فى المدن العريقة، قد لا يكون التاريخ دائمًا مختبئًا تحت الأرض، بل قد يكون حاضرًا أمام أعيننا دون أن ننتبه إليه. والقاهرة، مثلها مثل كل المدن العظيمة القديمة، تملك تفاصيل وحكايات وذكريات وشواهد تختزنها بين أركانها، وتحتاج دائمًا إلى أيادٍ ذكية تمتد إليها كى تكشف عنها. هذا ما ظهر جليًا بعد الإعلان عن الاكتشافات الأثرية فى قلب منطقتى «عرب اليسار» و«الحطابة» بمحيط قلعة صلاح الدين الأيوبي. معلومات تاريخية كانت مجهولة من قبل كشفت عنها نتائج أعمال الحفائر العلمية والأثرية التى تقوم بها البعثة المصرية الفرنسية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار والمعهد الفرنسى للآثار الشرقية، وذلك فى لحظة تشهد فيها مناطق القاهرة وأحيائها القديمة واحدة من أكبر عمليات التطوير وإعادة التأهيل والتغيير فى ملامح وجهها بالكامل. أفصحت المدينة العتيقة عن أسرار من تاريخها الممتد لأبعد من ألف عام، لتفتح أمامنا نافذة جديدة نطل عبرها على فهم الحياة العمرانية والاجتماعية والاقتصادية التى دارت حول منطقة القلعة، ذلك القلب النابض للحكم وإدارة السلطة فى مصر خلال مختلف العصور الإسلامية.
منذ سنوات معدودة، خضعت منطقتا «الحطابة» و«عرب اليسار» لمشروعات موسعة لإعادة التأهيل والتطوير ضمن خطة الدولة المصرية لإحياء القاهرة التاريخية، تلك المشروعات كانت تستهدف تحسين البيئة العمرانية واستعادة القيمة الحضارية للمكان، وفى سبيل ذلك صدرت قرارات إزالة لعدد كبير من المبانى والمنشآت داخل المنطقتين، إلى جانب نقل أهالى المنطقتين إلى مناطق سكنية أخرى، وهو ما ترتب عليه مسؤولية كبيرة تتعلق بالحفاظ على الذاكرة التاريخية لتلك المناطق التى عاشت البدايات وشهدت تغيرات متراكمة عبر الزمن.
وبالتالي، فإن الحديث هنا لا يدور فقط حول بئر مملوكية أو مسجد قديم أو مجموعة من اللقى الأثرية التى أعلنت عن اكتشافها وزارة السياحة والآثار فى بيان أرسلته للصحف والمواقع الإخبارية، وإنما حول اكتشاف مدينة متكاملة عاشت وأثمرت وأنتجت عند سفح قلعة الدولة المصرية، وباتت تمثل جزءًا مهمًا من الشخصية العمرانية للقاهرة التاريخية الإسلامية، فالقاهرة بعمرها المديد ليست مجرد مبانى أثرية منفصلة، لكنها كيان عمرانى متكامل تشكل عبر عدة قرون من التفاعل بين السلطة والدين والاقتصاد والمجتمع. وكل كشف أثرى جديد من شأنه مساعدة الباحثين على فهم النسيج العمرانى الفريد للمدينة القديمة.
خاصة أن القاهرة كعاصمة للدولة الإسلامية بمختلف عصورها تشكلت على امتداد قرون طويلة، وظلت خلالها قلعة صلاح الدين مركزًا للسلطة والحكم فى مصر. ومن حولها تشكلت أحياء ومناطق خدمية ودينية وتجارية، باتت مع مرور الزمن مدينة كاملة تدور فى فلكها. وكان حى مثل «الحطابة» و«عرب اليسار» من أهم المناطق التى عاشت فى ظلال القلعة دون أن تنافس شهرتها أو عظمتها.
فإذا نظرنا إلى منطقة «الحطابة» نجد أنها تقع أسفل أسوار القلعة مباشرة، وظلت عبر مئات السنين جزءًا من المشهد اليومى للقاهرة القديمة، أما «عرب اليسار» فهو حى ارتبط بالمنشآت الخدمية وشبكات الإمداد التى ساعدت على استمرار الحياة داخل القلعة، خصوصًا فيما يتعلق بإمدادات المياه، فإذا كانت «الحطابة» تكشف عن تفاصيل الحياة اليومية للسكان، فإن «عرب اليسار» تكشف عن عبقرية الدولة فى إدارة الموارد والبنية التحتية.
ومع التوسع العمرانى الذى شهدته القاهرة خلال القرن العشرين، تراكمت طبقات جديدة من البناء فوق كثير من معالم هاتين المنطقتين، حتى بدت أجزاء واسعة منهما وكأنها فقدت علاقتها بتاريخها القديم. لكن الحفائر الأخيرة أثبتت أن الأرض كانت ما تزال تحتفظ بذاكرة كاملة فوق الأرض وتحت الرديم المتراكم عبر الزمان كخطوة مهمة نحو إعادة بناء الذاكرة العمرانية للقاهرة، وفهم العلاقة المعقدة بين القلعة والمجتمعات التى عاشت حولها وخدمتها عبر القرون، وحماية القصص والذكريات والشواهد التى صنعت هوية المكان.
نجد أن أبرز ما كشفت عنه البعثة المصرية الفرنسية المشتركة هو اكتشاف نظام مائى متكامل يرجع إلى العصر المملوكى فى منطقة «عرب اليسار»، فالمنطقة الواقعة جنوب شرق القلعة ظلت لسنوات طويلة موضع اهتمام الباحثين الذين حاولوا فهم كيفية وصول المياه إلى الحصن المرتفع، حيث عثرت البعثة العلمية على بئرين ضخمتين ومنظومة متكاملة من السواقى والمجارى الحجرية التى كانت تنقل المياه إلى داخل القلعة.
