رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«الألواح الشمسية».. «البديل الأخضر» حل مواجهة الأزمات


20-6-2026 | 11:41

.

طباعة
تقرير: منار عصام

عندما تسير فى شوارع شرم الشيخ ليلا أو تقف متأملا واجهة المتحف المصرى الكبير صباحا أو تنظر إلى السماء؛ حيث تعانق أبراج العاصمة الإدارية الجديدة السحاب، قد لا تلمح عيناك ذلك الخيط السرى المشترك بينها جميعًا، فكل هذه الصروح العملاقة تستمد إضاءتها وتكييفها من «الطاقة الشمسية»، هذا الإنجاز لم يأتِ بآلات مستوردة بل عبر ألواح شمسية صممتها ونفذتها عقول وسواعد مصرية، فخلف هذه الألواح المتراصة قصة نجاح وطنية لا تروى كثيرا فى وسائل الإعلام؛ قصة مؤسسة صناعية عريقة هى «الهيئة العربية للتصنيع» التى اتخذت قبل نحو عقدين من الزمان قرارًا استراتيجيًا جريئًا بأن الرهان على الطاقة المتجددة ليس مجرد «موضة بيئية» عابرة، بل هو حجر الأساس لمستقبل الصناعة الوطنية بأسرها.

 
 

اليوم وفى عالم يضيق بأزمات المناخ وانبعاثات الكربون، تقف مصر فى موقع الريادة لا تنتظر تكنولوجيا الغرب لتستوردها بل تصنعها وتطورها محليا، فى هذا التقرير نسير خلف كواليس هذه التجربة الفريدة؛ لنكشف كيف تحولت الطاقة الخضراء من مجرد دراسات حبيسة الأدراج وأروقة الهيئة إلى منتج حيوى يضيء المدن والشوارع والميادين، ويسير بخطى ثابتة نحو صياغة مستقبل مصر كمركز إقليمى لتصدير الكهرباء النظيفة إلى قلب أوروبا.

فى هذا السياق، أوضحت المهندسة غادة الجندي، المدير التنفيذى السابق للشركة العربية للطاقة المتجددة، أن البدايات الحقيقية لتوطين تكنولوجيا الطاقة المتجددة داخل الهيئة العربية للتصنيع تعود إلى عام 2006 فى وقت لم تكن فيه قضايا التغير المناخى أو مفاهيم مثل «البصمة الكربونية» تحظى بالاهتمام الواسع الذى تشهده اليوم، فكانت الهيئة فى ذلك الوقت قد تبنت رؤية استباقية لتأهيل كوادرها البشرية؛ حيث أوفدت مجموعات من المهندسين إلى ألمانيا وإسبانيا للتدريب العملى جنبا إلى جنب مع خبراء صناعة توربينات الرياح، بالتزامن مع تنظيم محاضرات علمية متخصصة قدمها أساتذة من جامعة القاهرة حول تكنولوجيا الخلايا الشمسية وديناميكا الهواء، هذا الدمج بين التأهيل الأكاديمى والتدريب العملى أسهم فى بناء قاعدة من المهندسين والفنيين القادرين على التعامل مع تقنيات الطاقة المتجددة قبل انتشارها على نطاق واسع فى مصر، ما مهد الطريق للخطوات اللاحقة فى هذا المجال.

وكشفت «الجندي» أنه بحلول عام 2010 وبعد أربع سنوات من برامج التدريب والتأهيل المكثفة انتقلت الهيئة من مرحلة الإعداد النظرى إلى التطبيق العملى عبر إنشاء محطة شمسية تجريبية بقدرة 600 كيلووات وربطها بالشبكة القومية للكهرباء، ورغم محدودية قدرة المحطة مقارنة بالمشروعات الحالية فإنها مثلت خطوة مهمة لإثبات إمكانية دمج الطاقة الشمسية فى منظومة الكهرباء المصرية بصورة مستقرة ومنتظمة، ولم يكن الهدف الأساسى من المحطة الإنتاج التجاري، بل استخدامها كموقع تدريبى متكامل للمهندسين والفنيين لاكتساب الخبرات العملية المرتبطة بتشغيل أنظمة الطاقة الشمسية، بدءًا من تحديد زوايا تركيب الألواح وربط المحولات، وصولًا إلى إدارة تأثيرات الظروف الجوية المختلفة على كفاءة التشغيل.

وأضافت أن هذه الجهود توجت فى يوليو 2013 بصدور قرار تأسيس الشركة العربية للطاقة المتجددة؛ لتنتقل المبادرة من إطار المشروعات التجريبية إلى كيان متخصص يتولى تنفيذ وتطوير مشروعات الطاقة النظيفة، وبحلول عام 2015، دخل أول خط لإنتاج الألواح الشمسية الخدمة بطاقة إنتاجية بلغت 52 ميجاوات سنويا معتمدا على تكنولوجيا إيطالية نصف آلية، ليعد فى ذلك الوقت من بين خطوط الإنتاج المتقدمة على مستوى المنطقة، وبالتوازى مع بناء القدرات التصنيعية والتوسع فى مشروعات الطاقة المتجددة، يبرز تساؤل مهم حول أسباب تركيز الشركة العربية للطاقة المتجددة على الطاقة الشمسية رغم امتلاك مصر لمقومات كبيرة فى مجال طاقة الرياح، خاصة فى مناطق مثل جبل الزيت والزعفرانة التى تعد من أفضل المواقع عالميا لإنتاج الكهرباء من الرياح.

وعن أبرز إنجازات الشركة، أوضحت المدير التنفيذى السابق للشركة العربية للطاقة المتجددة، أن الشركة نجحت فى تنفيذ أكثر من 300 محطة للطاقة الشمسية داخل مصر بقدرات تتراوح بين بضعة كيلووات وعدة ميجاوات لخدمة قطاعات متنوعة فى مختلف أنحاء الجمهورية، كما أن الشركة أسهمت كذلك فى توصيل الكهرباء إلى أكثر من 100 نقطة إسعاف معزولة باستخدام أنظمة الطاقة الشمسية، بعد أن كانت هذه المواقع تعانى نقصا فى مصادر الطاقة وتعتمد فى بعض الحالات على مولدات الديزل مرتفعة التكلفة والمسببة للتلوث البيئي، ونفذت آلاف أعمدة الإنارة العاملة بالطاقة الشمسية على الطرق السريعة والمحاور الرئيسية امتدادا من مدينة شرم الشيخ بجنوب سيناء إلى بورسعيد شمالا، مرورا بالساحل الشمالى ومحافظة أسيوط، فى إطار جهود دعم البنية التحتية المستدامة وتقليل استهلاك الطاقة التقليدية.

ونوهت بأن الشركة شاركت فى تنفيذ عدد من المشروعات البارزة التى تخدم قطاعات حيوية من بينها المتحف المصرى الكبير، حيث أسهمت أنظمة الطاقة الشمسية فى خفض الانبعاثات الكربونية بنحو ألف طن سنويا، كما لعبت الشركة دورًا مهما فى مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة، من خلال تصميم وتنفيذ محطات الطاقة الشمسية التى تم تزويد مبانى الحى الحكومى بها، بما يتماشى مع توجه الدولة نحو تعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة والمستدامة، ولا يقتصر الدور على داخل مصر فقط بل تخطى ذلك إفريقيا وهناك مشروعات قائمة بالفعل، ففى أوغندا تم تركيب محطة شمسية بقدرة 4 ميجاوات، وفى جيبوتى يجرى العمل على محطة أخرى وهناك خطط لدولة ثالثة، لكن هذه المشروعات ليست مجرد صفقات تجارية، فالقيادة السياسية المصرية تنظر إلى دعم الدول الإفريقية بالطاقة النظيفة كجزء من الأمن القومى المصري؛ لأن الكثير من هذه الدول يعانى انقطاعا مزمنا للكهرباء، مما يعيق تنميتها ويغذى عدم الاستقرار بها، ومساعدتها فى بناء بنية تحتية للطاقة المتجددة يعنى استقرارا أفضل للجوار وانفتاحا أكبر للأسواق أمام المنتجات المصرية، وهكذا تصبح الألواح الشمسية أداة دبلوماسية ناعمة إضافة إلى كونها منتجًا صناعيًا.

وأشارت «الجندي» إلى أن الهدف الاستراتيجى الأهم يتمثل فى الوصول إلى مرحلة تصنيع الخلايا الشمسية محليا انطلاقا من مادة السيليكون الأولية، فمصر تمتلك احتياطيات كبيرة من الرمال البيضاء عالية النقاء فى مناطق عدة من بينها أبو زنيمة وأبو الدرج، وهى خامات تمثل أساس صناعة السيليكون المستخدم فى إنتاج الخلايا الشمسية، وتحقيق هذا الهدف يتطلب استثمارات ضخمة وتكنولوجيا متقدمة، إلا أن الشراكات الجديدة التى يجرى العمل عليها مع عدد من الشركات الأوروبية والعمانية تتضمن برامج لنقل التكنولوجيا وبناء القدرات الصناعية، بما قد يفتح الطريق أمام تحقيق هذا التوجه خلال السنوات المقبلة.

من جانبه، أكد الدكتور محمد كفافي، خبير الطاقة، أن توطين صناعة الطاقة الشمسية فى مصر لم يعد مجرد خيار صناعى أو اقتصادى بل أصبح ضرورة استراتيجية ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي، سواء من منظور أمن الطاقة أو التنمية الاقتصادية المستدامة، فالعالم يشهد حاليا طفرة غير مسبوقة فى قطاع الطاقة الشمسية؛ حيث تجاوزت القدرة العالمية لتصنيع مكونات الطاقة الشمسية 1100 جيجا وات سنويا، وهو ما يزيد بأكثر من ضعف القدرة المطلوبة عالميا لتحقيق مستهدفات الحياد الكربونى بحلول عام 2030، فهذه المؤشرات تعكس تحولا جوهريا فى هيكل الصناعة العالمية؛ إذ لم تعد القيمة الاقتصادية الكبرى تتركز فى إنشاء المحطات فقط وإنما فى امتلاك التكنولوجيا وسلاسل التصنيع المرتبطة بها.

وأشار إلى أن مصر تمتلك مقومات قوية تؤهلها للاستفادة من هذا التحول العالمي، فتوطين صناعة الطاقة الشمسية يمكن أن يحقق للدولة مجموعة من المكاسب الاستراتيجية المهمة، وفى مقدمتها خفض فاتورة الواردات المرتبطة بمكونات الطاقة المتجددة بما ينعكس إيجابًا على الميزان التجاري، إلى جانب زيادة القيمة المضافة المحلية من خلال تصنيع المنتجات بدلا من تصدير المواد الخام فى صورتها الأولية، كما أن توطين الصناعة يسهم كذلك فى توفير فرص عمل نوعية تتطلب مهارات فنية وهندسية متقدمة بما يدعم بناء كوادر صناعية متخصصة، فضلا عن تعزيز القدرة التصديرية لمصر إلى الأسواق العربية والإفريقية مستفيدة من موقعها الجغرافى وشبكة اتفاقياتها التجارية الإقليمية والدولية، والاستثمار فى التصنيع المحلى للطاقة الشمسية يمثل رهانا طويل الأجل على بناء صناعة وطنية قادرة على المنافسة، وفى الوقت نفسه تعزيز أمن الطاقة ودعم خطط التنمية الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.

وفيما يتعلق باتفاقيات الشراكة الدولية، خاصة مع الجانب الصيني، أكد كفافى أن هذه الشراكات تمثل أحد أسرع المسارات لبناء قاعدة صناعية قوية، شريطة ألا تقتصر على استيراد المعدات أو خطوط الإنتاج بل تمتد إلى نقل التكنولوجيا والخبرات الفنية وبناء الكوادر المحلية القادرة على تطوير الصناعة مستقبلا، فالصين تهيمن حاليا على الجزء الأكبر من سلاسل القيمة العالمية لصناعة الطاقة الشمسية، ما يجعل التعاون معها عنصرا مهما فى خطط الدول النامية الراغبة فى توطين هذه الصناعة، ومصر بدأت بالفعل فى جنى ثمار هذا التوجه؛ حيث شهدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تشغيل مجمعات صناعية جديدة للطاقة الشمسية بقدرات إنتاجية تصل إلى 5 جيجا وات سنويا، تشمل نحو 2 جيجا وات من الخلايا الشمسية و3 جيجا وات من الألواح، باستثمارات تجاوزت 116 مليون دولار.

وبيّن أنه رغم هذه المؤشرات الإيجابية فإن نجاح تجربة التوطين لا ينبغى قياسه بعدد المصانع التى يتم افتتاحها، وإنما بمدى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل فى رفع نسبة المكون المحلي، وضمان انتقال التكنولوجيا بصورة فعلية، وزيادة القدرة على التصدير إلى الأسواق الخارجية، كما أن الوصول إلى التصنيع الكامل لسلسلة القيمة منذ البداية قد لا يكون الخيار الأكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية، ولابد من اتباع مسار تدريجى يوازن بين الطموح والجدوى الاستثمارية، ويبدأ هذا المسار بتجميع الألواح الشمسية محليا ثم التوسع فى تصنيع المكونات المساندة مثل الهياكل المعدنية والكابلات، يلى ذلك إنتاج الخلايا الشمسية وصولا فى النهاية إلى تحقيق التكامل الكامل لسلسلة القيمة، فهذا النموذج التدريجى يسهم فى خفض المخاطر الاستثمارية ويتيح زيادة المحتوى المحلى بصورة مستدامة، ويمكن الوصول إلى نسبة مكون محلى تتراوح بين 40 فى المائة و60 فى المائة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يعد هدفا أكثر واقعية وقابلية للتحقيق من السعى إلى التصنيع الكامل بشكل فورى.

وفى تقييمه لدور الهيئة العربية للتصنيع فى دعم صناعة الطاقة الشمسية، وصف الدكتور محمد كفافى الهيئة بأنها تمثل نموذجا وطنيا مهما لتوطين الصناعة نظرا لبدئها المبكر فى بناء قدرات تصنيع محلية وتطوير كوادر فنية وهندسية متخصصة فى هذا المجال، فالهيئة تمتلك حاليا خط إنتاج للألواح الشمسية بطاقة تبلغ 52 ميجا وات سنويا، وتعمل على تنفيذ خطة توسعية تستهدف رفع هذه القدرة إلى نحو 1 جيجا وات سنويا من خلال شراكات صناعية واستثمارية جديدة، فهذه الخطوة تمثل تحولا نوعيا فى حجم الإنتاج؛ إذ تعنى زيادة الطاقة التصنيعية بأكثر من 19 ضعفا مقارنة بالقدرات الحالية بما ينقل المشروع من نطاق الإنتاج المحدود إلى مستوى منصة تصنيع إقليمية قادرة على تلبية احتياجات الأسواق المحلية والإقليمية.

وأوضح «كفافي» أن هذه القدرات الإنتاجية تتماشى مع النمو المتوقع فى الطلب المحلي، فإنتاج ألواح شمسية بقدرة 1 جيجا وات سنويا يمكن أن يخدم مئات المشروعات الصناعية والتجارية، كما أن الدولة تدرس حاليا تنفيذ برنامج واسع النطاق لإضافة نحو 1 جيجا وات من أنظمة الطاقة الشمسية فوق أسطح ما يقرب من 7 آلاف مصنع، وهو ما يعكس اتساع السوق المحلية وقدرتها على استيعاب استثمارات صناعية كبيرة فى هذا القطاع، ولكن لابد من معرفة أن نجاح صناعة الطاقة الشمسية لا ينبغى أن يقاس بعدد الألواح المنتجة فقط، وإنما بمدى القدرة على بناء سلسلة قيمة متكاملة، والهيئة العربية للتصنيع حققت بالفعل تقدمًا ملموسًا فى عدد من المحاور الأساسية، من بينها تأسيس خبرات تشغيل محلية، وإعداد كوادر هندسية مؤهلة، والمساهمة فى توسيع مشاركة القطاع الصناعى فى مشروعات الطاقة الشمسية.

وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على ملفات أكثر تقدما من الناحية التكنولوجية تشمل تصنيع الخلايا الشمسية محليا وإنشاء معامل وطنية للاختبارات والاعتمادات الفنية وزيادة الاستثمارات الموجهة للبحث والتطوير، إلى جانب تعزيز القدرة التصديرية للمنتجات المصرية فى الأسواق الإقليمية والدولية، وهنا ينبغى توطين الصناعة من خلال مسار تدريجى ما يمكنه من يحقق أفضل عائد اقتصادى وصناعي، يبدأ هذا المسار بتوسيع تصنيع الألواح الشمسية باعتبارها الأسرع من حيث العائد الاستثماري، يليها إنتاج الهياكل المعدنية التى تعتمد بدرجة كبيرة على خامات محلية، ثم التوسع فى تصنيع المحولات الكهربائية ذات المحتوى التكنولوجى الأعلى، كذلك البطاريات وأنظمة تخزين الطاقة باعتبارها من أسرع القطاعات نموا عالميا وصولا فى النهاية إلى تصنيع الخلايا الشمسية التى تمثل الحلقة الأكثر تعقيدا والأعلى قيمة فى سلسلة الإنتاج.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة