رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الـجمهورية الـجديدة.. «تتحدث عن نفسها»

30-6-2026 | 17:19
طباعة

من حقّ ثورة 30 يونيو العظيمة علينا أن نمجّدها، ونحكى سيرتها الطيبة، ومسارها المبارك على مرّ السنوات وتعاقب العقود، وأن نروى أحداثها الجليلة، ووقائعها الفارقة، ومجرياتها الفاصلة جيلاً بعد جيل، ويكفيها شرفًا فى الأذهان، ويغنيها مهابة فى الأفهام، واعتزازًا فى القلوب، أنها أنقذت مصر من مخطط اختطاف هويتها، وتغيير ثوابتها، وتبديل قناعتها لصالح جماعة مارقة وطنيًا؛ فهى لا تؤمن بسيادة الوطن، ولا تقدر وزنًا لاستقلالية قراره، ولم يكن يشغلها إلا مخطط «الأخونة» للبقاء فى الحكم قرونًا متتابعة، وعهودًا متلاحقة مع شراهة غريبة فى الاستهداف لكلّ المؤسسات الوطنية، وحقد دفين لجميع القوى السياسية والشعبية، فقد أصاب الاستعلاء قادتهم، وتملَّك الغرور من كوادرهم، فظنوا أنّهم امتلكوا زمام العقد والحلّ، فتوحّد الشعب خلف جيشه، واستدعى قائده للتدخل السريع؛ فكانت ملحمة الإرادة الشعبية ماضية، واستجاب القدر لصيحات الجماهير برحيل حكم المرشد، وسقوط مؤامرة أهل الشر وأعوانهم فى الداخل والخارج.

 
 

كلما مرّت ذكرى جديدة لثورة يونيو المجيدة، ازداد الفخر بها، وتضاعف التباهى بملحمة المصريين خلال أيامها الخطيرة، ولياليها الحرجة، فقد تحدوا تهديدات جماعة الإخوان المتعاقبة، وضربوا بتحذيراتها المتواصلة عرض الحائط، وهم يعلمون علم اليقين أن أتباع مكتب الإرشاد يضمرون الشر، وعازمون على الانتقام من المعارضين لحكم المرشد، بل إن تجهيزات التنظيم الإخوانى للأسلحة والعتاد كانت موثقة بالصوت والصورة والفيديو، حتى تكون رادعًا لكل مَنْ يفكر أو يستعد للنزول ضدّ حكم المرشد، وهو ما سجّلته الكاميرات خلال تواجد كوادر الجماعة وحلفائها من المتطرفين فوق منصات التجمعات المؤيدة لمندوب مكتب الإرشاد فى القصر الجمهورى محمد مرسى، لكنها شجاعة الشعب المصرى التى لا تهاب المخاطر، ولا تخشى المكاره، خصوصا إذا شعر بأن وطنه فى شدة، وبلده فى ضيق.

هنا يظهر المعدن الأصيل لجموع المصريين، ويحدث الاصطفاف، فيقفون كالبنيان المرصوص الذى يشد بعضه بعضًا، ولذلك زال الخطر تحت الزحف الشعبى بالملايين، وحماية قواتنا المسلحة بقيادة الفريق عبدالفتاح السيسى -وزير الدفاع آنذاك-، ثم تكلل نجاح ثورتنا بالبيان العظيم فى 3 يوليو 2013، وما أعظمه من يوم فى تاريخ مصر الحديث!؛ فهو اللبنة الأولى لتأسيس الجمهورية الجديدة، التى أخذت على عاتقها مواجهة المؤامرات كافة ضدّ الوطن، وأنها على العهد باقية، وبالوعد وافية أبد الدهر.

صحيح لم تتوقف المخططات الهدامة لأهل الشر، ولم تنقطع مكائد أذرعهم الإعلامية، ولم تكفّ ميليشياتهم الإلكترونية عن الكيْد للدولة المصرية؛ شعبًا وقيادة وحكومة، بعد مرور 13 عامًا على ثورة يونيو صاحبة السيرة العطرة، لكن يُحسب لهذه الحركة الشعبية المباركة أنها كتبت ميلاد الجمهورية الجديدة التى اتخذت من العمل الجاد، والتنمية الشاملة عقيدة راسخة، وقناعة ثابتة لبناء دولة قوية تمتلك القدرة الشاملة فى كل المجالات وعلى المستويات كافة داخليًّا وخارجيًّا؛ فقد نجحت فى محاربة مكائد الجماعة الإرهابية، ومَنْ لفَّ لفَّها من التنظيمات المتطرفة فى محاولة منهم لحصار الدولة المصرية، والعودة بعقارب الساعة إلى الوراء، وهم واهمون، وفى غيِّهم يعمهون.

فقد لفظهم الشعب بعدما علم خبث نواياهم، وافتضح مخططهم، وهنا كان المواطن الواعى فى هذه السنوات المصيرية حصنًا منيعًا فى وأد مؤامرات الجماعة، وسندًا قويًّا فى التصدى لدسائسها الشريرة، وحسنًا ما فعلته القيادة السياسية؛ فقد قررت بجسارة أن تحارب الإرهاب بيد، وتبنى باليد الأخرى لمواجهة مخططات إسقاط الدولة، وتثبيت أركان الجمهورية الجديدة، فكان لها ما أرادت، وما نيْل المطالب بالتمنى ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا، وعلينا جميعا ألا نغفل طرفة عين كدولة وشعب عن مؤامرات التنظيم الدولى للإخوان؛ فهم صنيعة عدد من الأجهزة الاستخباراتية، ويأتمرون بأمرها من أجل الإساءة إلى مصر وأهلها ومؤسساتها الوطنية، سواء بصناعة الشائعات التخريبية، أو الأكاذيب المضللة.

ترويض الأزمات علامة بارزة فى مسيرة جمهورية 30 يونيو التى تتحدث عن نفسها بالأرقام الموثقة والحقائق المؤكدة، فطريقها لم يكن ممهدًا وخاليًا من المطبات، فقبل أن تنتهى من علاج توابع برنامج الإصلاح الاقتصادى لتقوية بنية اقتصادنا الوطنى، دخلت على الخط أزمة جائحة كورونا التى خنقت الاقتصاد العالمى كله، وأوقفت حركة التجارة، وقطعت أوصال سلاسل الإمداد، وجمدت الاستثمارات، وأوقفت تدفق السياح وعرقلت الطيران؛ خوفًا من انتشار الفيروس القاتل، مع إجبار كل العواصم على تحمّل فاتورة ضخمة فى تطوير ورفع كفاءة المنظومة الصحية، مع تخصيص مبالغ كبيرة لتوفير الأمصال واللقاحات، وتخفيف مأزق انكماش فرص العمل.

ولا ينكر أحد أن الدولة المصرية تعاملت باحترافية مع هذه الأزمة التى فُرضت عليها، فرصدت 100 مليار جنيه لمحاصرة التداعيات، ونفذت سياسة ناجزة للسيطرة على الموقف، فكان المبدأ الحاسم “يد تنتج ويد تحارب الوباء”، بهدف الحفاظ على استمرار عجلة الإنتاج لتوفير الاحتياجات المحلية من غالبية السلع، مع محاصرة الفيروس اللعين، فضلا عن ملحمة إعادة المصريين الراغبين فى الرجوع لأرض الوطن، ورغم سقوط العديد من الدول الكبرى فى أزمة كورونا، وعدم القدرة على مواجهة التداعيات من انهيار المنظومات الصحية إلى نقص اللقاحات، وصولاً إلى عدم المقدرة على تسيير رحلات لعودة مواطنيها، إلا أن الجمهورية الجديدة نجحت فى هذا الاختبار بجدارة، وكانت فى نجدة كل مواطن مصرى سواء فى الداخل أو الخارج، وكله موثق بالصوت والصورة، والعينة بينة.

وللأسف، بينما تلملم الدول نفسها، وتجمع شتات أمرها من آثار الفيروس الشرس على مدى نحو 3 سنوات من الإغلاق شبه التام، وتسعى للخروج بأقل الخسائر الممكنة، فوجئ صُناع القرار عالميا، وليس فى مصر فقط، باشتعال شرارة الحرب الأوكرانية الروسية، فزاد الطين بلة، وعادت الأمور إلى المربع صفر، ورغم أنها أزمة مستوردة وليست محلية، دفع الاقتصاد الوطنى فواتيرها الكبيرة كغيره من اقتصادات العالم وفى مقدمتها الدول الناشئة، فقد نتج عن هذه الحرب ارتفاع تكلفة استيراد السلع الغذائية الأساسية والطاقة، ما أدى إلى ضغوط تضخمية غير مسبوقة وانخفاض متكرر فى قيمة الجنيه.

ولولا حكمة القيادة السياسية منذ 2014 بالتوسع فى المشروعات القومية العملاقة بمجال الزراعة، لتعرض الأمن الغذائى محليا لهزة شديدة، لأن القاهرة كانت تعتمد على روسيا وأوكرانيا لتأمين أكثر من 80 فى المائة من احتياجاتها من القمح، إلى جانب أن حالة عدم اليقين العالمى أدت إلى تخارج مفاجئ لاستثمارات الأجانب فى أدوات الدين الحكومى، وتباطؤ قطاع السياحة بحكم أن السياح الروس والأوكران من الروافد الرئيسية للسياحة المصرية، ما يعنى تراجع حصيلة العملة الصعبة وإرهاق الموازنة العامة للدولة، وهنا تأكد المصريون من أهمية منظومة المشروعات القومية من جهة، وحتمية سياسات الإصلاح الاقتصادى رغم مرارتها لأنها زادت من قدرة الاقتصاد المصرى على الصمود وامتصاص الأزمات، وترويضها الواحدة تلو الأخرى، فالتخطيط كان حاضرا، وتنسيق الأهداف كان محكما، وبالتالى النجاح فى المواجهة متاح.

