على مدار السنوات الماضية، نجحت الدولة فى إقامة 17 منطقة صناعية تضم مئات المصانع والاستثمارات العالمية، بداية من صناعة الدواء إلى السيارات والهواتف المحمولة وغيرها، لتبقى منطقة قناة السويس الاقتصادية إحدى أبرز هذه المناطق الاقتصادية التى جذبت استثمارات من نحو 30 دولة كبداية لخطة حكومية لجذب مزيد من الاستثمارات التى تأتى على رأسها المنطقتان الصناعيتان الصينية والروسية، ومؤخرًا كشفت الحكومة عن تطلعها لإنشاء منطقة صناعية يابانية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يتيح للشركات اليابانية الاستفادة من الحوافز الاستثمارية والجمركية المباشرة وغير المباشرة التى توفرها المنطقة للمستثمرين الأجانب، بحسب تصريحات الدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج، خلال لقائه الأخير بساناى تاكايتشى، رئيسة وزراء اليابان، وذلك لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين.
وتناول اللقاء سبل تعزيز التعاون بين البلدين فى المجالات الاقتصادية والاستثمارية، حيث أكد «عبدالعاطى» أن مصر توفر حلولاً استراتيجية للشركات اليابانية الساعية إلى تنويع مراكز الإنتاج وسلاسل الإمداد الخاصة بها، لا سيما فى ظل ما يشهده الاقتصاد العالمى من تحديات واضطرابات ناجمة عن التوترات الجيوسياسية، وأعرب عن تطلعه إلى دعم رئيسة الوزراء والحكومة اليابانية الجهود المصرية الرامية إلى تشجيع مجتمع الأعمال اليابانى على ضخّ مزيد من الاستثمارات فى مختلف القطاعات الاقتصادية فى مصر.
وفيما يتعلق بالمجالات الصناعية والتكنولوجية، أكد وزير الخارجية أهمية الاستفادة من الخبرات اليابانية فى دعم جهود التنمية الاقتصادية فى مصر، فضلاً عن توسيع مجالات التعاون فى الابتكار والبحث العلمى والتحول الرقمى، كما تناول «عبدالعاطى» فرص التعاون الثلاثى بين مصر واليابان والدول الإفريقية، مستعرضًا الدور الذى تضطلع به مصر كبوابة رئيسية إلى القارة الإفريقية، باعتبارها إطارًا واعدًا لدفع التعاون المشترك فى القارة الإفريقية.
كما استعرض «عبدالعاطى» الاستعدادات الجارية لاستضافة مصر النسخة الأولى من منتدى الأعمال «العلمين – إفريقيا»، مؤكدًا أن المنتدى سيمثل منصة مهمة لتعزيز الشراكات التجارية والاستثمارية على مستوى القارة الإفريقية، ووجه الوزير الدعوة إلى الجانب اليابانى للمشاركة الفاعلة فى المنتدى، والاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة التى توفرها الأسواق الإفريقية.
وفى هذا السياق، أكد الدكتور فرج عبدالله، الخبير الاقتصادى، أن «المناطق الاقتصادية فى مصر تشهد تحولاً جذريًا فى فلسفة جذب الاستثمار، بانتقالها من مجرد تقديم حوافز نظرية إلى توفير بيئات تشغيلية جاهزة وسريعة»، موضحا أن مصر تتبنى حاليًا نموذجًا اقتصاديًا متطورًا يحاكى تجارب «النمور الآسيوية» الناجحة فى جنوب شرق آسيا وبعض الدول الأوروبية المتقدمة، ما يعزز من قدرة الاقتصاد المصرى على المنافسة فى جذب رؤوس الأموال الدولية.
وأشار الخبير الاقتصادى إلى أن «المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل نموذجًا فريدًا يجمع بين الميزات الجغرافية المرتبطة بأهم شريان ملاحى عالمى، وبين القدرة على التكيف مع الصدمات الاقتصادية الدولية»، لافتًا إلى أن «التغيرات الجيوسياسية التى أعقبت أزمة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية دفعت مصر لإعادة توجيه استثماراتها لتصبح جزءًا أساسيًا ومستدامًا فى سلاسل الإمداد العالمية، خاصة فى ظل امتلاكها بنية تحتية قوية وموانئ متطورة فى السخنة وشرق بورسعيد وخليج السويس».
«د. فرج» أوضح أن «الاستراتيجية المصرية لم تعد تستهدف الصناعات التقليدية فقط، بل تمتد لتشمل قطاعات مرتفعة القيمة مثل الهيدروجين الأخضر، والأمونيا، وصناعة السيارات الكهربائية ومكوناتها الدقيقة»، لافتا إلى الأهمية الاستراتيجية لقطاع تكنولوجيا المعلومات، ومشيرًا إلى أن مرور أكثر من 12 كبلًا دوليًا لنقل البيانات عبر مصر يعزز من فرص استقطاب مراكز البيانات العالمية، وهو ما يضع مصر على خريطة الاقتصاد الرقمى العالمى بقوة.
وأضاف أن «الهدف الأبرز من هذه الاستثمارات هو «توطين التكنولوجيا» وخلق فرص عمل حقيقية، وبروتوكولات التعاون مع الشركات العالمية داخل المناطق الاقتصادية تتضمن بنودًا لنقل الخبرات الفنية وتدريب العمالة المصرية من خلال الجامعات التكنولوجية المتخصصة، ما يضمن رفع مهارات الكادر البشرى المحلى ومواكبته لأحدث تقنيات التصنيع العالمية، تمهيدًا لتحقيق طفرة صناعية كبرى خلال السنوات المقبلة».
بدوره، قال تامر عبدالحميد، المطور الصناعى: إن «التوسع فى إنشاء المناطق الصناعية يمثل إحدى أهم أدوات الدولة لإعادة هيكلة الاقتصاد المصرى والانتقال من اقتصاد ريعى - استهلاكى، إلى اقتصاد إنتاجى قائم على التصنيع وزيادة القيمة المضافة، والمناطق الصناعية لا تقتصر أهميتها على استيعاب الاستثمارات الجديدة، بل تمثل حاضنة لسلاسل الإنتاج المحلية وتوطين التكنولوجيا، وتقليل فاتورة الواردات من خلال تعميق المكون المحلى، كما تتمثل أهمية المناطق الصناعية فى تخفيف الضغط على العملة الأجنبية وتعزيز مركز مصر التنافسى فى الأسواق الإقليمية والعالمية، خاصة مع اتفاقيات التجارة الحرة التى تمنح المنتج المصرى ميزة واسعة».
«عبدالحميد»، أضاف أن «المؤشرات الحالية تكشف عن عائد اقتصادى مباشر من هذه المناطق، يتمثل فى جذب استثمارات تتجاوز عشرات المليارات، وخلق مئات الآلاف من فرص العمل المنتجة التى تمتص البطالة وتزيد معدلات التشغيل، إلى جانب رفع مساهمة القطاع الصناعى فى الناتج المحلى الإجمالى، وهو ما ينعكس على زيادة الإيرادات الضريبية للدولة وتحسين الميزان التجارى».
كما شدد على أن «نجاح هذا المسار يتطلب ربط المناطق الصناعية بشبكات لوجستية متكاملة، تشمل الموانئ والطرق والسكك الحديدية، وتوفير طاقة مستقرة بأسعار تنافسية، إضافة إلى إصلاح تشريعى يضمن سرعة الإجراءات ووضوح الحوافز»، مشيرا إلى أن المستثمر لا يبحث فقط عن أرض ومرافق، بل عن مناخ أعمال يقلل تكلفة المخاطرة ويرفع العائد على الاستثمار.
من جهته، أكد المهندس محمد البهى، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، أن «الدولة تدفع بكل قوة للتنمية الصناعية بدليل تخصيص استثمارات قدرها 252.8 مليار جنيه للقطاع الصناعى يعكس توجه الدولة نحو تعزيز الصناعة كركيزة أساسية للتنمية، والطموحات لا تتوقف عند سقف معين، خاصة مع توسع الدولة فى إنشاء المناطق والمدن الصناعية المتخصصة، ما يتطلب مزيدًا من التمويل لتحقيق الأهداف التنموية وتعزيز الصادرات».
