رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

يا ولدى هذه هى ثورة 30 يونيو المجيدة


30-6-2026 | 17:31

.

طباعة
بقلـم: طارق أبو السعد

رنَّ جرس التليفون، وكان على الطرف الآخر أحد السادة الصحفيين يطلب منى تصريحًا عن ثورة 30 يونيو 2013، وهل حققت أهدافها، فتحدثت إليه طويلًا، وارتفع صوتي، وظهرت انفعالاتى وأنا أتذكر وقائع الثورة وما سبقها من أحداث، غير أننى لم أنتبه أننى كنت فى غرفة ابنى الصغير أحمد، الذى أتم الثامنة عشرة من عمره قبل أسابيع قليلة، وعندما أنهيت المكالمة، وجدته ينظر إلى بتركيز، تاركًا مذاكرته واستعداداته للثانوية العامة، وقال لي: «بابا، أنت بتتكلم بانفعال جدًا، حتى إنك تتصبب عرقًا، وكأنك كنت فى معركة.» فقلت له: «يا ولدي، لقد كانت معركة فعلًا، ولقد شاركت فيها ولى الشرف، وكلما تذكرتها تذكرت الأيام العصيبة التى سبقتها.» فقال لي، بتعجب ممزوج بالاستفهام والإنكار: «للدرجة دى؟».

 

كان سؤاله بالنسبة لى أشبه بطعنة، فعلى الرغم من كتاباتى التى امتدت أكثر من خمسة عشر عامًا فى مواجهة أفكار الجماعة الإرهابية، ها هو ابنى لا يعرف طبيعة، ولا خطورة، ما كنا نواجهه، ورغم أن أخته وأخاه الأكبر أكثر إدراكًا منه، التمست له بعض العذر، لأن ثورة 30 يونيو قامت وكان وعيه بالأحداث مشوشًا فبالكاد كان قد أتم خمس سنوات، ثم ظل سنوات طويلة بعيدًا عن الاشتباك مع الشأن العام، لكن ما عذرى وعذر أمثالى فى عدم مخاطبة هذه الأجيال، ولماذا تركنا عقولهم ووجدانهم فارغين تجاه ثورة أنقذت مصر الوطن، ومصر الشعب، إن صمت منْ شاهدوا الحقيقة عارية، وأدركوا خطورة مستقبلنا مع الجماعة جريمة فى حق مصر.

فإذا كان هذا حال ابنى أحمد، وهو ابن أحد الذين نذروا أنفسهم للكتابة عن الإرهاب، وثورة 30 يونيو الملهمة للمصريين، فما بال مئات الألوف من شبابنا الذين لم يدركوا الإخوان، ولم يشاركوا فى الثورة، نعم قد يعرفها البعض من الإعلام، لكنها معرفة مقتضبة، لأنهم، وبكل أسف، لا يدركون قدرها، ولا أهميتها، ولا يتخيلون حجم المعاناة التى كان يعيشها الشعب المصرى وقت حكم الإخوان.

اعتدلت فى جلستي، ونظرت إليه، وقلت له: «ممكن تقف أمام المرآة؟» فوقف مندهشًا، فقلت له: «انظر إلى نفسك، أنت تطيل شعر رأسك بصورة لافتة، وتترك لحيتك وتهذبها شبابياً، وتقصر شعر رأسك من الجانبين، وترتدى ملابس (Oversize)، فمنْ سمح لك بهذه الحرية؟» فقال: «حضرتك.» فقلت: «لا».

فقلت له: «هل تعلم أن منْ سمح لك بتلك الحرية هى ثورة 30 يونيو، لأنها منحتك الحرية فى اختيار شكلك؟ فلو لم تقم الثورة، لكان المتطرفون فى طريقهم إلى تكوين لجان تفرض آراءها، وشكل الزى الذى يجب أن يكون للرجال والنساء، فتحت مزاعم معاونة الشرطة، قرر مندوب الإخوان فى الرئاسة تشكيل قوة من عناصر الجماعة تمتلك حق الضبطية القضائية لإقرار الأمن وفق رؤيتهم.»

انتبه أحمد إلى أن ممارسته لأبسط حقوقه كان الفضل فيها، بعد الله، لثورة 30 يونيو، فقلت له: «هل تعلم أن هذه المجموعة وقفت، متسلحة بالعصى والشوم والخرطوش والخوذ، ضد ندوة أُقيمت فى دمنهور؟ هل تعلم أنهم سحلوا كل منْ تظاهر ضدهم؟ هل تعلم أنهم أطلقوا الرصاص على المتظاهرين ضدهم فى مدينة حوش عيسى وأصابوا بعضهم فى عينه؟ قرابة أربعين شخصا فقدوا أبصارهم كليا أو جزئيا فى هذه المظاهرة السلمية؟ طيب، هل تعلم أنهم أحرقوا مبنى محافظة البحيرة؟ ووقتها لم أكن أصدق أنهم هم منْ فعلها، حتى اعترف أحدهم أمامى أنهم هم منْ أشعلوا النيران فى مبنى المحافظة».

أطرق جالسًا، ووضع رأسه بين يديه، بالطريقة التى أعرفها عنه عندما يريد أن يسمع أكثر، فقلت: «ليس هذا فقط، فكلية الفنون الجميلة التى ترغب فى الالتحاق بها، هل تعلم أنه كان من المتوقع ألا تكون فى صورتها التى تعرفها اليوم؟ طيب بلاش كل ده، هل تعلم أن أحلامك، وحواراتك، وأفكارك حول الاستقلال، وحرية اختيار مستقبلك، وما تعيشه من اختلافات، ومناقشات، واختيارات، كان سيكون مهددا لو استمر الإخوان فى الحكم؟».

يا ولدي، عندما تسمع أحدهم يقول: ماذا لو لم تقم ثورة 30 يونيو؟ فلا تتعامل مع السؤال باعتباره مجرد سؤال، بل اسأل نفسك أولًا: كيف كانت مصر تسير فى ذلك الوقت؟ وما الذى كان يخشاه ملايين المصريين حتى خرجوا بهذا العدد غير المسبوق؟

لقد كان المصريون يرون أن الدولة تسير فى طريق شديد الخطورة، وأن مؤسساتها تتعرض لمحاولات إضعاف، وأن حالة الاستقطاب بلغت حدًا ينذر بتمزيق المجتمع، والجماعات الإرهابية تتوسع، وسيناء تعيش أوضاعًا شديدة الصعوبة، ولو استمر هذا المسار، كان من المرجح أن تتزايد الفوضى الأمنية، وأن تجد التنظيمات المسلحة مساحة جغرافية أكبر للتمركز وتمزيق الدولة، وفقد سيطرتها الكاملة على المناطق الحدودية.

وعلى المستوى الاقتصادي، لم تكن المشكلة فى أسعار السلع، وإنما فى غياب رؤية الجماعة لإدارة اقتصاد دولة بحجم مصر، فاستمرار الاضطراب السياسى كان كفيلًا بإبعاد الاستثمار، وإضعاف الإنتاج، وزيادة البطالة، وارتفاع معدلات التضخم، وهى ظروف لا تستطيع أى دولة أن تحقق معها استقرارًا حقيقيًا.

أما على المستوى الإقليمي، فكانت مصر مهددة بأن تفقد استقلالية قرارها السياسي، وأن تصبح أقل قدرة على الدفاع عن مصالحها، بينما كانت الملفات الكبرى، من ليبيا إلى غزة، ومن أمن الحدود إلى مياه النيل، تحتاج إلى دولة قوية، لا إلى دولة منشغلة بصراعاتها الداخلية.

ولهذا، يا ولدي، فإن الذين عاشوا تلك الأيام لا يتذكرون 30 يونيو باعتبارها معركة وجود شعروا فيها أنهم جنود فى معركة يدافعون عن وطنهم ودولتهم، بل عن مستقبل أبنائهم، مستقبلك أنت يا ولدي، خرجنا لتتمتع بالحرية، خرجنا، لتتمتع بالسير آمنا مطمئنا، فلا تتعجب من انفعالى فأنت وجيلك والأجيال القادمة مدينة لثورة 30 يونيو 2013.

يا ولدى إن علينا مسئولية بناء وعيكم، فمن حقكم أن نحكى لكم ما رأيناه بأعيننا، وما عشناه بقلوبنا، ومن واجبنا أن نخاطبكم بلغتكم، حتى تفهموا ماذا صنعت لكم ثورة 30 يونيو.

يا ولدي، لا تسمح لأحد أن يختزل تلك اللحظة التاريخية فى مقارنة بين سعر سلعة بالأمس وسعرها اليوم، فالأوطان لا تُقاس بأسعار الزيت والأرز، وإنما تُقاس بقدرتها على البقاء، وبقوة مؤسساتها، وبأمن شعبها، وباستقلال قرارها.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة