بداية: من هو د. عيد وما هى نشأتك؟ وأين؟
ولدت فى 25 نوفمبر سنة 1943م فى قرية (الشبول)، المطلة على بحيرة المنزلة، وبدأت أقرأ فى مكتبة المعهد الدينى الأزهرى بدمياط وعمرى 12 سنة، والتحقت به لأنه كان الأقرب إلينا من المنصورة، وكنا نصل إلى دمياط عن طريق المراكب الشراعية فى البحيرة، وكنت أسكن فى دمياط ومعى فى الشقة نفسها زميل اسمه محمد المنسي، كان مثقفًا، وبالصف الثالث الثانوي،وتوفى بعد وأصبت بانهيار عصبي، وكتبت فيه قصيدة عامودية، كان ذلك سنة 1960م، وهكذا كتبت بدافع الصدمة رثاءً لصديقي.
أول قصيدة نشرتها كانت بسبب خطوبة ابنة أخى لولد بلطجي، فرأيتها تبكى على سطح البيت، فتأثرت بدموعها، وكتبت القصيدة، وأرسلتها للشيخ أمين الخولى سنة 1965 على مقر (جمعية الأمناء) التى أسسها، وكان عنوانها 25 شارع الجمهورية، وكان يصدر مجلة (الأدب) فنشرها لى واحتفى بها، ثم تعرفت به لاحقًا، وكانت أول تجربة لى مع شعر التفعيلة، أما العروس فقد تشاجرت مع أخى بسببها، وفُضَّت الخطبة، فقام خطيبها بضرب البهائم فى بيتنا بالسكين انتقامًا منا، ولا يزال المشهد لا يبارح مخيلتي!
كيف اقتربت من أمين الخولى لاحقًا؟
كنت أتردد على ندوات الجمعية، وحضرت ذات مرة ندوة إثر عودته من زيارة لأوروبا، وبعد انتهاء الندوة، سأل عمن يصحبه فى سيارته إلى حى مصر الجديدة حيث يسكن، فصحبته لأنى كنت أعيش هناك آنذاك، وأصر على توصيلى لسكني، ثم زرته مرتين بعدها فى بيته 9 شارع العجم، وقابلتنى زوجته د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) بترحاب وابتسام، ولا أعرف أنها ابنة دمياط، ولكنى تذكرت لاحقًا أنها زارت المعهد الدينى بدمياط، ورأتنى أقرأ فى المكتبة وأنا طفل فى سن 12 سنة، فربتت على كتفى وشجعتني.
والذى لا يعرفه كثيرون أننا كنا فى المعهد الدينى لسنا مجرد تلاميذ نرتدى (العمة والكاكولا)، أى مشايخ صغار، بل كنا نلعب ونغنى ونقرأ، وقد رُفِتَّ ثلاثة أيام بسبب أن شيخ المعهد رآنى أرقص، وتلميذ آخر يطبل لى على التختة، وقد رُفِتَّ هو أيضًا، وكان ابن أخت وكيل المعهد!
كنتم تغنون وترقصون فى المعهد الديني؟!
نعم، والتحقت بفريق التمثيل فى المعهد الديني، كان ذلك فى مطلع الستينيات، وكان عندنا أساتذة أزهريون تنويريون عظام، دعك من كل ما يقال، فهى مرحلة غنية، وإذا كان (الإخوان) سخروا منها وقالوا: (ما أدراك ما الستينيات)، إلا أنها كانت مرحلة خصبة، ومرحلة مد ثورى عالمي، وكانت مصر مهد ومنطلق هذا المد الثوري، ويكفى أن يكون عندنا فريق تمثيل فى المعهد الديني.
وأذكر أنه أيام ثورة الجزائر سنة 1958 أن طلاب المعهد خرجوا فى مظاهرات لتأييد الثورة، وكانت المقدمة لطلبة الثانوي، وكنت فى الصف الثانى الابتدائى وخرجنا خلفهم فى الشارع نهتف للجزائر، وحاول شيخ المعهد عبد الرحمن جلال منعنا، لكنه فشل، فتم رَفْتُ 146 طالبًا من دخول الامتحان فى هذه السنة، وكنت أحدهم، ويشاء القدر أن ألتقى نفس الرجل فى ميدان الأزهر بالقاهرة وأنا طالب بكلية الطب وأذكره بالواقعة، وكان قد انتقل للعمل فى القاهرة.
طبعًا أذكر أستاذى بالمعهد «محمد بشير سالمو» وكان موسوعة فى كل شيء، وتعلمنا منه البلاغة وعروض الشعر والرياضة، وحين التحقت بقسم العلمي، كنت ألجأ إليه فى المسائل العويصة، وهو صاحب أربعة اختراعات باسمه، وقد بنى بيته بالطوب بنفسه، وصار صديقًا لى فيما بعد، وكنت أقبل يده، وكذلك أستاذى محمود مرجان، علمنا أن نقرأ فى كل شيء حتى الجنس، لأن القراءة حياة، وكان مشايخنا يقولون لنا: «قوى العزيمة يجرب كل شيء ولا يقع فى الشر مرة».
كم سنة بقيت فى المعهد الديني؟ وماذا بعده؟
كانت الدراسة فى المعهد تسع سنوات، وتضم مرحلتين: الابتدائية والثانوية، ولكنى بقيت فى المعهد عشر سنوات من سنة 1955 حتى 1965 بسبب منعى من دخول الامتحان سنة 58 بسبب المظاهرات، وكنت أرغب فى الالتحاق بكلية اللغة العربية، ولكن لأنى قسم علمي، كان ذلك صعبًا، فالتحقت بطب الأزهر فى القاهرة سنة 1965، وكان تدريبنا العملى فى مستشفى الحسين الجامعي، وكنت عضوًا فى (اتحاد الطلبة)، وفى (منظمة الشباب)، ومؤيدًا للثورة وعبد الناصر بدمياط.
ومع ذلك حين اندلعت مظاهرات طلبة الجامعة سنة 1968م، وجرى اعتقال الطلبة المعتصمين فى رحاب جامعة القاهرة، تظاهر طلبة جامعة الأزهر تضامنًا معهم، وكنت أدفع بالطلبة للداخل والهدوء، وبالرغم من ذلك اعتُقلت، ومُنعت من دخول الامتحان هذا العام أيضًا، وضاع من عمرى عام آخر!
أى أن السياسة أضرت بك طالبًا وأديبًا؟!
نعم، والسياسة تقتل الأدب، وبسببها ضاع من عمرى عامان وأنا طالب، ثم ضاع من عمرى 15 سنة لاحقًا، كنت فيها رئيس الحزب الناصرى فى «دمياط، وكنا نسمى أنفسنا فى المعارضة: «أنا على يسار النظام»!
متى تخرجت فى كلية الطب وأين عملت؟
تخرجت سنة 1972 وعُينت فى مستشفى (الحوض المرصود) بالسيدة زينب، وكنت آنذاك طبيبًا للأمراض الجلدية، وبعدها انتقلت للعمل فى مستشفى باب الشعرية، وكانت منطقة شديدة الزحام، وهناك رأيت أمراض الفقر والجهل عن قرب، حيث كانت طوابير الأطفال ممن يعانون من (الجرب والتنيا والأنيميا والدرن) طويلة، وانهمكت فى عملى بحب ودأب، بعد ذلك غيرت إلى تخصص أمراض الأنف والأذن والحنجرة، وارتبطت بالخطوبة، وانتقلت لدمياط.
عودة للأدب.. قلت إنك تعلقت بأمين الخولي، فبمن تأثرت أيضًا فى شبابك؟
ظلت علاقتى وطيدة مع أمين الخولى حتى رحل سنة 1966، وكانت صدمة كبيرة لي، وكنت أنشر شعرى آنذاك فى مجلة «سنابل» مع محمد عفيفى مطر، وأذكر وأنا طالب فى الكلية أننا كنا نصدر مجلة أدبية، وكان أستاذى فؤاد جمال الدين مفتونًا بيوسف إدريس، فطلب منى إجراء حوار معه، وكنت مفتونًا به أيضًا، وتوجهت إليه بخطاب الكلية الرسمى فى مكتبه (5 شارع دوبريه فى التوفيقية)، وجلست معه ثلاث ساعات، واطلع على الأسئلة، فقال لي: «أنت مفصصني، ولست مجرد قارئ لي».
ورغم إعجابى بقصصه مثل «مسحوق الهمس، والعملية الكبرى، والنداهة، والحرام» وغيرها، إلا أننى لمست فيه غيرة من نجيب محفوظ، ولمست «البارانويا» وتضخم الذات عنده، نعم هو عبقرى فى القصة القصيرة، وليس فى الرواية، ولكننى اليوم لا أستطيع أن أقرأ قصة له، لأن السرد تطور، وحين التقيت به كان يتعاطى دواء اسمه «ريتالين» يساعد على التركيز، وكان الطلبة يأخذونه للسهر قبل الامتحان، كما كان يستشفى من «المورفين» فى مستشفى المعادي، وكان صديقى توفيق زيدان يعمل بها آنذاك، وكان ممن حضروا معركة شدوان أيام حرب الاستنزاف وشاهد ذلك بنفسه مع إدريس، وقد كتبت قصة (لقاء) من وحى لقائى بإدريس.
كم ديوانًا لك؟
أحد عشر ديوانًا، وكتابًا نقديًا، وعندى ثلاثة كتب نقدية جاهزة للنشر، وأول ديوان عنوانه «قلبى وأشواك الحصار»، وكان ينتمى لشعر التفعيلة، قبل أن أذهب لقصيدة النثر.
من هم آباؤك الشعريون؟
ثلاثة كبار: صلاح عبد الصبور، ونجيب سرور، وكامل أيوب، الأول نشر لى فى مجلة «الكاتب» واحتفى بي، وأعتبره آخر شاعر عربى عملاق، وهو شاعر إنسانى بامتياز، وكامل أيوب شاعر كبير ولكنه هاجر للخليج فلم تعرفه الحركة الأدبية، وكان قد أصدر ديوانه «الطوفان والمدينة السمراء»، وهو شاعر متطور دراميًا وسرديًا، وكان حجازى أصدر آنذاك ديوانه «مدينة بلا قلب» وانحاز له رجاء النقاش بشدة، وفضله عمن سواه.
إذن أنت لا ترى حجازى شاعرًا كبيرًا؟
هو شاعر عمودى كبير، ولكنه شاعر القصيدة الواحدة، وهى «مرثية لاعب سيرك»، كما أعتبر الشهاوى شاعر القصيدة الواحدة، وهى «المرأة الاستثناء»، وإذا كان حجازى كتب «مرثية العمر الجميل» فقد كتبت قصيدتى «هى العمر» وأرسلتها له وهو رئيس تحرير «إبداع» فلم ينشرها، رغم أنى لست من الشعراء العظام، ولا أنافسه، بل أكتب لنفسي، هو شاعر عمودى كبير، ولكننى أكره الصنمية، وتحويل الناس لأصنام وأقانيم!
فماذا عن نجيب سرور؟
شاعر ودرامى كبير لم ينل حقه إطلاقًا، وحين أصدر «ياسين وبهية» ملحمة شعرية عامية سنة 1965، طلب رأى القراء فيها، وكتبت رأيى وأرسلته إليه، ورحت لمقابلته فى «مسرح الجيب» وكان يقدم مسرحية «آجاممنون»، ثم ذهبت إليه عند عرض مسرحيتة «آه يا ليل يا قمر»، ثم مرض ورحل فى ظروف صعبة، وتعلمت من تجربتى ألا ألتقى بمن أحبهم من أدباء، بسبب «تورم الذات والبارانويا» التى شاهدتها فى يوسف إدريس، كما أنه ضربنى فى ثوابتي!
كيف؟
كنت مفتونًا بهيمنجواي، فقال لى إدريس: إنه مغامر يكتب مغامراته وليس أديبًا. إننى لا أهوى تحطيم الأصنام، بل أقرأ بموضوعية، فأحببت ماركيز وروايته «مائة عام من العزلة»، وحفظت مقاطع منها، وأحببت ترجمات هيمنجواي، حين تُرجمت ببراعة مثل «ستشرق الشمس ثانية»، و«وداعًا للسلاح»، و«العجوز والبحر»، والأخيرة ترجمها صالح جودت.
بم تنصح الشعراء الشباب؟
اقرأ قصة ورواية قبل كتابة الشعر، واقرأ الشعر قبل كتابة القصة، وتعلم واقرأ، واعلم أن الشعر ليس صورة ولا بلاغة ولا خيالًا، بل المهم الصورة الكلية التى تخدم المعنى، وأومن بتلاقح الفنون، والكتابة عبر النوعية، كما فعلت أنت فى مجموعتك القصصية «الكتكوت الراقص»، حيث تتلاقى فنون السرد. والحقيقة أننى أقرأ لشباب فيقف شعر رأسى إعجابًا بهم، والراحل أشرف البولاقى كان شاعرًا تقليديًا جيدًا، وأخطأ حين حاول تقليد «قصيدة النثر»، وكان أحرى به أن يظل يكتب الشعر العمودى والتفعيلة، والتنوع جيد.
سرقت منك السياسة 15 سنة.. فماذا عن الطب فى حياتك؟
سألت إدريس السؤال نفسه: الشعر أم الطب؟ فقال لي: «اختر بشجاعة، ولا تترك أحدهما، فقد شاهدت فى لندن الأطباء أعضاء فى فرق الموسيقى والمسرح، فالفن والأدب يرقق مشاعر الطبيب، والطب يعمق إنسانية الكاتب، فقد حصلت على دبلومة جراحة مخ وأعصاب، وتركتها وعملت صحفيًا فى «الجمهورية». هذه نصيحة إدريس لي، وكانت عيادته فى «عشش الترجمان» مزدحمة لشطارته وكاريزما شخصيته، فقد عرف طريقة، وفتننى فى أول حياتي، خاصة أننى بدأت حياتى قارئًا للأدب الأجنبي، وترجمات المنفلوطي، كل ذلك فى مكتبة المعهد الديني، وهى الأكبر فى مصر بعد (دار الكتب)، وبكينا يوم نقلها!
كيف تكتب القصيدة؟
تأتينى فجأة، وإذا ترصدت لها لا تكتمل وأمزقها، وكم مزقت من قصائد عظيمة، وندمت بعدها، وأنصح الشباب ألا يمزق ما كتبه، وألا يكون ناقدًا لنفسه، وأذكر أن صديقى صلاح مصباح قد طلب منى قصيدة ألقيتها فى مؤتمر سياسى سنة 1985 بحضور الشيخ إمام وفريدة النقاش وغيرهما، فقلت له إننى مزقتها، فحزن!
السياسة والأدب.. كيف يؤثران فى بعضهما؟
السياسة والحزبية تقتل الأدب، وتميت كل شيء فى الإنسان، وكنت رئيسًا للحزب الناصرى فى دمياط 15 سنة، وأرغمنى على ذلك «ماجدى البسيوني»، وندمت على دخول معترك السياسة!
هل تعتبر نفسك من مظاليم الأقاليم؟
كتبت مرة لحسن طلب فى «إبداع» مقالًا عنوانه «نحن ضحايا أنفسنا»، ومرة التقينا أحمد الشهاوي، وكان معنا مصطفى الأسمر، وطلب منا الحضور للقاهرة ولو مرة فى الشهر، لأن العاصمة هى مصر، بعكس بلاد العالم، وقال لى حلمى سالم: «سهل أن تكتب قصيدة، ولكن الصعب تسويقها ونشرها»!.. واليوم مع السوشيال ميديا أصبح الكل ينشر، وهذا جيد رغم أن بعضه غث.
استقلال الأديب: هل هى فكرة مثالية؟
صعب، فقد قيل لى من أنصار تيار اليسار فى الحبس: «انضم أو اتلم»، فلا مجال للاستقلال، وعشت يومها خمسة أيام فى الحبس، وقُبض عليَّ من خط أتوبيس 40 بالعباسية، وممن أثروا فيَّ جدًا د. أحمد عبد الله رزه، البطل العظيم المغوار، وجسد مأساة كل مثقف، كنت معروفًا كيساريًا فى الجامعة، ولما تخرجت وعملت فى مستشفى باب الشعرية، أرسل إليَّ أستاذى الجامعى وقال لي: «اتلم، أنت الآن موظف ولست محميًا كما كنت طالبًا»، فركزت فى الطب حتى سنة 1976، حين أخذ صديقى محمد فهمى سند قصائدى للنشر فى مجلة «الكاتب» مع صلاح عبد الصبور، آخر الشعراء العرب العظام، لا نزار ولا درويش، ولا نازك، ولا حجازي، شاعر إنسانى كبير، تثقف من أمريكا اللاتينية ولوركا، إلى أوروبا، وإليوت.
أخيرًا.. هل نشرت حوارك مع إدريس؟
معى للآن لم أنشره، والسبب أن مدير مكتب الشيخ الباقوري، وكان شيخًا للأزهر، رفض بعض مواد مجلة الكلية، ورفض د. فؤاد جلال تعديلها، فتوقفت!