وأوضح «البهى»، أن «حلم النهوض بالصناعة كان ولا يزال على رأس أولويات الرئيس عبدالفتاح السيسى منذ ولايته الأولى، مع التركيز بشكل خاص على «التوسع الأفقى» ودعم الصناعات الصغيرة والمغذية التى ترفع من القيمة المضافة وتقلل تكلفة الإنتاج وتزيد من الاعتماد على المكون المحلى»، مشيرا إلى تطلع القطاع لمضاعفة قيمة الصادرات الحالية ثلاث مرات خلال العامين القادمين، حال عمل المصانع القائمة بكامل طاقتها الإنتاجية، خاصة فى ظل وجود أكثر من 110 آلاف منشأة صناعية مسجلة باتحاد الصناعات.
فى حين أكد الدكتور محمود الشوادفى، أستاذ الإدارة والاستثمار، أن «توطين الصناعة هو أحد المحاور الاستراتيجية التى تعتمدها الدولة المصرية لزيادة المكون المحلى من الإنتاج، وتقليل الاعتماد على الواردات، مع التركيز على زيادة الصادرات إلى الأسواق الخارجية»، مشيرا إلى الجهود المبذولة لتحفيز القطاع الخاص للمشاركة فى بناء تحالفات استراتيجية، وجذب الشركات الكبرى لدعم هذا التوجه خاصة فى ظل البنية التحتية التى أقامتها مصر ممثلة فى شبكة طرق عالمية وموانئ على أعلى مستوى ومناطق صناعية مؤهلة لاستقبال مختلفة الصناعات المتقدمة فى العالم.
«د. محمود»، لفت إلى أن «قطاع صناعة السيارات، الذى كان يعانى سابقًا من احتكار كبير، يشهد الآن تدخلاً حكوميًا لإعادة هيكلته. وأضاف أن الدولة عملت على إنشاء بنية تحتية بهدف تعزيز الإنتاج المحلى بما يسهم فى توطين الصناعات ودعم الاقتصاد الوطنى، وتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة».
الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادى، قال إن «عبقرية المكان التى تحدث عنها المفكر الراحل جمال حمدان انعكست بوضوح فى مشروع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والدولة المصرية اتجهت منذ عام 2015 إلى تعظيم القيمة المضافة لمحور قناة السويس ضمن رؤية استراتيجية شاملة للتنمية الاقتصادية، والمنطقة الاقتصادية بدأت فعليًا منذ عام 2003 مع التوسع فى الاستثمارات الصينية بمنطقة العين السخنة، والصين ما زالت توسع استثماراتها داخل المنطقة حتى الآن، والفكرة الاستراتيجية للمشروع تقوم على إنشاء منطقة اقتصادية ولوجستية ضخمة تربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، بما يحقق عوائد اقتصادية كبيرة للدولة المصرية ويسهم فى دعم الموازنة العامة».
«د. مصطفى» أشار إلى أن «إيرادات المنطقة شهدت نموًا تدريجيًا منذ تأسيسها، بعدما بدأت بإيرادات تقترب من مليارى دولار ثم ارتفعت بصورة مستمرة خلال السنوات التالية، بالتوازى مع توسع الأنشطة الصناعية والخدمية داخل المنطقة، وهناك أكثر من 30 دولة تتنافس حاليًا على الاستثمار داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب اهتمام واسع من الشركات العالمية بالدخول إلى المناطق الصناعية التابعة لها، والمنطقة تضم 6 موانئ و4 مناطق صناعية كبرى».
كما أوضح أن «الدولة تعمل من خلال هذه المناطق على توطين الصناعات الاستراتيجية الكبرى، إلى جانب تنفيذ مشروعات لوجستية ضخمة، من بينها إنشاء منطقة عالمية لتخزين السلع والحبوب لخدمة حركة التجارة الدولية»، لافتا إلى أن «التوترات الإقليمية وعلى رأسها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أثرت على حركة السلع والمحاصيل الزراعية عالميا، ما دفع الدولة المصرية إلى تعزيز دورها اللوجستى وتقديم حلول تخزين وإمداد للأسواق العالمية عبر المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».
«بدرة»، أكد أن «قطاع الصناعة أحد القطاعات المهمة والمؤثرة فى الاقتصاد المصرى، وتسعى الدولة المصرية إلى توسيع القاعدة الصناعية وزيادة مساهمة قطاع الصناعة فى حجم الناتج المحلى بهدف تعزيز النمو الاقتصادى وخلق فرص العمل»، مشيرا إلى أن القطاع الصناعى أحد القطاعات المحورية التى من الممكن أن تحقق طفرة وتعمل على تحسن المؤشرات الكلية للاقتصاد المصرى.