقهم العالم أجمع؛ فالرياضة هنا دليل على أنها من أهم عناصر القوة الناعمة للدول، حتى لو كانت تلك الدول تعانى اقتصاديا وسياسيا، وكلامى هذا للرد على بعض اللجان الإلكترونية للجماعة الإرهابية التى تسفه من إنجاز المنتخب المصرى، وتدعى أنها ضربة حظ وتبثّ سمومها ضد اللاعبين، وأنه تغييب للشعب، رغم أن تلك الجماعة كانت تستعين فى الماضى ببعض اللاعبين للاستفادة من شعبيتهم عند الجمهور، ولكنها لم تستطِع تجميل الوجه القبيح للجماعة التى ثار عليها الشعب وانحاز الجيش لثورة الشعب ومن بعدها المرحلة الانتقالية ثم انتخاب الرئيس السيسى لتبدأ الجمهورية الجديدة بأيدى المصريين ليصل المنتخب لكأس العالم مرتين كإنجاز لم يتحقق من قبل، ورغم النتائج السابقة طالب الرئيس السيسى بمدير فنى وطنى، وهو الأمر الذى قوبل بهجوم من البعض، وأنه لن يستطيع تقديم أى نتائج إيجابية، وسنكون حصالة المجموعة، ولكن لاعبى المنتخب أثبتوا أنهم رجال ويريدون تحقيق إنجاز باسم مصر، وهنا نستطيع أن نقول إن الإنجاز الذى تحقق ليس بالأمر البسيط أن تصبح بين 16 أفضل منتخب فى العالم، مع الوضع فى الاعتبار أن كل منتخب نقابله يعرف جيدا أسماء لاعبين مصريين، وهو الأمر الذى لم يتحقق من قبل، فمن فى عالم كرة القدم لا يعرف الأسطورة محمد صلاح بالإضافة إلى عمر مرموش؟ وقبل أن يقول أحدهم إنهما لم يظهرا كما يلعبان فى الدورى الإنجليزى، سيكون الرد: وهل باقى المنتخب المصرى مثل زملائهم فى إنجلترا؟.. أنا لا أريد أن أدخل فى مقارنات، ولكن منتخب مصر يلعب كوحدة واحدة لعبا جماعيا، ولا يعتمد على مهارة فردية مثل الماضى؛ لعب دفاعى وكرة طويلة (واجرى يا محمد أفندى)؛ فصلاح ومرموش عليهما ضغط دفاعى لصيق، وهو ما استفاد منه حسام حسن لمنح فرصة حرية أكبر لبقية اللاعبين، وهذا لا ينفى أن صلاح ومرموش يقدمان أفضل ما لديهما، خاصة أن هذه بطولة كأس العالم التى يشاهدها الجميع، فهل يتخيل عاقل أن هناك نجما عالمبا سوف يبخل على منتخب بلاده بالمجهود فى بطولة يراها العالم كله؟
لنعود إلى 3 يوليو والاحتفالات والفرحة النابعة من القلب والدعاء إلى الله، تكرار نفس المشهد أن المصريين يستطيعون تغيير التاريخ وإبهار العالم سواء فى 13 أو 26؛ فكلاهما إنجاز تاريخى، ولولا 2013 لما وصلنا لإنجاز 26، لذا لا أتعجب عندما أجد لجان «الإرهابية» تردد تساؤلاً: ماذا استفدنا من وصول المنتخب لدور 16؟ هل سنحصل كشعب على مكافأة؟.. وأستطيع أن أقول إن الشعب استطاع أن يرد عليهم بأننا حصلنا على أغلى مكافأة، ولكن أعضاء الجماعة لن يستوعبوها، لأن انتماءهم ليس لمصر؛ ففرحة الشعب بأبنائه وبالمنتخب الوطنى والشعور بالفخر لرفع اسم مصر عاليا هى مكافأة لا تقدر بأى أموال.
وكلنا شاهدنا مواقف بسيطة تعبر بحق عن معنى الانتماء للوطن والفرحة التى أدخلها المنتخب على قلوب الشعب المصرى؛ فعندما تكون راكبًا فى المترو وتجد صوت سائق المترو فى الميكرفون بدلا من أن يقول اسم المحطة التالية تجده يهلل الجون الأول لمصر، فتتحول عربات المترو لفرح ودعاء وأغانٍ.. هكذا وصف لى أحد أصدقائى المشهد، وهناك مشاهد أخرى بُثت على مواقع التواصل، منها مشهد من الطائرة فى الجو والكل يشاهد ضربة جزاء حسام عبدالمجيد الأخيرة، وفرحة الفوز من كل الركاب، والذين لا نعرفهم، ولكننا شاهدنا الفرحة والسعادة، وفى مشهد آخر ليس بغريب على المصريين نجد عريسًا فى قاعة الفرح يضع شاشة كبيرة ينقل عليها المباراة لتصبح الفرحة فرحتين؛ مشاهد كثيرة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعى تؤكد أن الشعب المصرى ما زال مؤمنا بالحلم عكس كل التوقعات، ولا يمكن أن ننسى مشهد حسام حسن وهو يرفع علم فلسطين بعد الفوز، وهو أبسط دليل على أن القضية الفلسطينية هى قضية الشعب المصرى بأكمله، ليس بالكلام المعسول، ولا بالتصريحات السياسية، ولكن بأفعال عفوية تكون صادرة من القلب، لذا لم يكن وجود علم لبنان بالمدرجات وقد ظهر واضحا بعد هدف إمام عاشور ولم تنتهِ الاحتفالات بالأعلام فقط، ولكن بالتهانى الصادقة والفرحة عند الكثير والكثير من الأصدقاء العرب على إنجاز مصر والوصول لدور 16، وهذه الفرحة العربية التى خرجت من القلب استطاعت أن تهزم ملايين الدولارات التى صُرفت على لجان السوشيال ميديا لإحداث الوقيعة بين جماهير الدول العربية، وأقولها مرة أخرى إن لجان الجماعة الإرهابية لن تستوعب معنى حب الوطن، ولن تفهم المعادلة التى تحير العالم بأكمله؛ فمثلا أنا كمواطن مصرى أعيش فى أزمات اقتصادية وغلاء معيشة، والمرتب لا يكفى، وأقوم بالاستلاف، وما زال عندى التزامات لا أعرف كيف سأقوم بها، وبعضنا ساخط على الحكومة، ورغم كل هذا شاهدت المنتخب، ونسيت كل شيء، هكذا المواطن المصرى الذى عاش 120 دقيقة يدعو: «يا رب يا رب انصر المنتخب»، وكله آمال وطموح، وكأن المنتخب هو ابنه فى امتحان الثانوية العامة، وفى ضربات الجزاء كادت القلوب تتوقف من شدة التعصب والخوف والقلق، ومع النهاية كادت الفرحة توقف القلب من كثرة السعادة.
نعم.. وصولنا لدور الـ16 إنجاز تاريخى بكل المقاييس، ومن حقنا أن نفرح جميعا بهذا الجيل كما كنا، وما زلنا نفخر بجيل أبناء حسن شحاتة على المستوى الإفريقى، ولكن أبناء حسام حسن على المستوى العالمى، ونحلم بأجيال جديدة من أبناء الجمهورية الجديدة بمواصلة كتابة الإنجازات العالمية التى ترفع اسم مصر عاليا، ويصبح عندنا نماذج من محمد صلاح الأسطورة المصرية الذى يعتبره الجميع ابنا وأخا؛ فهو أيقونة متفردة وليس مجرد لاعب كرة قدم عالمى؛ فدور صلاح فى المنتخب لا يقتصر على كونه مجرد لاعب؛ فهو قائد وملهم وداعم لجميع زملائه؛ فهو حقق ما يريد من إنجازات شخصية لاسمه، ولكنه يتمنى أن يحقق إنجازات باسم منتخب مصر هو وزملاؤه.