وفى القاهرة تحديدًا، حيث الزحام والكثافة السكانية واتساع رقعة المناطق الشعبية والعشوائية، باتت عملية توزيع لحوم الأضاحى أكثر تعقيدًا من مجرد تقسيم للحوم على الجيران والمعارف، لتتحول إلى منظومة واسعة تشمل قواعد بيانات للأسر الأولى بالرعاية، وشبكات نقل وتخزين، ومتطوعين، وتنسيقًا مستمرًا بين الجمعيات الأهلية ومديريات التضامن الاجتماعي.
وترصد «المصور»، فى هذا التقرير، كيف تُوزَّع لحوم الأضاحى داخل القاهرة والمحافظات، وما الذى يدفع بعض الأهالى لرفض تسليم أضحياتهم للجمعيات، وكيف تدير المؤسسات الخيرية واحدة من أضخم عمليات التوزيع الموسمية، والتحديات التى تواجه الطرفين فى رحلة تبدأ من المجزر ولا تنتهى إلا أمام أبواب الأسر البسيطة.
يقول أحمد النابت، 40 عامًا، أحد أهالى القاهرة، إنه يفضل منذ عدة سنوات التبرع بأضحيته للجمعيات الخيرية لتتولى هى عملية الذبح والتوزيع بالكامل، موضحًا أن طبيعة الحياة السريعة داخل العاصمة والزحام الشديد جعلاه غير قادر على تنظيم عملية التوزيع بنفسه كما كان يحدث قديمًا، خاصة مع صعوبة الوصول إلى الأسر الأكثر احتياجًا بشكل عادل ومنظم.
ويشير إلى أن الجمعيات الخيرية أصبحت تمتلك خبرة كبيرة فى هذا الملف، سواء من حيث الذبح داخل المجازر المعتمدة أو حفظ اللحوم ونقلها بطريقة آمنة، فضلًا عن قدرتها على الوصول إلى مناطق بعيدة وأسر قد لا يعرفها المواطن العادي، مؤكدًا أن هذا الأمر يمنحه شعورًا بالاطمئنان بأن الأضحية تصل بالفعل إلى مستحقيها الحقيقيين.
الجمعيات أكثر تنظيمًا
أكثر ما يدفع «النابت» للاعتماد على الجمعيات هو امتلاكها قواعد بيانات دقيقة للحالات الأولى بالرعاية، خاصة الأرامل وكبار السن والأسر الأكثر فقرًا، لافتًا إلى أن التوزيع الفردى أحيانًا يكون عشوائيًا أو محدودًا فى نطاق الجيران والمعارف فقط، بينما تستطيع الجمعيات تغطية أعداد أكبر ومناطق متعددة فى وقت قصير.
ويروى أنه كان، فى السابق، يشارك بنفسه فى توزيع اللحوم داخل منطقته، لكنه لاحظ أن بعض الأسر كانت تحصل على كميات كبيرة بسبب تعدد الجهات الموزعة، فى حين لا يصل شيء لأسر أخرى، معتبرًا أن التنظيم الذى تعتمده المؤسسات الخيرية يساعد بشكل أكبر على تحقيق العدالة.
ويعتبر «النابت» أن صكوك الأضاحى وفرت حلًا مناسبًا لكثير من المواطنين الذين لا يملكون الوقت الكافى للذبح والتوزيع، خاصة مع ضغوط العمل وصعوبة التنقل خلال أيام العيد، موضحًا أن «الفكرة ليست فيمن يوزع، ولكن فى ضمان وصول اللحمة لمن يحتاجها فعلًا».
ويضيف أن بعض الجمعيات باتت توفر تقارير وصورًا توثق عمليات الذبح والتوزيع، وهو ما عزز ثقة المتبرعين وشجع أعدادًا أكبر من الناس على المشاركة، كما أن العمل الخيرى أصبح أكثر تنظيمًا واحترافية مقارنة بالسنوات الماضية.
عادة عائلية
من جانبه، يقول طارق صبرى عبد المعبود، 35 عامًا، أحد الأهالى الذين يحرصون سنويًا على توزيع لحوم الأضاحى بأنفسهم فى منطقة شبرا بالقاهرة، إن فكرة تسليم الأضحية بالكامل للجمعيات الخيرية لا تناسبه بشكل كامل، رغم احترامه للدور الكبير الذى تقوم به هذه المؤسسات، موضحًا أن السبب الرئيسى يعود إلى رغبته فى التواصل المباشر مع الأسر البسيطة ومشاركة الناس فرحة العيد بنفسه، معتبرًا أن الأضحية «ليست مجرد لحوم يتم توزيعها، لكنها شعيرة مرتبطة بالمودة وصلة الناس ببعضها».
ويوضح أن الأمر بالنسبة له ولأسرته تحول إلى عادة عائلية ممتدة منذ سنوات طويلة، حيث يجتمع أفراد العائلة صباح العيد بعد الذبح لتقسيم اللحوم وتجهيز الشنط، ثم النزول إلى الشوارع والمناطق الشعبية لتوزيعها على الأسر التى يعرفون ظروفها جيدًا، مؤكدًا أن هذا المشهد يمثل جزءًا أساسيًا من طقوس العيد داخل الأسرة.
كما أن بعض الأهالى لا يشعرون بالاطمئنان الكامل عند تسليم الأضاحى للجمعيات، بسبب تخوفات مرتبطة بعدم التأكد من وصول اللحوم فعلًا إلى المستحقين، أو عدم معرفة أماكن التوزيع بشكل واضح، فـ «الناس تحب أن ترى بعينها اللحوم وهى تصل إلى البيوت».
ويشير «صبري» إلى أن أسرته تقوم سنويًا بتوزيع ما يقرب من 159 إلى 200 كيلوغرام من اللحوم، يتم تقسيمها بين الأقارب والجيران وعدد من الأسر الأولى بالرعاية فى مناطق مختلفة بالقاهرة، مؤكدًا أن الجزء الأكبر يصل بالفعل إلى مستحقيه؛ لأنهم يعتمدون على معرفة شخصية بالحالات الأكثر احتياجًا، خاصة الأرامل وكبار السن والعمالة غير المنتظمة.
ويؤكد أن هذا لا يعنى أن التوزيع الفردى أمر سهل كما يعتقد البعض، خاصة داخل القاهرة، إذ يوضح أنهم يواجهون كل عام صعوبات كبيرة تبدأ من الزحام وصعوبة التنقل بالسيارات المحملة باللحوم، مرورًا بمشكلات حفظ اللحوم فى درجات الحرارة المرتفعة، وصولًا إلى تنظيم عملية التوزيع نفسها حتى لا تحدث تجمعات أو مشادات بين الأهالي.
ومن أكثر التحديات التى تواجههم أيضًا صعوبة التأكد من بعض الحالات الجديدة، لأن القاهرة مدينة كبيرة ومتغيرة باستمرار، فضلًا عن الحاجة إلى توفير أماكن مناسبة لتجهيز اللحوم وتنظيفها وتقسيمها بطريقة صحية وآمنة.
ورغم هذه التحديات، يرى «صبري» أن التوزيع المباشر يظل أكثر تأثيرًا إنسانيًا، لأنه يخلق حالة من الترابط الاجتماعى والشعور الحقيقى بالعيد، مؤكدًا أن «الناس أحيانًا تفرح بالاهتمام والسؤال قبل فرحتها باللحمة نفسها».
حصر الأسر المستحقة
بدأت جمعية الرحمن الرحيم الخيرية استعداداتها لموسم عيد الأضحى قبل أسابيع من العيد، كما يوضح مديرها أحمد حسين ناصف، 35 عامًا، وذلك من خلال تجهيز أماكن الحفظ والتبريد وحصر الأسر المستحقة داخل عدد من المناطق الشعبية بالقاهرة، مشيرًا إلى أن الجمعية تستقبل سنويًا عشرات الأضاحي، ما بين تبرعات مباشرة من الأهالى وصكوك أضاحٍ يتم تنفيذها بالتعاون مع متبرعين وجهات خيرية مختلفة.
ويؤكد أن حجم اللحوم التى تتعامل معها الجمعية خلال أيام العيد يكون كبيرًا، لذلك يتم الاعتماد على خطة دقيقة تبدأ منذ لحظة الذبح وحتى وصول اللحوم إلى المستحقين، لافتًا إلى أن الجمعية تعتمد على ثلاجات حفظ مجهزة وسيارات لنقل اللحوم بشكل سريع، حفاظًا على سلامتها، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة خلال موسم الصيف.
ويبين «ناصف» أن عملية التوزيع تتم وفق كشوف وقواعد بيانات محدثة للأسر الأولى بالرعاية، تشمل الأرامل وكبار السن والعمالة غير المنتظمة والأسر الأكثر احتياجًا، لافتًا إلى أن الجمعية تحاول، قدر الإمكان، منع تكرار حصول بعض الأسر على حصص متعددة، لضمان تحقيق أكبر قدر من العدالة فى التوزيع.
ويشير إلى أن العمل خلال موسم الأضاحى يعتمد بصورة كبيرة على المتطوعين، حيث يشارك عشرات الشباب سنويًا فى تجهيز اللحوم وتعبئتها وتوزيعها دون مقابل، إلى جانب عدد محدود من العمالة الأساسية التى تتولى الجوانب الفنية والتنظيمية مثل النقل والحفظ والتنظيف والإشراف اللوجستي.
كما أن روح التطوع ما زالت حاضرة بقوة داخل العمل الأهلي، خاصة فى المواسم الدينية، موضحًا أن كثيرًا من الشباب يعتبرون المشاركة فى توزيع اللحوم جزءًا من أجواء العيد والعمل الإنساني.
ويؤكد «ناصف» أن هناك تعاونًا مستمرًا مع عدد من الكيانات الخيرية الكبيرة، سواء من خلال استقبال لحوم وصكوك للتوزيع أو تنفيذ عمليات مشتركة داخل بعض المناطق، مشيرًا إلى أن هذا التعاون يتم وفق إجراءات رسمية واضحة تشمل عقود شراكة وآليات رقابة وتقارير توضح حجم التوزيع وعدد المستفيدين.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الجمعيات الأهلية أصبحت تلعب دورًا مهمًا فى تخفيف العبء عن الأسر البسيطة خلال موسم العيد، خاصة فى المدن الكبرى مثل القاهرة، التى يصعب فيها أحيانًا الوصول إلى كل المحتاجين بشكل فردى أو عشوائي.
مشروع صكوك الأضاحي
فى هذا السياق، يقول اللواء ممدوح شعبان، مدير عام جمعية الأورمان، إن الجمعية أنهت استعداداتها لتنفيذ مشروع صكوك الأضاحى لهذا العام، حيث ستبدأ أعمال الذبح مباشرة عقب صلاة عيد الأضحى المبارك، وتستمر حتى عصر آخر أيام التشريق، داخل المجازر المعتمدة التابعة لوزارة الزراعة والمنتشرة بمختلف المحافظات، وذلك وفق الضوابط الشرعية والبيطرية المعتمدة لضمان سلامة اللحوم وجودتها قبل توزيعها على الأسر الأولى بالرعاية.
ويضيف أن الجمعية تستهدف هذا العام توسيع نطاق المستفيدين من لحوم الأضاحي، خاصة داخل القرى الأكثر احتياجًا والمناطق النائية والأسر غير القادرة التى يصعب الوصول إليها بوسائل التوزيع التقليدية، مؤكدًا أن الهدف الأساسى من مشروع الصكوك لا يقتصر فقط على تنفيذ شعيرة الأضحية، وإنما يمتد لضمان وصول اللحوم بشكل منظم وعادل إلى الفئات الأكثر احتياجًا بمختلف أنحاء الجمهورية.
ويؤكد أن الأورمان تعتمد على قواعد بيانات دقيقة للأسر الأولى بالرعاية، يتم تحديثها بشكل مستمر من خلال أبحاث ميدانية ودراسات اجتماعية للتأكد من أحقية المستفيدين، لافتًا إلى أن هذا النظام ساعد على تقليل العشوائية وضمان وصول الدعم لمن يستحقه فعلًا.
وتبدأ فرق العمل التابعة للجمعية، قبل العيد بفترة، فى تجهيز أماكن الحفظ والتبريد وخطط النقل والتوزيع، نظرًا لضخامة حجم اللحوم التى يتم التعامل معها خلال أيام العيد.
ويلفت «شعبان» إلى أن الأورمان تتعامل سنويًا مع آلاف المستفيدين داخل مختلف المحافظات، وهو ما يتطلب تنسيقًا كبيرًا بين فرق الذبح والنقل والمتطوعين والجمعيات الشريكة.
ويشدد مدير عام جمعية الأورمان على أن التعاون مع الجمعيات الأهلية الصغيرة يمثل عنصرًا أساسيًا فى نجاح منظومة التوزيع، لأنها تمتلك معرفة مباشرة بالأسر الأكثر احتياجًا داخل القرى والمناطق الشعبية، ما يساعد على سرعة الوصول للمستحقين وتفادى تكرار التوزيع أو حرمان بعض الأسر.
ويشير «شعبان» إلى أن الجمعية تحرص كذلك على توصيل اللحوم إلى منازل عدد كبير من الحالات الإنسانية وكبار السن وذوى الاحتياجات الخاصة، خاصة فى القرى البعيدة، بهدف تخفيف الأعباء عنهم وإدخال الفرحة عليهم خلال أيام العيد.
تحدٍ كبير للجمعيات والأهالي
يوضح أحمد الأزهري، أحد المتطوعين القدامى فى العمل الخيرى وتوزيع لحوم الأضاحى بالقاهرة، أن مواسم عيد الأضحى أصبحت تمثل تحديًا كبيرًا للجمعيات والأهالى فى الوقت نفسه، إلى جانب ارتفاع تكاليف الذبح والنقل والتخزين، مؤكدًا أن العمل لم يعد يقتصر على مجرد توزيع لحوم، بل تحول إلى منظومة كاملة تحتاج إلى تنظيم دقيق وخبرة ميدانية واسعة.
ويلفت إلى أن كثيرًا من المواطنين ما زالوا يفضلون توزيع اللحوم بأنفسهم، لأنهم يعتبرون الأمر جزءًا من روح العيد والعلاقة الإنسانية المباشرة مع الناس، خاصة داخل المناطق الشعبية التى تربط سكانها علاقات اجتماعية قوية، مشيرًا إلى أن بعض الأسر ترى أن تسليم الأضحية بالكامل للجمعيات يفقدها هذا الشعور الإنسانى المرتبط بالشعيرة.