رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

يوم المحمل فى القــــــــــــــــــــاهرة


26-5-2026 | 12:47

.

طباعة
تقرير: أشرف التعلبى

فى شوارع القاهرة، وبين أصوات الذكر وزغاريد النساء وأعلام الطرق الصوفية، كان موكب المحمل واحدا من أعظم المشاهد الشعبية والدينية التى ينتظرها المصريون كل عام، فلم يكن مجرد احتفال بإرسال كسوة الكعبة إلى مكة المكرمة، بل كان مناسبة تختلط فيها الروحانية بالفرحة الشعبية، وتظهر خلالها ملامح المجتمع المصرى بكل طبقاته وعاداته وروحه المرحة... وفى هذا التقرير نعود إلى عام 1938، وبالتحديد يوم 28 يناير، لنستعرض كيف وثقت مجلة «المصور» يوم المحمل، وما حمله من طرائف ومشاهد تكشف جانبا حيا من تاريخ مصر.

كان ذلك يوم الخميس عندما احتفل المصريون بعرض موكب المَحمل النبوى والكسوة الشريفة قبل إرسالها إلى الأقطار الحجازية، وقد رافق أحد مندوبى «المصور» هذا الموكب فى طوفته ما بين ميدان الرصدخانة والمشهد الحسينى ودون بعض طرائف ومشاهدات ننشرها فيما يلى.

 
 

انتهز أصحاب المقاهى والمحلات العمومية وبعض أصحاب المنازل وبوابى العمارات الواقعة فى طريق موكب المحمل ما بين العباسية وسيدنا الحسين فرصة تسابق الجماهير المتراصة إلى مشاهدة الموكب فعمدوا إلى تأجير المقاعد و«الدكك» أو الشرفات والنوافذ والسطوح بأجور كانت ترتفع وتنخفض تبعاً للموقع ودرجة الإقبال، فعلق أصحاب بعض المقاهى «يفطا» كتبوا عليها «الكرسى بقرش صاغ بدون مشروب» ووقف جرسونات المقاهى البلدية ينادون كما يفعل الدلالون فى المزادات قائلين «الكرسى بصاغ واحد يا جدع !!».

أما البلكونات والشبابيك والسطوح فكانت أغلى من المقاعد وخصوصاً فى عمارات شارع فاروق، كما عمد كثيرون من أصحاب العربات «الكارو» إلى الوقوف فى طريق الموكب لتأجير عرباتهم لنساء الطبقة الثالثة اللواتى أسبغن على الموكب كثيراً من البهجة بزغاريدهن التى كانت تتردد بين حين وحين.

عايزين العادة!

وكذلك فعل «المشاعلية» وأصحاب «النقرزان» من الإسكندرانية فأخذوا يطوفون بالجماهير المتراصة وهم يرقصون ويطبلون يتقدمهم «بهلوان» يعرض ألعابه المختلفة وقد بسط فى يده منديلاً يجمع فيه «النقوط» وكانوا يهتفون بالسيدات المحتشدات فى النوافذ والشرفات صائحين «عايزين العادة! كل سنه وأنتو طيبين؟» فكانوا يرمونهم بالنقود حيناً و«بالمكسرات» أحياناً حتى اجتمع لهم من هذا وذاك الشيء الكثير.

أغانى الحجاج

وكان أغلب النساء «البلدى» يغنين أغانى الحجاج المعروفة، كما عمدت بعض شركات الأدوية وغيرها إلى الدعاية عن بضائعها بإخراج سيارات تحمل إعلانات مختلفة عن هذه البضائع، وقد ركب فيها ميكرفون يذيع هذه الأغانى وفى مقدمتها أغنية «يا رايح جده على زمزم» التى تغنيها الآنسة نجاة.

يخلق من الشبه أربعين!

وتصادف أن كان بعض السيدات يجتزن الطريق إلى العباسية ومن بينهن سيدة تشبه الآنسة أم كلثوم فى شكلها إلى حد كبير فما كاد بعض المارة يرونها حتى صاح بعضهم:(أم كلثوم أهه) وسارعوا إلى متابعتها مما أوقع السيدة فى ورطة احمرت لها وجنتاها ولما تنبه هؤلاء إلى أنهم كانوا مخطئين قال أحدهم:«معلهش يا ست! يخلق من الشبه أربعين!!»

