رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مستقبل كليات العلوم


18-6-2026 | 12:11

.

طباعة
بقلـم: إيمان رسلان

فى أول لقاء مع د. عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالى والبحث العلمى، بعد أن تولى المنصب مؤخرا، سألته سؤالاً مباشرًا عن مستقبل كليات العلوم، الكلية التى تنبع منها العلوم الأساسية التى تسهم فى تطور العلم والتكنولوجيا بتخصصاتها المختلفة، كان سؤالى تحديدا بخصوص ما يتردد حول خطة للتطوير، والتقرير الجديد الذى تطرحه لجنة القطاع بالمجلس الأعلى للجامعات تحت بند أو لافتة التطوير لكليات العلوم ويرسل إلى الكليات.

 

قال الوزير إن هناك خططًا بالمجلس الأعلى للجامعات للتطوير، وإنه سوف يتناقش حولها، وفهمت أنها لم تُحسم حتى الآن؛ فكلية العلوم هى مركز العلوم الأساسية، والتى تخرج أبحاثها لتطور العلم والتكنولوجيا بتخصصاتها المختلفة من الرياضيات إلى الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والفلك وغيرها من التخصصات المهمة وصلب العلم الحديث، لذلك توجهت بالسؤال إلى أمين المجلس الأعلى للجامعات د. مصطفى رفعت، فقال لى: إن خطط التطوير هى أفكار ومناقشات لجنة القطاع نفسها أى لجنة العلوم الأساسية، لم تقنعنى الكلمات؛ فما زال الأمر يحتاج إلى النقاش والحوار، خاصة أننى ذكرت له أن البعض من أساتذة الكليات قد وصلتهم هذه التقارير، وبها التوصيات للتطوير وربما للربط مع سوق العمل، وكذلك اقتراحات لخفض ساعات الدراسة وليس فقط تطوير المكون الأكاديمى، وأنه من الأفضل أن يتم أو يتسع الأمر لحوار واسع مع الكليات نفسها وأساتذتها، ولا يقتصر الأمر على البعض فقط.

لماذا القلق إذن على مستقبل كليات العلوم؟ هل لأنها من أوائل الكليات التى وضعت مصر على خريطة الإنجاز العلمى أم لأنها كانت الأولى بالمنطقة؟، حيث أُنشئت بالجامعة المصرية 1925، وأسهم فى التأسيس لها هو العظيم د. مصطفى مشرفة حتى أصبح أول عميد مصرى لها وما قاله أينشتاين عنه، وليس لأنها الكلية التى أخرجت لنا د. زويل وحصوله على نوبل، ثم كانت أبحاث د. رشدى سعيد ود. القصاص ود. طلبة، وما زالت قصص النجاح مستمرة حتى الآن؛ فلدينا علماء بالتخصص يعملون بإصرار على رفع راية العلم، والاكتشافات العلمية مثل د. هشام سلام فى الحفريات، وعلماء آخرون فى كثير من دول العالم المتقدم ومنها الرياضيات والفيزياء والفلك؛ فهذه التخصصات هى التى تدرس العلوم الأساسية وباطن الأرض ومستقبلها والفضاء، فهذه العلوم ليست رفاهية، بل هى المستقبل والمساهمة به.

بمعنى أن الكلية وتخصصاتها مبعث للعلم والمساهمة الأساسية فى تقدم العلوم التطبيقية والمهنية مثل الهندسة والطب؛ فعلوم وأبحاث الرياضيات ومعادلاتها سواء الرياضيات النظرية أو التطبيقية هى التى أنتجت لنا تطبيقات التكنولوجيا وصولا إلى الذكاء الاصطناعى ثم الذكاء التوليدى.

