رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عرفات.. بركات ونفحات


26-5-2026 | 12:46

.

طباعة
بقلـم: د. إلهام شاهين

 

بعد عام من الركض والسعى فى الدنيا.. يأتى يوم عرفات ليقول لنا توقفوا عندى يومًا فى العام كله، استريحوا من العناء، وانعموا باستجابة الدعاء، وتخلصوا من الهموم والذنوب والعثرات، وانهلوا من الرحمات والنفحات والبركات. ابدأ بثوب جديد نظيف علاقتك بالله وبقلب ونفس صافية مع الناس، وادعُ لأهلك وأولادك وأمتك... وأغلق أبواب الدنيا ساعات، لتفتح لك فيما يأتى أبواب السماء.

يوم عرفات ليس يومًا عاديًّا فى أيام العام، بل هو يوم عظيم مشهود، يوم اختصه الله بالخيرات، حتى أقسم به فى كتابه الكريم، والعظيم لا يُقسم إلا بعظيم، قال تعالى: «والشفع والوتر»، وقد قال ابن عباس رضى الله عنهما: الوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر.

 

يكفى هذا اليوم شرفًا أن بعض أهل العلم قالوا: إنه «اليوم المشهود» المذكور فى سورة البروج، فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة».

ثم قال صلى الله عليه وسلم عن يوم عرفة: «ولا طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له».

أى قلبٍ لا يتحرك شوقًا ليوم هذه منزلته؟ وأى روح لا تشتاق إلى ساعات تُفتح فيها أبواب السماء بهذا الكرم الإلهى العظيم؟

ومن نفحات يوم عرفة أنه نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم آية تعلن كمال هذا الدين وتمام هذه النعمة: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإِسلام دينًا».

فكان يوم عرفة يوم اكتمال الرسالة، ويوم تمام الرحمة، ويوم إعلان المنهج الذى يصلح الدنيا والآخرة.

وهو كذلك يوم الميثاق الأول.. اليوم الذى أخذ الله فيه العهد على ذرية آدم كلها بالتوحيد والإيمان، قال تعالى: «ألست بربكم قالوا بلى»، وكأن يوم عرفة يأتى كل عام ليُذكِّر الإنسان بالعهد القديم الذى بينه وبين الله.. أن يعرف ربه، وأن يعود إليه مهما ابتعد، وأن يطرق باب رحمته مهما أثقلته الذنوب.

ومن أعظم بركات يوم عرفات أن الله سبحانه يباهى بأهل عرفة ملائكته، ويقول: «انظروا إلى عبادى هؤلاء، جاءونى شعثًا غبرًا».

وفى الحديث الآخر: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة».

يا لها من بركة، يوم تُعتق فيه الرقاب، وتُغسل فيه القلوب، وتُمحى فيه الذنوب، وتُرفع فيه الدعوات, ولذلك كان أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وكان أفضل الذكر فيه: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له».

إنه يوم يعلّمنا أن العودة إلى الله ليست معقدة ولا صعبة بل سهلة ميسرة.. تكفيك دمعة صادقة، واستغفار من القلب، ودعوة فى جوف الرجاء، قد تغيّر حياتك كلها.

ولعل من أجمل معانى الرحمة فى هذا اليوم أن الله لم يحرم غير الحجاج من بركاته، بل فتح الباب لكل قلب صادق، ولكل روح متعلقة بالله، حتى لو حالت الأعذار بينه وبين الوقوف بعرفة.

قال النبى صلى الله عليه وسلم بعدما رجع من غزوة تبوك: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر».

فكم من إنسان لم يقف بعرفة ببدنه، لكنه وقف بقلبه.. وكم من روح حلّقت إلى الله بالدعاء والصدق والدموع، فسبقت ركاب السائرين.

وقد عبّر الشاعر عن هذا المعنى الجميل، فقال: يا سائرين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسومًا وسرنا نحن أرواحًا. إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا ومَن أقام على عذر كمَن راحا.

وربما سبق بعض مَن سار بقلبه وعزمه كثيرًا ممن سار بقدميه؛ فالعبرة ليست بحركة الأجساد فقط، وإنما بحياة القلوب وصدق التوجه إلى الله. فاجعل يوم عرفات مختلفًا هذا العام.. أكثر فيه من الدعاء.. وأكثر من الذكر والاستغفار.. وصُم يوم عرفة إن لم تكن حاجًا.

خفف تعلقك بالهاتف قليلًا.. اجلس مع نفسك جلسة صدق.. اكتب أمنياتك بين يدى الله.

ادعُ لمَن تحب، ولمَن أساء إليك، ولأمتك المثقلة بالجراح.

فرب دعوة فى يوم عرفة تغيّر عمرك كله.. ورب دمعة صادقة تمحو سنوات من القسوة والغفلة.. ورب لحظة إخلاص تكون بداية طريق جديد مع الله.

إن يوم عرفة ليس مجرد يوم فى التقويم، بل محطة إيمانية عظيمة، يفتح الله فيها أبواب رحمته لعباده، ويناديهم أن يعودوا إليه.. فطوبى لمَن اغتنم النفحات، وربح البركات، وعاد من عرفات بقلبٍ أقرب إلى الله.

 
 
 
    كلمات البحث
  • يوم
  • عرفات
  • الدعاء
  • الشفع
  • يوم النحر

أخبار الساعة

الاكثر قراءة