وسط حارات الخرنفش العتيقة، وعلى مقربة من شارع المعز بالقاهرة التاريخية، يفرض مبنى دار صناعة كسوة الكعبة حضوره بهدوء مهيب، رغم اختفائه خلف أغطية الترميم والشبابيك الخضراء التى تغطى واجهته بالكامل. مبنى ضخم مكون من أربعة طوابق، تتشابك فى جدرانه ملامح العمارة القديمة مع واحدة من أهم الحكايات الدينية والتاريخية فى مصر، حيث كانت هذه الدار لقرون طويلة المقر الذى تنسج داخله كسوة الكعبة المشرفة قبل رحلتها السنوية إلى الأراضى المقدسة.
هنا حكاية شارع كان يهدى الكعبة المشرفة ثوبها السنوى من قلب مصر، هنا فى حى الخرنفش، كانت دار صناعة كسوة الكعبة، التى شهدت على أيدى عشرات الحرفيين المصريين وهم ينسجون الحرير الأسود ويطرزون الآيات القرآنية بخيوط الذهب والفضة، قبل أن تنطلق الكسوة فى موكب «المحمل الشريف»، وسط احتفالات مهيبة تجوب شوارع القاهرة فى طريقها إلى الأراضى المقدسة.
ورغم أن حركة العمال وأصوات الأنوال توقفت منذ أكثر من ستة عقود، فإن المكان ما زال يحتفظ برهبة خاصة لدى أهالى المنطقة، الذين عاشوا سنوات خروج المحمل الشريف من قلب القاهرة فى احتفال مهيب كانت تتزين له الشوارع وتزدحم خلاله الحارات بالمواطنين لمشاهدة الكسوة وهى تغادر الخرنفش فى طريقها إلى مكة.
وخلف الأقمشة الخضراء التى تغطى المبنى حالياً ضمن أعمال الترميم، تقف دار الكسوة كشاهد حى على مرحلة كانت فيها مصر تتولى شرف صناعة ثوب الكعبة بخيوط الحرير والذهب، فى تقليد تاريخى استمر لقرون، قبل أن يتوقف رسمياً عام 1962، لتبقى الدار واحدة من أبرز الشواهد الصامتة على الدور المصرى التاريخى فى خدمة الحرمين الشريفين، حيث لا تزال ذاكرة أهالى الخرنفش تحتفظ بتفاصيل الأيام التى كانت فيها الحارة تستيقظ على أصوات الحرفيين، وتترقب لحظة خروج المحمل، فى مشهد تحول مع الزمن إلى واحدة من أهم الصفحات المنسية فى تاريخ القاهرة الإسلامية.
دار الكسوة.. تاريخ من الهيبة
سيد طه الخولي، 69 عاما، أحد أقدم سكان شارع الخرنفش ومدرس بالمعاش، يروى أنه عاش جزءا مهما من تاريخ دار صناعة كسوة الكعبة، وما زالت تفاصيل تلك الأيام محفورة فى ذاكرته حتى الآن، خاصة اللحظات الأخيرة لخروج المحمل المصرى قائلاً: «أنا عايشت المكان وشوفت جزء كبير من تاريخه، ولسه فاكر آخر فترة لخروج المحمل من مصر، وقتها المحمل رجع من السعودية مرة تانية بسبب رفض السلطات السعودية السماح للقافلة بعبور الحدود نتيجة الخلافات السياسية، وكان ذلك فى آخر عام 1962، ودى كانت لحظة حزينة جداً لأهالى المنطقة ولكل الناس اللى ارتبطت بالمكان».
ويضيف «طه»، أن دار صناعة كسوة الكعبة كانت جزءا أساسيا من تفاصيل الحياة اليومية لأهالى المنطقة، مؤكداً أن الحارة كلها كانت تعيش على إيقاع هذا المكان بما يحمله من قيمة دينية وتاريخية كبيرة، قائلاً: «أنا من مواليد الخرنفش، وأهلى ساكنين هنا من قبل ما أتولد بسنين طويلة، ودار الكسوة كانت على بعد خطوات من بيتنا، صحيح أنا ما اشتغلتش داخل الدار، لكننا كنا نعيش أجواءها يومياً، وكأن المكان جزء من بيوتنا».
ويشير إلى أن أهالى «الخرنفش»، كانوا يعتبرون دار الكسوة جزءا من هوية المنطقة، قائلاً: «الناس هنا كانت تشعر أن المكان له قدسية خاصة، لأنه مرتبط بالكعبة المشرفة، وحتى بعد توقف صناعة الكسوة ما زالت الحكايات والذكريات عايشة فى قلوب سكان الحي، رغم مرور السنين، ما زال المكان له هيبة خاصة عند أهالى المنطقة، لأنه شاهد على فترة كانت فيها مصر تقوم بدور كبير فى خدمة الحرمين الشريفين».
حكايات دار الكسوة
يوضح «طه»، أن دار صناعة كسوة الكعبة لم تكن مجرد ورشة عادية، بل مكان يحمل هيبة خاصة داخل المنطقة، بسبب طبيعة العمل المرتبط بخدمة الكعبة المشرفة، يقول: «الناس القديمة كانت تحكى لنا تفاصيل الشغل داخل الدار، وكان الحرفيون يقعدون بالساعات الطويلة فى تطريز الآيات القرآنية بخيوط الفضة والذهب الخالص، وكل العمل كان يتم بدقة شديدة جداً، أغلب الصناع وقتها كانوا أصحاب خبرة كبيرة، والمهنة كانت تحتاج صبرا ومهارة وحرفية عالية، كما أن العاملين داخل الدار كانوا يتعاملون مع الكسوة بحالة من التقديس، ماكنش أى حد يشتغل فى المكان، لأنهم كانوا يعتبرون إنهم يقومون بمهمة لها قيمة دينية كبيرة، ولذلك كان العمل يتم فى هدوء وتركيز شديدين».
يقول رومانى صبحي، 70 عاما، أحد أبناء حى الخرنفش الأصليين، إن حكايات دار الكسوة ظلت حاضرة فى ذاكرة الأهالى حتى بعد توقف الصناعة داخلها بسنوات طويلة، «وإحنا صغيرين كنا نسمع من الكبار تفاصيل كتير عن الصناع والحرير والتطريز بخيوط الذهب، وكانوا يحكوا عن الدقة الكبيرة فى الشغل وكأنهم بيتعاملوا مع قطعة مقدسة».
ويستعيد «روماني»، ذكريات طفولته قائلاً: «فاكر وأنا عندى 6 أو 7 سنين إن والدتى كانت تمنعنى ألعب أمام باب الدار، وكانت تقول لى دائماً، ده مكان له حرمة.. هنا بتتعمل كسوة الكعبة، كان عندنا إحساس إن المكان مختلف عن أى مكان تاني».
خروج المحمل.. يوم عيد
اعتاد أهالى الخرنفش مشاهدة الحرفيين وهم يدخلون الدار منذ الصباح الباكر. يقول «روماني»: «كنا نشوف الصناع داخلين بدرى جدا، أغلبهم يرتدون الملابس البيضاء، وكانت لهم هيبة واحترام كبير وسط الناس، أذكر منهم الحاج عبدالوهاب، كان رجلًا طويل القامة وله وقار شديد، والأطفال كانوا يخجلون حتى من الحديث معه».
يستكمل: «بعد دخولهم تغلق الأبواب، لكننا كنا نسمع أصوات العمل من الداخل، صوت الإبر وهى تتحرك فوق الحرير أثناء تطريز الآيات القرآنية بخيوط الذهب والفضة، وكان الكبار يقولون لنا إن هذه الأصوات هى صوت صناعة كسوة الكعبة».
يصف «رومانى» يوم خروج المحمل بأنه كان عيدا حقيقيا بالنسبة لأهالى الخرنفش، الحارة كلها كانت تتزين بالأنوار والزينة، والناس تنزل من الصباح الباكر لمشاهدة الموكب، السيدات الكبيرات يجلسن أمام البيوت والمقاهي، والأطفال يركضون خلف الجمال التى تحمل الكسوة وسط أجواء مبهجة ومهيبة فى نفس الوقت.
ويؤكد «روماني»، أن توقف صناعة الكسوة فى مصر غير شكل المنطقة وحياة كثير من الأسر، فالحارة لم تعد كما كانت، المكان فقد جزءا كبيرا من روحه، وكثير من العائلات التى ارتبطت بالمهنة اختفت حرفتها مع الزمن، كثير من الشباب كانوا يتمنون أن يتعلموا العمل من آبائهم وأجدادهم، لكن كل شيء توقف فجأة.
مكانة تاريخية ودينية
من جانبه يوضح أحمد حمدي، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، أن ارتباط مصر بصناعة كسوة الكعبة المشرفة يمتد لقرون طويلة، ويعكس مكانة تاريخية ودينية كبيرة حظيت بها الدولة المصرية فى العالم الإسلامي، لافتا إلى أن هذا الدور لم يكن وليد العصر الحديث، بل تعود جذوره إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
ويروى أن الخليفة عمر كان يوصى بأن تصنع كسوة الكعبة من القماش المصرى المعروف باسم «القباطي»، وهو أحد أشهر أنواع النسيج التى عرفت بها مصر قديماً، خاصة فى محافظة الفيوم، حيث برع المصريون منذ ذلك الوقت فى صناعة الأقمشة الفاخرة ونسج المنسوجات الدقيقة ذات الجودة العالية.
ويضيف «حمدي»، أن مصر حافظت عبر العصور الإسلامية المختلفة على مكانتها فى هذا المجال، إلى أن جرى تأسيس دار متخصصة لصناعة كسوة الكعبة داخل حى الخرنفش بالقاهرة عام 1233 هجرية، لتصبح المقر الرسمى الذى تنسج داخله الكسوة قبل إرسالها إلى الأراضى المقدسة.
ويشير إلى أن حى الخرنفش كان يعد أحد أهم المراكز التاريخية بالقاهرة القديمة، نظراً لقربه من قلب القاهرة الفاطمية، مؤكداً أن الدار ما تزال قائمة حتى الآن رغم مرور مئات السنين، وتحتفظ داخلها بآخر كسوة صنعت فى مصر قبل توقف إرسالها إلى المملكة العربية السعودية عام 1962.
إعادة ترميم الدار
«حمدي» يضيف أن وزارة السياحة والآثار تسلمت المبنى بالفعل ضمن خطة الحفاظ على المواقع التراثية ذات القيمة التاريخية، لافتا إلى وجود توجه لإعادة ترميم الدار وإحياء قيمتها التاريخية وتحويلها إلى متحف يوثق رحلة صناعة كسوة الكعبة فى مصر، بما يتضمنه ذلك من عرض للأدوات والصور والوثائق التاريخية المرتبطة بالمحمل الشريف وصناعة الكسوة، بهدف تعريف الأجيال الجديدة بهذا الفصل المهم من تاريخ القاهرة ودور مصر فى خدمة الحرمين الشريفين.
ويبين أن مصر ظلت لما يقرب من سبعة قرون تتولى شرف صناعة كسوة الكعبة المشرفة، فى تقليد سنوى ارتبط بخروج «المحمل الشريف»، وهو الموكب الرسمى الذى كان ينقل الكسوة والحجاج المصريين إلى الأراضى الحجازية وسط احتفالات ضخمة تشارك فيها الدولة والشعب معاً.