ولم تتوقف الحفائر عند الآبار والسواقي، بل كشفت أيضًا عن مسارات حركة الدواب التى كانت تدير هذه المنظومة، وغرف إيوائها، ومخازن الأعلاف، وأحواض الشرب، بما يقدم صورة متكاملة عن منظومة تشغيلية كانت تعمل بشكل يومى لخدمة مركز الحكم فى الدولة المملوكية،. كما عثرت البعثة على مجموعة متميزة من اللقى الأثرية، من بينها «قواديس فخارية» كانت تستخدم فى رفع المياه، وعملات معدنية تعود إلى العصرين المملوكى والعثماني، فضلاً عن مجموعة من الأدوات المرتبطة بالحياة اليومية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، وتشمل حليًا وأختامًا معدنية وعملات وبقايا أسلحة.
لو نظرنا إلى منطقة «الحطابة» نجدها تقع أسفل قلعة صلاح الدين مباشرة، وتُعتبر من أقدم المناطق السكنية المرتبطة بالقلعة. ارتبط اسمها تاريخيًا بالحطابين الذين كانوا ينقلون الأخشاب والوقود إلى داخل القلعة، وهو ما منحها دورًا اقتصاديًا مهمًا عبر العصور. وعلى الرغم من أن المنطقة ظلت لعقود طويلة معروفة باعتبارها حيًا شعبيًا، إلا أن الدراسات الأثرية أثبتت أنها تختزن طبقات متعاقبة من التاريخ الإسلامى، وتحتفظ ببقايا منشآت دينية وعمرانية تعكس طبيعة الحياة اليومية للسكان الذين عاشوا فى ظل القلعة وخدموا مؤسساتها المختلفة.
وهنا تكمن أهمية أعمال الحفائر العلمية التى عثرت على بقايا مسجد مملوكى يضم إيوان القبلة والمحراب وأجزاءً من أروقته وأرضياته الأصلية، بالإضافة إلى مجموعة من المقابر التى تعود إلى فترات إسلامية مختلفة. حيث تكمن أهمية الكشف الأثرى فى أنه يعيد الاعتبار إلى منطقة «الحطابة» باعتبارها كانت مجتمعًا عمرانيًا متكاملًا عاش فى ظلال القلعة، وأنها ليست مجرد منطقة هامشية على أطرافها. فالمساجد والمقابر والمنشآت الدينية كانت دائمًا مؤشرات على وجود حياة اجتماعية مستقرة وممتدة، وهو ما أكدته اكتشافات البعثة المصرية الفرنسية العاملة فى المنطقة.
كما تبرز أهمية الدور الذى قامت به البعثة المصرية الفرنسية، ليس فقط فى الكشف عن الآثار، بل فى تسجيل وتوثيق ما تبقى من الطبقات التاريخية والعمرانية للموقع قبل أن تتغير ملامحه بشكل كامل. حيث اعتمدت البعثة العلمية على أحدث تقنيات التوثيق الرقمي، وقامت بإعداد نماذج ثلاثية الأبعاد للمبانى والمنشآت المكتشفة، واستخدمت تقنيات الفوتوجرامترى والمسح المعمارى الدقيق، مع إنشاء قواعد بيانات رقمية متكاملة تحفظ تفاصيل الموقع والمعلومات والسياقات العمرانية والثقافية المرتبطة بها.
وهنا يأتى الدور العلمى للمعهد الفرنسى للآثار الشرقية، الذى يُعد من أقدم المؤسسات البحثية العاملة فى مصر، حيث يشارك فى المشروع بخبراته المتخصصة فى التوثيق والحفائر والدراسات الأثرية. كما يتضمن المشروع برنامجًا لتدريب مفتشى الآثار المصريين على أحدث تقنيات التسجيل والتوثيق والحفر الميداني، بما يضمن نقل الخبرات وتعزيز القدرات الوطنية فى مجال إدارة التراث.
وبالنظر إلى تاريخ القاهرة، نجد أن السلطان صلاح الدين الأيوبى بنى قلعته فى أواخر القرن الثانى عشر الميلادي، ولم يكن يريدها مجرد حصن عسكرى، لكنه كان يرغب فى تأسيس مركز إدارى جديد للدولة، ومع تعاقب العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، تحولت المناطق المحيطة بالقلعة إلى نسيج عمرانى متكامل، يضم أحياء سكنية وأسواقًا وخانقاوات ومساجد ومقابر ومنشآت خدمية متطورة، وكانت من أهم تلك المناطق «الحطابة» و«عرب اليسار»، وهما اليوم يمثلان المفاتيح الأساسية لفهم تطور القاهرة التاريخية. وبالتالي، ونحن نعيش زمنًا تتجه فيه دول العالم ذات التاريخ القديم إلى استثمار تراثها الثقافى بوصفه مصدرًا من مصادر الهوية الوطنية والتنمية المجتمعية معًا، فإن الاكتشافات الأثرية التى أعلنت عنها وزارة السياحة والآثار تُعتبر فرصة ذهبية تسمح بإعادة النظر فى مشروعات تطوير القاهرة التاريخية، وذلك من خلال تقديم رؤية مغايرة لمفهوم الإزالة وإعادة البناء، إنما بإعادة تقديم المناطق المحيطة بقلعة صلاح الدين باعتبارها متحفًا مفتوحًا يروى قصة مدينة كانت يومًا عاصمة للعالم الإسلامى ومركزًا للحكم والتجارة والعلم والفنون.