مع حلول 30 يونيو من عامنا الحالى (2026م) يكون قد مر ثلاثة عشر عامًا على ثورة المصريين فى عام 2013م، بعد عام واحد فحسب من حُكم جماعة الإخوان الإرهابية (2012-2013م)، حيث تنوعت أسباب الثورة، بين أسباب سياسية وأخرى اقتصادية وثالثة اجتماعية، فقد اكتشف المصريون:
ميل جماعة الإخوان إلى «ركوب الموجة» واستغلال الفرص، حيث كان أعضاء الجماعة قد ترددوا فى الالتحاق بثورة 25 يناير 2011م، ثم أدركوا أنها سوف تنجح وتطيح بنظام الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، وأنها فرصتهم للوصول إلى الحكم والسيطرة على الشارع المصرى، فأيدوا الثورة وانضموا إليها، وعلى الرغم من إعلانهم أنهم لن يقدموا مرشحًا لتولى منصب الرئيس، فإنهم عادوا ورشحوا محمد مرسى، باعتباره واحدًا من بينهم حتى يمكن السيطرة عليه وتوجيهه حسب سياة الجماعة وتطلعاتها.
انحراف جماعة الإخوان بمسيرة الوطن، والعمل على تغيير هويته التى ترسخت عبر آلاف السنين، حيث أرادت الجماعة «أخونة» وطن بأكمله، ومارست السياسة على أرضية دينية، الأمر الذى ابتعد كثيرًا عن مفهوم الدولة المدنية الحديثة، التى تستوعب جميع المواطنين دون تفرقة ودون تمييز؛ فالدولة المدنية تفصل الدين عن السياسة ولا تخلط بينهما، دون أن تفصل الدين عن المجتمع، لأن الدين مقدس وتعاليمه نبيلة وسامية، أما السياسة فهى متغيرة ومتقلبة.
سبب آخر مهد لثورة المصريين فى 30 يونيو تمثل فى اصطدام جماعة الإخوان بكثير من مكونات الجماعة الوطنية المصرية، من خلال تصريحات وممارسات غير مسئولة تبتعد عن سياسات الدول الحديثة ونهجها، حيث اصطدم الإخوان بالمواطنين الأقباط والمرأة والفنانين والصحفيين والإعلاميين ورجال الجيش والشرطة والقضاء، وغيرهم.
ومن هنا لم يرحب المصريون باختطاف مصر، من خلال تيار بعينه، فى اتجاه يمارس العمل السياسى على أساس دينى، ويمارس استبعاد وتهميش وإقصاء الآخرين والمختلفين، وبالإجمال يُقزّم من حجم الدولة المصرية لصالح توجهات بالية عفى عليها الزمن، ولم تعد تصلح لدولة مدنية حديثة، جديدة وراقية.
من هنا كان لا بد للمصريين من أن يقوموا، وكان لا بد لهم من أن يثوروا؛ فكانت ثورة 30 يونيو، وكان فجر يوم جديد مع صبيحة يوم 3 يوليو، والتطلع نحو بناء وتأسيس جمهورية جديدة، أراد المواطنون المصريون أن تقوم على دعائم المواطنة والحرية والقانون والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحوار الوطنى، وغيرها من قيم الدولة المدنية الحديثة التى تواكب العصر، تسايره ولا تتخلف عنه؛ فكانت ثورة الشعب المصرى رسالة للجميع بأن مصر دولة حرة وأبية، صاحبة حضارة عظيمة وصانعة مجد تليد، وأنها لن تتخلى يومًا عن مجدها القديم.
إعلام الإخوان
اهتمت جماعة الإخوان الإرهابية بالصحافة والإعلام، بهدف نشر أفكارهم وكسب مؤيدين لهم ومتعاطفين معهم، من خلال إصدار صحيفة يومية ناطقة بلسان الحزب الذى أسسوه فى عام 2011م، ومن جانب آخر استثمار شبكات التواصل الاجتماعى، والسماح لمؤيديهم بالتواجد فى كثير من المؤسسات الصحفية والإعلامية، بهدف الانتشار والسيطرة. ولعل تحليلًا أوليًا لإعلام الإخوان يكشف عن:
ممارسة حالة من التشفى والكيد والتكبر والتعالى، حيث استخدموا خطابًا سياسيًا لا يلائم تطورات العصر، ولا يليق بمصر القرن الحادى والعشرين، خطابًا يفرّق ولا يُجمّع، خطابًا لا يحترم التنوع ولا يؤمن بالتعددية، على الرغم من أن سمة التعددية والتنوع واحدة من أبرز السمات التى يتميز بها المجتمع المصرى منذ مئات السنين، حيث يعيش المصريون فى إطار من الوحدة الحاضنة للتنوع، أو التنوع فى إطار الوحدة.
وقد أخذ هذا الخطاب يزداد ويمتد ويتعالى يومًا بعد يوم، فمن كان يصدق عودة أفكار وأحاديث بالية، مثل فرض الجزية على المواطنين الأقباط فى مقابل عدم التحاقهم بالخدمة العسكرية «الجيش»، أو الدعوة لحصر دور المرأة المصرية فى أدوار تقليدية ومناداة البعض بعودتها إلى المنزل لعلاج مشكلة البطالة بين الشبان دون النظر لكفاءة كثير من السيدات فى مختلف مواقع العمل وتخصصاته.
مهاجمة الفن والفنانين، فضلًا عن معاملات غير لائقة للصحفيين والإعلاميين وغيرها من ممارسات، ما أساء للدولة المصرية ومواطنيها، سواء فى الداخل أو فى الخارج.
إعلام دولة 30 يونيو
ربما فى المقابل حرص إعلام دولة 30 يونيو و3 يوليو على تقديم مجموعة مهمة من الرسائل الكاشفة لطبيعة المصريين، والمُعبرة عن هويتهم الثقافية والحضارية التى تشكلت عبر مئات السنين، من خلال الكثير من التجارب والمواقف والأحداث والأفكار، ومن ذلك مثلًا:
أن مصر صنيعة المصريين وحدهم، وأولًا وأخيرًا، بقدر ما يجتهدون وبقدر ما يخططون ويعملون، وبقدر النضج والوعى الذى يمتلكونه بحقيقة التغيرات المحلية والإقليمية والدولية، وغيرها من المتطلبات والمشكلات أو التحديات التى يواجهونها، ويعملون على حلها، ذلك أن «مصر هبة المصريين» بتعبير الأستاذ محمد شفيق غربال فى مفتتح كتابه «تكوين مصر»، فهى ليست فقط «هبة النيل».
استيعاب ماضى الوطن والتفكير فى حاضره والتطلع إلى مستقبله، وجاءت ثورة المصريين تعبيرًا عن رغبة حقيقية فى تصحيح المسار وإعادة توجيه البوصلة من خلال العودة بمصر مرة ثانية وطنًا للجميع، يحتضن الكل ويستوعب الكل، وطن لا يستبعد أحدًا ولا يقصى أيًا من مكوناته؛ فالجميع مدعو للتكاتف والعمل والاشتراك والتعاون من أجل تحقيق الصالح العام والخير العام.
أن المصريين يعيشون معًا فى محبة وسلام ووئام على الرغم من تنوع الانتماء الدينى فيما بينهم، وعلى الرغم من أى تنوع يميزهم، على أساس الدين أو المذهب الدينى داخل الدين الواحد، أو لون البشرة، أو النوع الاجتماعى (الرجل والمرأة)، أو المستوى الاقتصادى- الاجتماعى، أو الموقع الجغرافى، أو الانتماء الفكرى والأيديولوجى، أو الانتماء الرياضى، وغيرها من انتماءات فرعية ضيقة، ولعل هذا هو جوهر مبدأ المواطنة، الذى يستوعب الجميع، لأنه يُجمّع ولا يُفرّق.
أن المجتمع المصرى يتميز بسمة التنوع فى إطار الوحدة، أو بتعبير آخر هى الوحدة الحاضنة للتنوع، وهى سمة أصيلة مثلت مشهدًا بديعًا -فى الأغلب الأعم- أكد لنا كيف أن مصر دولة ثرية وغنية ذات تنوع مبدع وتعدد خلاق، وهو ما عبر عنه الكثير من حوادث التاريخ ومواقفه، علاوة على رؤى مثقفيه ومفكريه التى احتضنتها صفحات الصحف وبطون الدراسات والمؤلفات والكتب التى اختصت بحركة المصريين فى مختلف المجالات.
ارتباط المصريين بمختلف مؤسسات الدولة، فلا توجد عداوة حتى وإن ظهرت تجاوزات فردية هنا أو هناك، بل هى علاقة صحية تستهدف الخير العام وصالح الجميع، كما يعتز المصريون بمختلف مصادر ومظاهر القوى الناعمة والذكية، وكل فئات المجتمع، حيث أدرك المصريون أهمية الاستقرار والتنمية والبناء، وأنه ليس من الحكمة أن يخسروا أيًا من مصادر قوتهم.
كذلك، حرص الإعلام على تأكيد الحضور المشترك للمصريين، من مسلمين ومسيحيين، فى مختلف المواقف والمناسبات، وهو حضور قوى يتجلى دومًا ويظهر بوضوح مع وجود أهداف ومشروعات قومية، كما يتجلى فى الأحداث المجتمعية الكبرى، بالإضافة إلى الممارسات الاجتماعية ومعاملات الحياة اليومية، التى تعكس وتؤكد وحدة شعب مصر، وأن ما يجمعهم أكثر كثيرًا مما يفرقهم، ومن تلك العناصر التى تجمع المصريين: اللغة- الهوية- الثقافة- المصلحة المشتركة- رابطة الدم، بالإضافة إلى حوار الحياة اليومية المشترك الذى يستمر ويتجدد كل يوم.
وقد نقلت الصحف وغيرها من وسائل الإعلام الكثير من سقطات جماعة الإخوان، وبالأخص خلال العام الذى حكموا فيه مصر، من خلال المقالات الصحفية والبرامج التليفزيونية، بالإضافة إلى إنتاج أعمال درامية، تليفزيونية وسينمائية، بهدف بناء الوعى عند المصريين.
وعلى مستوى العمل المؤسسى فقد بدأ عمل الهيئات المنظمة للعمل الصحفى والإعلامى، فى عام 2018م، من خلال بدء عمل ونشاط المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة، فى محاولة لضبط المشهد الصحفى والإعلامى وتنظيمه مهنيًا.
تحديات وصعوبات
نعم، لا تزال هناك تحديات كثيرة ومشكلات كبيرة يواجهها المصريون، ويتعاطى معها الإعلام، عبر مختلف وسائله، فى ظل ظروف محلية وأوضاع إقليمية وسياق دولى، وهم يأملون فى تحسين الحاضر وبناء مستقبل أفضل، ومن ذلك مثلًا مواجهة بعض المشكلات مثل الفقر والمرض والجهل والأمية، وقضية الزيادة السكانية، ومشكلة الغلاء والتضخم وارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى مشكلة التطرف والتشدد، فضلًا عن النزاعات الإقليمية والصراعات الدولية، وهى بالطبع تحديات ومشكلات من شأنها تعطيل كل خطوة تستهدف التنمية والإصلاح.
ولكن يبقى الأمل دائمًا ما دامت الحياة مُستمرة، عبر العمل معًا، ومن خلال الحوار الوطنى، بمشاركة مختلف مؤسسات المجتمع وفئاته، لأن المسئولية مشتركة، حيث نعيش معًا فى وطن واحد، نواجه فيه تحديات واحدة ونتطلع لأهداف واحدة، ويجمعنا مصير مشترك.
ولعلنا نتطلع إلى مزيد من الإعلام الاحترافى الذى يعكس جهود مؤسسات الدولة فى مختلف المجالات وكافة القطاعات، فى عالم يتميز بالتطورات التكنولوجية السريعة والمتلاحقة.
إعلام يتجنب المبالغة والتهويل عند عرض إنجازات الدولة ومشروعاتها، ويهتم بالرد على أية انتقادات فى إطار من المهنية والموضوعية دون تشنج ودون انفعال، ويستمر فى مواجهة الشائعات والأكاذيب والأخبار الزائفة أولًا بأول من خلال نشر البيانات والمعلومات.
إعلام يقترب من المواطنين فى العاصمة «القاهرة» وكافة المحافظات، فى المدن والقرى، بحيث ينقل رؤاهم وأفكارهم ويلبى احتياجاتهم الإعلامية.
وعلى المستوى المؤسسى، فإننا نتطلع إلى مزيد من التعاون والتنسيق وبين وزارة الإعلام والهيئات المنظمة للعمل الصحفى والإعلامى، بالإضافة إلى التشبيك وبناء الشراكات مع نقابتى الصحفيين والإعلاميين.
وختامًا، تبقى مصر «هبة المصريين» وصنيعة أبنائها وبناتها، وتبقى مصر لكل المصريين، ويبقى الأمل دائمًا مع كل صباح وإشراقة يوم جديد، نؤمن فيه بمبدأ المواطنة الفاعلة، حيث المشاركة والمساواة فى الحقوق والواجبات دون تفرقة ودون تمييز بين مواطن وآخر، وطن يؤمن بقيم الإنتاج والعمل، والحوار والتعاون والعيش المشترك والتسامح والسلام الإيجابى، من أجل حاضر أفضل ومستقبل أكثر إشراقًا، لنا ولأولادنا من بعدنا.