فى قلب الصحراء تخوض مصر تحديًا جديدًا لا يقل أهمية عن استصلاح الأراضى أو توفير المياه، يتمثل فى مواجهة الارتفاع المتزايد فى تكاليف الطاقة اللازمة لتشغيل الآبار وشبكات الرى. ومع تصاعد أسعار الوقود، أصبح البحث عن بدائل أكثر استدامة وأقل تكلفة، ضرورة تفرضها متطلبات التوسع الزراعى وتحقيق الأمن الغذائى. وفى السنوات الأخيرة، اتجهت العديد من المشروعات الزراعية الجديدة إلى الاعتماد على الطاقة الشمسية باعتبارها أحد الحلول الواعدة لتوفير احتياجاتها من الطاقة خاصة فى المناطق البعيدة عن الشبكات التقليدية، فلم يعد استخدام الألواح الشمسية مجرد توجه بيئى، بل أصبح خيارا اقتصاديا يدعم استمرارية الإنتاج ويخفض النفقات التشغيلية على المدى الطويل.
فى ظل هذا المشهد المتغير داخل القطاع الزراعى، وضع الدكتور هانى درويش، مدير مشروعات التنمية المستدامة بوزارة الزراعة، رؤية شاملة لملامح هذا التحول تبدأ من التحول فى فلسفة التنمية نفسها داخل القطاع الزراعى، حيث تشهد المشروعات الزراعية الحديثة فى مصر تحولًا كبيرًا نحو مفهوم التنمية الزراعية المستدامة الذى لا يقتصر على زيادة الإنتاج فقط، وإنما يركز أيضًا على الإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية ورفع كفاءة استخدام المياه والطاقة وتحسين مستوى معيشة المجتمعات الريفية، وجسد مشروع الاستثمارات الزراعية المستدامة وسبل المعيشة (SAIL) هذا التوجه من خلال تنفيذ حزمة متكاملة من التدخلات شملت تطوير نظم الرى والصرف، واستخدام الطاقة الشمسية فى تشغيل نظم الرى، وتطبيق ممارسات الزراعة الذكية مناخيًا وإنشاء المدارس الحقلية للمزارعين ودعم سلاسل القيمة والتسويق الزراعى، إلى جانب تعزيز دور المرأة والشباب وتوسيع فرص التمويل الريفى.
وأشار إلى أن هذه الجهود تأتى لتؤكد أن هذه المشروعات تمثل نقلة نوعية فى التنمية الزراعية، لأنها تربط بين زيادة الإنتاجية الزراعية والحفاظ على الموارد الطبيعية وتعزيز قدرة المزارعين على مواجهة التغيرات المناخية، بما يتماشى مع توجهات الدولة نحو التنمية المستدامة. ومع اتساع نطاق التشغيل الزراعى وزيادة الاعتماد على تشغيل الآبار والمعدات بصورة مستمرة، بدأت تتشكل تحديات جديدة مرتبطة بتكلفة الطاقة داخل القطاع الزراعى، ولا شك أن الزيادات المتتالية فى أسعار السولار انعكست بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج الزراعى خاصة فى المناطق التى تعتمد على ضخّ المياه وتشغيل المعدات والآلات الزراعية بصورة مستمرة، فالطاقة تمثل أحد أهم عناصر تكلفة الإنتاج، وأى زيادة فى أسعار الوقود تؤثر على تكاليف الرى والنقل والخدمات الزراعية المختلفة، وهو ما ينعكس فى النهاية على تكلفة المحاصيل وربحية المزارعين.
وقال «درويش»: إنه «من هذا المنطلق برز التوجه نحو الطاقة الشمسية كخيار استراتيجى أكثر استقرارًا وأقل تأثرًا بتقلبات أسعار الوقود التقليدى، وفى هذا الإطار العملى أثبتت الطاقة الشمسية خلال السنوات الأخيرة أنها بديل عملى واقتصادى وفعال لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل نظم الرى الزراعى، خاصة فى الأراضى الجديدة والمناطق البعيدة عن مصادر الطاقة التقليدية، وحقق مشروع SAIL نتائج متميزة فى هذا المجال من خلال تنفيذ أكثر من 100 نظام رى يعمل بالطاقة الشمسية، سواء على مستوى المزارعين الأفراد أو النظم الجماعية، ما أسهم فى خفض تكاليف التشغيل وتحسين كفاءة إدارة المياه والطاقة، كما أظهرت التقييمات الميدانية ارتفاع معدلات رضا المستفيدين وتحسن انتظام عمليات الرى وزيادة الإنتاجية الزراعية».
وأضاف أنه «مع وضوح هذا التحول يظل الجانب الاقتصادى عنصرًا حاسمًا فى تحديد مدى التوسع فى استخدام هذه الأنظمة، ورغم أن الاستثمار الأولى فى أنظمة الطاقة الشمسية يكون أعلى نسبيًا مقارنة بالأنظمة التقليدية المعتمدة على السولار، فإن الفارق الحقيقى يظهر فى تكاليف التشغيل على المدى الطويل، فالاعتماد على السولار يعنى استمرار تحمل تكاليف الوقود والصيانة وتأثر المزارع بتقلبات الأسعار، بينما تعتمد الطاقة الشمسية على مصدر مجانى ومتجدد للطاقة مع انخفاض كبير فى تكاليف التشغيل والصيانة، وتختلف فترة استرداد التكلفة بحسب حجم المشروع وعدد ساعات التشغيل وأسعار الوقود، إلا أن التجارب العملية تشير إلى أن معظم الأنظمة تستطيع استرداد تكلفتها خلال فترة تتراوح بين 3 و6 سنوات، ثم تحقق وفورات اقتصادية مباشرة للمستفيدين لسنوات طويلة بعد ذلك».
كما لفت إلى أنه رغم ما تحقق من نجاحات على أرض الواقع، فإن التوسع فى هذا المسار لا يزال يواجه عددًا من التحديات التى تحتاج إلى تعامل مستمر ومزيد من العمل أبرزها توفير التمويل اللازم للاستثمار الأولى، وتعزيز برامج التوعية والتدريب للمزارعين، وتوسيع خدمات الصيانة والدعم الفنى بالمناطق الريفية، كما أن بناء قدرات الكوادر المحلية القادرة على تشغيل وصيانة هذه الأنظمة يمثل عنصرًا مهمًا لضمان استدامتها، ومع ذلك فقد أثبتت التجارب المنفذة أن هذه التحديات يمكن تجاوزها من خلال الشراكات بين الدولة ومؤسسات التمويل والقطاع الخاص وبرامج التنمية، وهو ما سعى له مشروع سيل خلال تنفيذ أعماله.
«درويش»، كشف أنه «فى نهاية هذا المسار تأتى هذه الجهود ضمن رؤية أوسع للتنمية الزراعية المستدامة، حيث تسهم هذه التحولات بصورة مباشرة فى دعم خطط الدولة للتوسع الزراعى المستدام وتحقيق الأمن الغذائى، من خلال رفع كفاءة استخدام المياه والطاقة وخفض تكاليف الإنتاج، وزيادة الإنتاجية الزراعية فى أراضى الاستصلاح الجديدة، كما أن الاعتماد على الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الحديثة يعزز قدرة القطاع الزراعى على مواجهة التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وندرة الموارد، ويحقق التوازن بين النمو الاقتصادى والحفاظ على البيئة، وتتوافق هذه الجهود بشكل كامل مع رؤية مصر 2030، التى تركز على التنمية المستدامة والتحول نحو الاقتصاد الأخضر وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، بما يسهم فى تعزيز الأمن الغذائى ورفع مستوى معيشة المواطنين وتحقيق تنمية ريفية شاملة ومستدامة».