 لذلك، فإن الحوار حول مقترحات الخطة الجديدة للتطوير ليس رفاهية، وأتمنى ألا يرتبط التطوير فقط بمسمى التخصصات لتلائم سوق العمل، لأن السؤال الذى يطرحه أساتذة العلوم: هل لدينا دراسات حقيقية عن سوق العمل لا سيما فى المستقبل؟.. بداية فلست ضدّ أى تطوير بل العكس هو الصحيح ولكن أن يكون ذلك وفق معايير يتم التوافق عليها؛ فمثلاً فى قضية الخريجين -كما قال لى أحد أساتذة العلوم- فهم ينقسمون إلى نوعين: خريج متميز يتجه للبحث العلمى، وهذا الخريج تطلبه وتوافق عليه ويُقبل بأكبر الجامعات بالخارج وليست هناك صعوبات كبيرة تواجه هؤلاء، وجزء آخر من الخريجين يعملون بالشركات المحلية ويستمرون فى البحث العلمى بالداخل، ثم نوع آخر يتجه للعمل داخليا بالشركات أو بالتدريس وربما بوظائف لا تحتاج إلى قدرات إبداعية أو بحثية، وعلمت من أرقام ونسب التصنيفات الدولية، وكذلك أرقام وزارة التعليم العالى أن كليات العلوم ما زالت فى مرتبة جيدة فى الإنتاج البحثى إن لم تكن فى مرتبة متقدمة، إذن قضية سوق العمل هنا لا بدّ أن نوضح أنها متغيرة بل وتنافسية، وينافس خريج العلوم خريجى الحاسبات والصيدلة والطب البيطرى والزراعة كذلك، وأن التطوير كما أفهمه هو فى دعم تقديم برامج تدريبية تطبيقية أكثر للطلاب، وليس فقط فى تقليص عدد الساعات الدراسية للطلاب، لأن الطالب المُعدّ أكاديميا جيدا يستطيع بقليل من الجهد العلمى والتعليمى أن يطور من مهارته، وهنا أتذكر أنه تحت لافتة التطوير فى مرحلة سابقة، حيث تم تقليص المشاركة الأجنبية والخارجية فى تحكيم الرسائل الأكاديمية مثلما حدث بكلية العلوم، وهى كلية متميزة وقد كتبت عنها وبتميزها، لا سيما أن الدرجة الأعلى فى الرسائل العلمية الأكاديمية مثل درجة الدكتوراه كان لا بدّ أن يكون المُحكم أجنبيا، ولكن للأسف تم التراجع عن هذا الشرط بحجة وجود عدد كبير من الأساتذة المصريين فى الداخل، وبدلاً من تصويب الأمور للتطوير والاحتكاك وتبادل المعارف مع الخارج، نغلق على أنفسنا ونضع لوائح عامة ولجميع الكليات، وربما هذه النظرة والتعميم للتعليم الجامعى قد تقلل من مستوى التعليم به.

تذكرت كل ذلك وخطط التطوير لكليات العلوم، وكذلك دورها الحاسم لا سيما وطنيا وتاريخيا، سواء من علماء العرب، ومنهم جابر بن حيان، الذى يُلقب بأبو الكيمياء واكتشف التقطير، وأبوبكر الرازى وغيرهم، وصولا إلى مساهمة علمائها فى انتصار حرب أكتوبر، حين تابعت وقائع مؤتمر اتحاد الكيميائيين المصريين والعرب، الذى عُقد بالمركز القومى للبحوث وجلسته الختامية بالجامعة الألمانية حول المستقبل لا سيما مع الذكاء الاصطناعى، وكيف كان د. سيد مشعل، وزير الإنتاج الحربى الأسبق، ورئيس جمعية الكيميائيين المصريين المنظمة للمؤتمر، يتحدث عن دور الكيمياء، وكيف أنها من العلوم الأساسية المؤثرة فى مختلف جوانب الحياة، وأن دخول الذكاء الاصطناعى لها أصبح ضرورة لأنه يمثل نقلة نوعية للعلم نفسه وتطبيقاته، فدار فى ذهنى باستمرار التساؤل حول مستقبل كليات العلوم فى عصر الذكاء الاصطناعى، حيث قال د. أشرف منصور، رئيس مجلس أمناء الجامعة الألمانية بالقاهرة، وهو خريج كلية علوم القاهرة، والدكتوراه من ألمانيا: إن آفاق الذكاء الاصطناعى تعيد تشكيل مستقبل الكيمياء والعلوم الحديثة المرتبطة بها، وإنه لم يعد أداة مساندة، بل أصبح شريكًا رئيسيًا فى إعادة صياغة مستقبل علم الكيمياء، وسرعت من وتيرة الاكتشافات بشكل غير مسبوق؛ فهى تسهم الآن فى تحليل البيانات المعقدة بكفاءة عالية، ما يساعد الباحثين على الوصول إلى نتائج دقيقة فى وقت قياسى وتصميم مركبات ومواد جديدة باستخدام النماذج التنبؤية، لا سيما فى مجالات الطاقة والدواء، كما أن الأبحاث الحديثة تعزز التقليل من التكاليف بجانب الاستدامة وتقليل الانبعاثات؛ ففهم التفاصيل الدقيقة يساعد فى فهم أن التغيرات الكبيرة تحدث من التفاعلات الصغيرة.

ومن هذا المنطلق للتفاعلات الصغيرة، أقترح التأنى فى تطبيق الخطط وتعميمها، وذلك عبر الشفافية والحوار الموسع حول خطط التطوير التى تطرح من المجلس الأعلى، لأن ليس هناك صراع أصلاً فى العلم والمكانة التعليمية للكلية؛ فليست كل لافتة تطوير تصبح نافعة على المديين القصير والطويل، وليس كل تطوير مفيدًا بالضرورة، والله من وراء القصد.

 
 
 
 
 
 
 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة