رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المعارضــــــــــة بـ«التى هى أسوأ»

4-6-2026 | 15:54
طباعة

الأيام تكشف معادن البشر، والمواقف تسقط الأقنعة الزائفة، لأنه من السهل أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، بينما من الصعب أن تخدع كل الناس طوال الوقت، وهناك فرق شاسع بين التنظير وبين الممارسة العملية، فالبعض لا يكلون من الحديث عن النزاهة، ولا يملون من الكلام عن العدالة، ويصورون للأتباع أن لهم صولات فى حفظ الأمانة، ويصدرون للأشياع أن لهم جولات فى حماية الممتلكات العامة، لكن عندما تتعارض القرارات مع مصالحهم، ويقف القانون ضد رغباتهم، يظهرون على حقيقتهم، وتنفضح سريرتهم، وتتضح ازدواجيتهم بين القول والعمل، والمصير المحتوم هو السقوط فى الاختبار، والدوران فى دوامة الأخطاء، فيختلط لديهم الخاص بالعام، وتتداخل الأهواء، مع تحالف أصحاب الأغراض، والغرض مرض يهوى بصاحبه من حالق، وهنا يميز الناس بين الحق والباطل بعيدًا عن الشعارات الرنانة والتصريحات العنترية.

 
 

وقد جسدت قضية قصر أكمل قرطام المخالف مشهدًا معبرًا عن مدى تحكم المصالح فى مواقف واتجاهات بعض الكوادر التى تدعى المعارضة المخلصة، وتتستر بالنقد البناء، وتتخفى وراء لافتات الصالح العام، بينما التجربة تثبت العكس، فالغاية هى البحث عن المكاسب، والغاية تبرر الوسيلة، فتتحين الفرصة لاقتناص المغانم، وعند تضارب المصالح تكون الأولوية للفوائد الشخصية، فلا مانع من المجاملة لمن يمول، ولا حرج فى مناصرة من يدفع، حتى لو كان ذلك على حساب الشعب كله، وضد المصلحة الوطنية، عملًا بطريقة «انصر صاحبك ظالمًا أو مظلومًا بشرط تحقيق المنفعة»، ولتتنحَّ المبادئ قليلًا أو كثيرًا لا يهم، فها هم بعض قادة الحركة المدنية الذين صدعونا بقصص الإدارة الرشيدة، وادعاءات حرصهم على تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء، مع مطولات جوفاء عن مكافحة الفساد وتفعيل مبدأ الشفافية والرقابة المجتمعية، يضبطون متورطين مع سبق الإصرار والترصد فى الدفاع عن شخص ينتهك حق الدولة والمواطنين فى مياه النيل بإقامة قصر مليارى دون وجه حق، يعتدى على النهر الخالد، ويردم مجراه العظيم، ويشوه معالمه العريقة، ويلوث مياهه النقية، وهو جرم لو تعلمون عظيم، من قسم المصرى القديم «أنا لم ألوث ماء النهر» إلى قانون الموارد المائية والرى رقم 147 لعام 2021، والقصاص منه بالقانون فريضة مجتمعية وضرورة قومية حتى يكون عبرة لغيره مهما عظمت ثروته أو توسعت دائرة علاقاته أو تمددت شبكة المحيطين به، فلا تسامح ولا مهادنة مع جرائم التعدى على شريان الحياة للمصريين، والدولة كلها شعبًا وقيادةً وحكومةً تقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه ارتكاب هذه الفعلة المنكرة بحكم الشرع والقانون، وأيضًا المرفوضة من جموع المواطنين.

والخطيئة الكبرى أن شرذمة من حاشية رجل الأعمال المتهم بالصوت والصورة بجريمة انتهاك حرم النهر، بدلًا من تأنيب صاحبهم فى السر والعلن، ورفض ابتزازه لمؤسسات الدولة التى تمارس اختصاصاتها لتأمين النيل من أية تعديات أو إشغالات غير مشروعة، وتقديم النصيحة له بالتوقف عن ليِّ الحقائق والتشكيك فى صحة الإجراءات الإدارية من خلال فيديوهات السوشيال ميديا المصنوعة بتدبير، والمجهزة بتخطيط من كتابة السيناريو إلى التصوير والمونتاج والإخراج، والأغرب أن هؤلاء المنتفعين من أعضاء الحركة المدنية انساقوا فى هذا المضمار المتعرج، وحادوا عن الطريق المستقيم، فلم يتركوا المسألة لتحسم فى ساحات القضاء العادل، بل سارعوا إلى تصوير الأمر لمتابعى السوشيال ميديا عبر بيان ممجوج، وكأنه نضال سياسى بحت، وعمل وطنى لا يخالطه شيء، وهم يعلمون علم اليقين أن أزمة قرينهم لا علاقة لها من قريب أو بعيد بدوره السياسي، بل هى قضية جنائية لأن جريمة التعدى على نهر النيل اقترنت بالاستيلاء على أراضى الدولة، والبناء عليها وتغيير معالمها، والعقوبات المشددة فى انتظاره.

وسيرًا على مبدأ التغطية على «مصالح الشلة» الذى يحكم تحركات العديد من كوادر الحركة المدنية، ويغلف غالبية انتقاداتها التى تحمل «مآرب أخرى» فى وقائع شتى، ومواقف عدة منذ تأسيسها فى 2017، جاء بيان الجمعة محملًا بالهمز واللمز، وإدخال قضايا أخرى لا صلة لها بجريمة جليسهم أكمل قرطام، مع عبارات فضفاضة عن الخروج عن الدستور وتجاهل أحكام القانون وتهديد السلم الاجتماعي، وقال البيان الخبيث بالنص: «كان آخر هذه النماذج، التدخل لانتزاع أرض وهدم مبنى سكنى من أملاك أكمل قرطام، رئيس حزب المحافظين، مشيدًا عليها، رغم حيازته الشهادات القانونية والوثائق الرسمية»، وبلا مبالغة هذه السقطة هى الأكثر فجاجة، والأشد سطحية لجماعة الحركة المدنية، وثبت فيها بالوقائع الموثقة أنهم معارضون بمنطق الشلة، ويسيطر عليهم الهوى الشخصى والنزعة الحركية عند تصيد الأخطاء، ومن فرط رغبتهم فى تشويه أى إنجاز، واندفاعهم فى المبالغة بالكيد لمؤسسات الدولة، يحاولون بكل السبل تضخيم الأمور وتهويل القضايا، وزاد من أزمتهم النفسية أنهم يعيشون فى وهم قوة التأثير، والقدرة على تمرير أية أباطيل بين الجماهير، وهذا ما أصابهم بعمى البصيرة فى هذا البيان المفضوح، فلم يتدبروا كلماته، ولم يتحسسوا عباراته، ولم يشغلهم إلا الحصول على رضا الممول لمؤتمراتهم، والراعى لإقاماتهم فى الخارج والداخل، والمتكفل بشاليهات الساحل الشمالي، فانقلب السحر على الساحر، وجنت على نفسها براقش، فتوالت الهجمات على كتبة البيان الكذوب، وتعاقبت الإدانات للمخالفات القانونية، وتوالت الاحتجاجات على هذه المراهقة السياسية، والأهم دلالة هنا هو قيادة الأحزاب والتيارات المحسوبة على كتلة المعارضة لمسيرة الهجوم على تلك الخطيئة الحركية، والتبرؤ منها وصولًا إلى الانسحاب النهائى فى ظل إدارتها حسب الهوى والمزاج الشخصى لبعض القيادات، مع اتساع رقعة الرفض الشعبى لمحاولة حماية الفساد، فالمعارضة لا بد أن تكون لأهداف تخدم صالح الوطن والمواطن، وليس لمآرب خاصة.

بالطبع، تحت وطأة المواقف الحاسمة من الأحزاب والقوى السياسية، حتى من داخل الحركة المدنية نفسها، رفضًا للأكاذيب التى روج لها كتبة بيان القصر المخالف، ومنعًا لاستشراء الممارسات الفاسدة، والتصدى الواضح لافتراء قرطام ورفاقه بأنهم يحتكرون الحديث باسم المعارضة المصرية، اضطرت الحركة إلى سحب البيان الأول وتقديم الاعتذار لمتابعيها، لكنها فى نفس الوقت واصلت عاداتها القبيحة فى البيان الثانى بعد يومين فقط، بالإساءة إلى سياسات الدولة المصرية، وتوزيع الاتهامات بلا دليل، مع التفخيم فى الكوادر الحركية، والمبالغة فى أدوارهم، وهى نفس اللغة التى يرددها عناصر جماعة الإخوان الإرهابية، ومن لف لفهم فى الداخل والخارج، وهم واهمون، لأن الشعب المصرى واعٍ، وقادر على الفرز، ويعلم عن جدارة، ويدرك بإتقان أن البلاد تبنى بالعمل والجهد وليس البيانات الجوفاء أو العبارات الطنانة، إلى جانب أن فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف لمن يسعى لتقنين المخالفات، وتحصين التعديات، ولا يراعى حقوق العاملين لديه، ولا يحترم أحكام القانون، أن يدعى هو وشلته محاربة الفساد، والرغبة فى الإصلاح السياسى والاقتصادي، ناهيك عن أن غالبية هذه الفرقة لا يفرحون بأى إنجاز يحققه المصريون، ولا يبتهجون لأى نجاح تحصده الدولة المصرية فى حرب التنمية الشاملة، والأمثلة عصية على الحصر، وقائمة المشروعات القومية العملاقة طويلة، وتفوق عدد أعضاء هذه الحركة، لكنهم لا يرون من الغربال، ولا ينظرون إلا من وراء العدسات السوداء.

وحرصًا على الصورة الكاملة، ومنعًا للقيل والقال، وتجنبًا لاجتزاء الكلام، سأستشهد ببعض البنود التى تضمنها رد وزارة الموارد المائية والري، وهى 14 بندًا على مقاطع الفيديو التى نشرها عبر السوشيال ميديا أكمل قرطام بشأن أعمال الإزالة الجارية لتعدياته على نهر النيل بمنطقة أبو النمرس بمحافظة الجيزة، والتى وضعت النقاط على الحروف، وقطعت جهيزة قول كل خطيب، فقد أوضحت من أول سطر أن إجراءاتها تأتى فى إطار تطبيق القانون وحماية مجرى نهر النيل وأملاك الدولة العامة، ودون أى تمييز بين حالة وأخرى، ووفقًا لنتائج الرفع المساحى الذى تم بمعرفة الهيئة المصرية العامة للمساحة، وكذا بحث الملكية بمعرفة الشهر العقاري، فإن إجمالى مسطح القصر المخالف يتجاوز الخمسة أفدنة ونصف الفدان، ومساحة أراضى أملاك الدولة المتعدى عليها تتجاوز 14 ألف متر بنسبة تقارب 60 بالمئة، وردم داخل مجرى نهر النيل حوالى 11390 م²، ومسطح تعدٍّ على الأملاك العامة لجسر شبرامنت يجاوز 2700 م²، وأقام مبنيين تقع أجزاء كبيرة منهما على مسطحات الردم داخل مجرى النهر، بما يمثل مخالفة واضحة، وما ورد من بيانات مساحية ونتائج بحث الملكية لا ينال من أى حقوق ملكية ثابتة قانونًا خارج نطاق المخالفات والتعديات محل الإزالة.

وعلى عكس بيان الحركة المدنية المليء بالأخطاء القانونية الفادحة، والعيوب الإدارية الجسيمة، والسقطات السياسية الفجة، جاء البيان الشافى والوافى من وزارة الري، وهنا التحية واجبة لمن عكف على صياغته المحكمة وإعداده المتقن، فالبند التاسع أفحم قرطام، وأفسد كل مراوغاته لإحراج الجهات المختصة بهدف تأجيل إزالة التعديات على النيل، فجاء بالنص: «وفيما يتعلق بما يثار بشأن عرض إهداء أو التنازل عن المنشآت محل المخالفة لصالح الدولة، التبرع أو الإهداء لا يكون إلا فيما يملكه صاحبه ملكية قانونية صحيحة، ولا يجوز أن يكون وسيلة لإضفاء المشروعية على وضع مخالف أو الإبقاء على تعدٍّ قائم على أملاك الدولة العامة أو داخل مجرى نهر النيل وحرمه؛ فالدولة تقدر النفع العام، لكنها لا تقبل تحويل المخالفة إلى وضع مشروع بمجرد تسميتها تبرعًا أو إهداءً»، وبحيادية تامة، هذا الرد الرسمى تضمن بشكل احترافى جميع الجوانب، وشمل كل الزوايا، وكان من المفترض أن يبتلع أتباع الحركة ألسنتهم، لكنها الحماقة التى أعيت من يداويها، فقد وقعوا فى فخ المزايدات بحكم أن لهم باعًا فى هذا الاتجاه، لكن لا تسلم الجرة فى كل مرة، وعليهم أن يتواروا خجلًا كما ذكرهم الكاتب الصحفى خالد البلشى نقيب الصحفيين، فالحركة التى تحركت من أجل قصر رجل أعمال شهير، «تحت ستار الحق الدستورى بالحفاظ على الملكية الخاصة»، واختارت منذ فترة طويلة أن تقيم فعالياتها فى قصر آخر مملوك له، لم تشغل نفسها بعشرات الصحفيين الذين شردهم هذا الرجل، وتلاعبه ومحاميه لإهدار حقوقهم أو الامتناع عن تعويضات حكم بها القضاء لصالح عدد منهم.

حمى الله مصر وشعبها وقيادتها

ومؤسساتها الوطنية من كل سوء

أخبار الساعة

الاكثر قراءة