معرض شارات وأعلام

وكان موكب المحمل فى مجموعه معرضاً للشارات والأعلام المختلفة، فلكل فرقة من أرباب الطرق الصوفية علمها وزيها الخاص.

فهنا جماعة يرتدون العمائم السوداء ويتشحون بوشاحات سوداء وتتقدمهم طائفة من الأعلام السوداء كذلك، وهناك جماعة أخرى بأعلام خضراء وعمائم خضراء، بينما اختار آخرون اللون الأبيض أو الأحمر وهكذا!.

وكان يتقدم كل طائفة من هذه الطوائف شيخها على صهوة جواد يحيط به حملة الأعلام وبعض رجال طريقته يسندونه من الجانبين ويتقدمهم بعض «أطفال» الطريقة يرددون الأناشيد الدينية كما يشاهد عادة فى الموالد والأذكار.

الشيخ الطفل

وكان أغلب مشايخ الطرق الذين اشتركوا فى الموكب من الشيوخ والكهول المعممين، لذلك كان مما استرعى انتباه الكثيرين أن موكب الطريقة «الخلوتية» كان يتقدمهم طفل دون السابعة وقد لبس ملابس الشيوخ من جبة وقفطان وعمامة واتشح بكوفية كبيرة كانت تغطى كل جسمه الصغير وهو يتمايل على ظهر حصانه وأتباعه يحيطون به من كل جانب حتى لا يقع أو يختل توازنه...

كذلك امتاز أتباع إحدى الطرق الصوفية بأنهم كانوا جميعاً يرتدون الملابس الإفرنجية والطرابيش، حتى شيخهم، ولكنهم كانوا جميعاً يلبسون فوق البدلة العباءة البلدية المعروفة فكانت إحدى المفارقات الطريفة.

السياح فى الموكب

وكان من بين الطوائف التى سارت فى طليعة الموكب جماعة من «الأفندية» العمال أرادوا أن يسبغوا على أنفسهم روح الفكاهة فلبسوا فوق طرابيشهم «طراطير» من الورق الملون وأخذوا يرددون بعض الأناشيد البلدية المعروفة فكان منظرهم مثيراً للضحك.

وانتهز بعض نزلاء مصر من السياح الأجانب فرصة الموكب فاستقلوا العربات والتاكسيات ومعهم أولادهم وتراجمتهم وآلات التصوير وخرجوا جماعات إلى ميدان الرصدخانة حيث تفرجوا على المحمل وأخذوا له عدة مناظر فوتوغرافية، وظل بعضهم مرافقاً للموكب حتى نهايته.

وقد سألنا أحد السياح الأمريكيين الذين شاهدوا الموكب عن رأيه فيه فقال إن أهم ما لفت نظره أن أغلب المشتركين فيه من أرباب الجلابيب!!.

النشيد القومي

وقد أثار حماسة الجمهور أن فرقة الموسيقى التى كانت ترافق المحمل كانت تعزف النشيد القومى المصرى فكان الجمهور يحييه بالتصفيق الحاد والهتاف لمصر ولجلالة الملك.

وقد حرص الكثيرون من الجماهير المتراصة على جانبى الطريق على التبرك بالمحمل بمحاولة لمسه لولا أن الحراس كانوا يمنعونهم من الاقتراب منه، ولكن أحد هؤلاء الحراس كان ظريفاً إلى حد أنه كان يلمس الكسوة بيده ثم يلوح بها للجمهور كأنما ينثر عليهم ما فيها ويوزع عليهم البركات.

ربنا يحميه لشبابه!!

وراحت إحدى السيدات تؤكد لزميلاتها أن المحمل هذا العام أبهى منه فى العام الماضى فردت عليها سيدة عجوز وهى تقول:«أمال إيه؟! ده الملك فاروق ربنا يحميه لشبابه ويوعده بزيارة النبى أمر بأن الكسوة تكون من أحسن صنف، ودفع الفرق من جيبه!! ربنا يخليه ويطول عمره ويجعله من السعداء والكسبانين...».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة