تستهدف مصر استثمارات فى قطاع الطاقات الجديدة والمتجددة تُقدر بـ136.3 مليار جنيه فى 2026، فيما يهدف برنامج «نُوَفِّي» استثمارات تُقدر بـ 10 مليارات دولار حتى 2028، بما يكشف عن تسارع معدلات النمو فى مجال الطاقات المتجددة والتى تتراوح من 10 إلى 15 فى المائة حتى 2030، ويأتى هذا النمو فى سوق الطاقات الجديدة والمتجددة مدفوعاً بالعديد من المبادرات الحكومية وتنفيذ استراتيجيات وسياسات التوسع فى الطاقات المتجددة واستثمارات حكومية واستثمارات القطاع الخاص، لتحتل مصر مراكز متقدمة فى مؤشرات الطاقات المتجددة على مستوى مؤشرات اقتصادية عالمية.
وبالأرقام.. احتلت مصر المركز 13 فى مؤشر القواعد المنظمة لقطاع الطاقة المتجددة الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمي، وتقدمت 19 مركزاً فى 2024 مقارنة بالمركز 32 فى 2019، وشهدت مصر تقدماً 5 مراكز فى مؤشر التحول الفعال بمجال الطاقة، الصادر عن نفس المنتدى، لتحتل المركز 74 فى 2025، مقارنة بالمركز 75 فى 2024، ومركز 79 فى 2015، كما تقدمت مصر 5 مراكز فى مؤشر الدول الأكثر جاذبية فى قطاع الطاقة المتجددة الصادر عن Ernst & Young، لتحتل المركز 34 فى 2024، مقارنة بالمركز 39 فى 2015.
المهندس أيمن هيبة، رئيس شعبة الطاقة المستدامة بغرفة القاهرة التجارية، رئيس جمعية تنمية الطاقة الجديدة والمتجددة «سيدا»، قال «إن سوق الطاقات الجديدة والمتجددة بدأت خطواتها الجادة فى مصر منذ 2014 وحتى 2026 ومرت بالعديد من المراحل، والبيئة التشريعية كانت المرحلة الأولى فى 2014 بصدور القوانين المنظمة لطاقات المتجددة والتعريفة الكهربائية الخاصة بها، عبر قانون رقم 87 لسنة 2015 بشأن إصدار قانون الكهرباء، وقانون رقم 203 لسنة 2014 بشأن تحفيز إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة، وهو الذى أحدث الثورة فى مجال الاستثمارات الخاصة فى مجال الطاقات المتجددة، وبصدوره حدثت طفرة، واستقبلت مصر كميات كبيرة من الاستثمارات الأجنبية الضخمة المباشرة فى مجال الطاقات المتجددة وهى المرحلة الثانية فى سوق الطاقات المتجددة فى مصر».
«هيبة»، أوضح أن «مجمع بنبان الشمسى بأسوان وهو أكبر محطة للطاقة الشمسية فى المنطقة والشرق الأوسط كان نتاجا لهذا التجديد التشريعى، فالمجمع يشارك فيه عدد من الاستثمارات الخاصة، وأنتج قدرات كهربائية تُقدر بـ1465 ميجاوات، ونجح المشروع فى الحصول على ثلاث جوائز عالمية فى مجال الإنشاء والتمويل وسرعة الإنجاز»، مضيفًا أن «شمس بنبان تبعها مزيد من الاستثمارات فى مجال الطاقات المتجددة، حيث توالت مشروعات الطاقات المتجددة الضخمة الممولة من المستثمرين والمطورين، والتى تقوم فيها الحكومة وشركة نقل الكهرباء تحديداً بشراء الطاقة بسعر مميز من المستثمرين، والميزة فى هذه المشروعات أنها تُسرع فى الانتقال إلى مزيج الطاقة المستهدف من الطاقات المتجددة، ودون أعباء استثمارية جديدة على كاهل الدولة».
وطالب «هيبة» بتطوير مزيد من هذه التشريعات لتتناسب مع التطورات التكنولوجية المتسارعة فى صناعات الطاقات الجديدة والمتجددة، على أن يتم إقرار مزيد من الحوافز لمستثمرى الطاقات الجديدة والمتجددة، وخاصة فى مجال الصناعة، وأن يتم توفير حزمة من التمويلات الميسرة لجذب مزيد من الاستثمارات الخاصة.
كما لفت إلى أن «إجمالى الاستثمارات التى رصدتها الدولة للانتقال الطاقى للمشروعات الكبرى تقارب 60 مليار دولار، فلدينا 4000 ميجاوات من مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تحت الإنشاء، وما يتراوح بين 13 إلى 14 ألف ميجاوات تحت التطوير، وكل هذه المشروعات والمبادرات الحكومية تستهدف الوصول إلى 45 فى المائة بحلول 2028، وهو تحدٍّ كبير وخطة طموحة سبقتها إرادة سياسية قوية، تتطلب مشاركة وتعاون كافة الأطراف من حكومة وقطاع خاص وجهات تمويلية».
رئيس «سيدا»، أكد أن «هناك حوارا دائما بين مستثمرى الطاقات المتجددة والحكومة المصرية من خلال جمعية تنمية الطاقة الجديدة والمتجددة «سيدا» كأول تجمع مصرى يضم ما يقارب 200 شركات ومستثمر بصناعات الطاقات المتجددة على اختلاف أنواعها من «مزودى التكنولوجيا» المطورين والشركات التى تعمل فى الطاقة الشمسية وشركات تدريب وتأهيل الكوادر فى هذه الصناعة، وهى مشهرة من وزارة التضامن الاجتماعى، كمنظمة أعمال فى 2012، كما توجد شعبة الطاقة المستدامة بغرفة القاهرة التجارية».
كما كشف أن «جمعية تنمية الطاقة الجديدة والمتجددة تقدمت بمذكرة للحكومة المصرية بالتوسع فى استثمارات الطاقات المتجددة بمنح حوافز وتمويلات دون أن تكلف موازنة الدولة أعباء مالية، بل على العكس التوسع فى الاستثمارات الخاصة عبر تعميم المحطات الشمسية للاستخدام الصناعى أو المحطات الشمسية على أسطح المصانع سيوفر حجما ضخما من الأعباء المالية اللازمة لاستيراد الغاز الطبيعى، والذى يمثل عبئا اقتصاديا لحاجته لحصيلة دولارية، فكل محطة متجددة (شمسى أو رياح) بقدر ألف كيلو وات توفر ما قيمته من 150 إلى 200 ألف دولار». وبيَّن «هيبة» أن قانون 203 لسنة 2014 كان يوجد به هذا التوجه، لذا مطلوب تفعيل مبادرة «شمس الصناعة»، على أن يتم إقرار خارطة طريق تشمل الإجراءات القانونية، والقواعد المنظمة، وحوافز للمستثمرين، وتيسيرات تمويلية، حتى يكون عنصر جذب للمستثمرين، وليس عبئا عليهم، وفى الوقت ذاته مسار للتوسع فى الطاقات المتجددة.
وعن مستقبل سوق الطاقات المتجددة قال رئيس «سيدا»: أزمة الطاقة العالمية كشفت عن أهمية تحقيق أمن الطاقة فى كل دولة، وعلى أن يتم تنويع مصادر الطاقة والاعتماد على مصادر محلية، ومصر بدأت خطوات جادة وملموسة على الأرض فى تحقيق أمنها الطاقى عبر التوسع فى الطاقات الشمسية والرياح، والهيدروجين الأخضر، والطاقة النووية، وهو ما يؤهل مصر لتكون مركزا إقليميا للطاقة، دون التأثر أو التعرض لأزمات متلاحقة ومتتالية كالأزمتين السابقتين».
كما أكد أن «مصر الآن فى مرحلة «بناء الطلب»، بمعنى أنه ليس كافياً توليد قدرات كهربائية، أو حتى تنويع مصادر الطاقة، ولكن توطين صناعة، من نقل تكنولوجيا ومكونات صناعة محلية وتوسيع الاستثمار فى هذه المجالات من أجل تصنيع محلى لكافة مكونات الطاقات المتجددة وتكنولوجياتها»، موضحًا أن «توطين الصناعة يعنى أمن طاقة مصريا، كى لا تتأثر بسلاسل الإمداد ولا الأحداث الجيوسياسية، فلديها توطين لصناعة بكافة مكوناتها سواء شمسية أو رياحا، على أن يتم فتح المجال للاستثمار الخاص فى تصنيع هذه المكونات».
بدوره، قال أحمد الشناوى، خبير الطاقات الجديدة والمتجددة: سوق الطاقات الجديدة والمتجددة المصرى سوق واعدة طبقاً لرؤية مصر 2030، وتحقيقاً لأهداف التنمية المستدامة؛ بأن تكون نسبة إنتاج الكهرباء من الطاقة الجديدة والمتجددة ما يقارب 40 فى المائة من إجمالى الطاقة الكهربائية المنتجة مع 2028.
وأضاف: التوسع فى سوق الطاقات الجديدة والمتجددة يزداد الطلب عليه مع تزايد التوترات الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة التى تؤثر على إمدادات الوقود الأحفورى (الغاز الطبيعى والمازوت) اللازم لتشغيل محطات الكهرباء التقليدية التى يشكل إنتاج الكهرباء منها ما يقارب 70 فى المائة من إجمالى إنتاج الشبكة الكهربائية.
«سوق الطاقات الجديدة والمتجددة فى مصر تتصاعد معدلات نموها بخطوات ثابتة عبر مراحل مخطط له ومدروسة وتطبيق لجداول زمنية صارمة»، أمر آخر أكد «د. أحمد»، أنه «بدأت بمرحلة المشروعات القومية الرئيسية كمجمع بنبان الشمسى بقدرات 1465 ميجاوات، ومزرعة رياح جبل الزيت بخليج السويس بقدرات 580 ميجاوات، ومحطة أبيدوس1 بكوم أمبو بـ500 ميجاوات، ورياح الخماسين بسوهاج وتضم 4 مشروعات ضخمة هى أكوا باور بقدرة 10000 ميجاوات ومصدر بقدرة 10000 ميجاوات وسكاتك بقدرة 5000 ميجاوات وأوراسكوم بقدرة 3000 ميجاوات، ومحطة الضبعة النووية بمفاعلاتها الأربعة».
كما أشار إلى التوسع فى تركيب الألواح الشمسية، ولتشجيع الأفراد على إقامة محطات طاقة شمسية أعلى أسطح المنازل أطلقت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة منصة مصر للطاقة الشمسية، وهى منصة تضم كل الشركات المعتمدة فنياً، وجميعها شركات مصرية، كما توفر المنصة كافة المستندات المطلوبة واللازمة لتركيب محطات طاقة شمسية.
كما شدد «الشناوي»، على أن «الرئيس عبد الفتاح السيسى كانت له رؤية سابقة للمستقبل ووجه بإعداد استراتيجية وطنية متكاملة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، وتوفير البنية الأساسية لهذه المشروعات، كأحد العناصر الأساسية للطاقة المستدامة لرؤية مصر 2030، لتستهدف مصر الوصول إلى ما يتراوح من 5 إلى 8 فى المائة من السوق التجارى للهيدروجين الأخضر فى العالم». التوجهات الرئاسية بسوق الهيدروجين الأخضر، بحسب «د. أحمد»، تُرجمت على أرض الواقع، ففى نوفمبر 2022 تم افتتاح أول مصنع لإنتاج الهيدروجين الأخضر بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وهى شراكة بين صندوق مصر السيادى وشركة سكاتك النرويجية، وينتج المشروع ما يقارب 15000 طن من الهيدروجين الأخضر. وتابع: وقعت مصر اتفاقية لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته بمنطقة رأس شقير، فى مؤتمر الاستثمار بالتعاون مع الاتحاد الأوروبى، وهو المؤتمر الذى استضافته مصر فى يونيو 2024، ويهدف المشروع لتوطين صناعة الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، وجذب مزيد من الشركات العملاقة لإقامة مشاريع مماثلة، ليكن الهيدروجين الأخضر وقودا للسفن المارة بقناة السويس، من أجل زيادة القيمة المضافة.
كما أكد خبير الطاقات المتجددة، أن «كل هذه المشروعات تجعل مصر مرشحة بقوة لتكون ثانى أكبر منتج فى العالم للهيدروجين الأخضر ومشتقاته، وتحول مصر لمركز إقليمى وعالمى للطاقة والوقود الأخضر، وتنوع مصادر الطاقة، وتحقيق مزيج الطاقة بمعنى استخدام جميع وسائل الطاقة المتاحة؛ مما يحمى مصر من حالات التذبذب فى أسعار البترول والغاز الطبيعى الأخضر، وتحقيق أمن الطاقة».
وأشار إلى أن «الدولة تابعت هذه الإصلاحات التشريعية بحوافز استثمارية متعددة فى مجال الطاقات المتجددة، شملت إعفاءات ضريبية وجمركية على المعدات ومكونات محطات الطاقة المتجددة، وخصصت أراضى للشركات المستثمرة مقابل الالتزام بتصدير نسبة من الإنتاج، ومنحت الرخصة الذهبية للمشاريع الاستراتيجية الكبرى فى مجالى الهيدروجين الأخضر وتحلية المياه، كما أتاحت تمويلات ميسرة عبر صندوق مصر السيادى وبنوك التنمية الدولية».
«الشناوي»، ضرب مثالاً بتأثر سوق الطاقات الجديدة والمتجددة بالإصلاحات التشريعية والحوافز الاستثمارية وقال: انعكست هذه الإصلاحات والحوافز فى حجم استثمارات القطاع الخاص فى مجال الطاقات الجديدة والمتجددة، فظهر التعاون مع أكوا باور الأسبانية وشركة مصدر الإماراتية، وشركة سكاتك النرويجية، وشركة أوراسكوم، وشركة النويس الإماراتية، وشركة فيتاس النرويجية.