وبالإرادة الصلبة نفسها، والتدبير المحكم، تغلّبت الدولة المصرية على عواقب حرب غزة متعددة المآلات، متلاحقة السلبيات، من انخفاض إيرادات قناة السويس إلى تضاعف تكاليف الاستيراد وسلاسل الإمداد، وصولاً إلى تراجع حركة السياحة، ثم دفع المصريون جميعا، سواء الجهات الحكومية أو مؤسسات المجتمع المدنى والمواطنين، فاتورة توفير المساعدات الإنسانية والإغاثية بأنواعها كافة من الغذاء إلى الدواء عبر معبر رفح الذى ظل مفتوحا على مدار الساعة، ومن خلال مطار العريش، بالإضافة إلى الإسقاط الجوى، المطابخ الإنسانية فى رحاب اللجنة المصرية لإغاثة غزة وما حولها من المناطق والمخيمات، فى جسر متواصل لم تنقطع حلقاته حتى الآن دعمًا للأشقاء، ويكفى هنا أن نشير إلى أن ما قدمته مصر من مساعدات لأهالى القطاع يفوق 70 فى المائة من إجمالى حجم المساعدات من الدول كافة، وهو جهد عظيم يدركه مَنْ كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وما تحملته الدولة المصرية من ضغوط شتى ومخططات متنوعة من دولة الاحتلال وأعوانها فى الغرب بهدف إجبار القاهرة على قبول مخطط التهجير وتصفية القضية الفلسطينية قصة أخرى، تارة بعروض مغرية وصلت إلى مئات المليارات من الدولارات مع تصفير ملف الديون الخارجية، وتارة بتهديدات غير مباشرة بالحصار الاقتصادى والتطويق السياسى، لكن القيادة السياسية، ممثلة فى الرئيس السيسى وفى ظهره جميع الشعب المصرى، وقفوا بالمرصاد لهذه المؤامرة اللعينة، وحشود المصريين بالآلاف فى سيناء رفضًا للتهجير، ودفاعًا عن استقلالية القرار المصرى أخرست جميع المتآمرين، وفقأت أعين المتربصين، وبوحدة الصف الوطنى، نجحت الدولة المصرية فى ترويض أزمة التهجير التى تعتبر من أخطر المؤامرات التى واجهت المصريين فى التاريخ الحديث، وما خفى من علامات هذا الانتصار كان أعظم، وسيفرد له التاريخ سجلات وموسوعات.

ولم تختلف تبعات الحرب الإيرانية كثيرا عن سابقتها، إلا أن الخبرة المتراكمة لصُناع القرار فى مصر، والممارسة على أرض الواقع أكسبتهم الاحترافية فى التعامل، والقدرة على المواجهة، فقد كانت هناك سرعة فى اتخاذ القرارات الاستباقية لتخفيف العبء عن الموازنة العامة، وفى مقدمتها خطوات التقشف وترشيد الإنفاق، ما جعل اقتصادنا يظهر مرونة أكبر وتأثرًا أقل مقارنة بغيره فى دول المنطقة بفضل تنوع مصادره والإصلاحات النقدية، وهذه ليست مجرد وجهات نظر، بل حقيقة أكدتها استطلاعات رأى وتحليلات صادرة عن مؤسسات متخصصة، وذات صيت عالمى، وهى شهادة تقطع بمقدرة الجمهورية الجديدة على إدارة الأزمات وتطويع المِحَن، ورُبَّ ضارة نافعة؛ فقد تحركت الدولة بخطى أسرع فى مجال توطين الصناعة، وما أحوجنا إلى الانطلاق فى هذا الاتجاه!.

والأمر المؤكد أن دولة 30 يونيو حققت التنمية الشاملة ولا تزال تواصل المسار نفسه، فيد العمران والبناء لا تتوقف بطول وعرض البلاد فى المجالات كافة، فلا انشغال بقطاع على حساب آخر، ولا اهتمام بمنطقة دون أخرى، بهدف توفير الحياة الكريمة للمصريين، وأعداد المشروعات القومية العملاقة عصيّة على الحصر، وصعبة على العدّ، ونجمل القول فى إنفاق أكثر من 10 تريليونات جنيه على مشروعات البنية التحتية، ما فتح شرايين التنمية والاستثمار فى كل مكان من الزراعة إلى الصناعة، ومن الإسكان إلى الطرق، ومن الصحة إلى التعليم؛ فالجمهورية الجديدة عن حق تتحدث عن نفسها بالإنجازات وليس الشعارات، وهى كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء، وتستمر مسيرة النجاحات عامًا وراء عام.

حمى الله مصر وشعبها وقيادتها

ومؤسساتها الوطنية من كل سوء

أخبار الساعة

الاكثر قراءة