رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الحج المبرور.. حين تتحول المناسك إلى ميلاد جديد للروح


26-5-2026 | 12:45

.

طباعة
تقرير: أميرة صلاح

مع دخول موسم الحج من كل عام، تعيش قلوب المسلمين حالة خاصة من الشوق والحنين إلى الأراضى المقدسة، حيث تتجه الأنظار إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة التى تحتضن ملايين الحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم، فى واحدة من أعظم صور التجمع الإنسانى والإيمانى على وجه الأرض. هناك، تتوحد الألسنة بالتلبية، وتتجرد الأرواح من أثقال الدنيا وهمومها، ويقف الجميع فى مشهد مهيب لا فرق فيه بين غنى وفقير، أو صاحب منصب وإنسان بسيط، فالجميع يرتدون لباسًا واحدًا ويقفون على أرض واحدة، يرجون رحمة الله ومغفرته.

 
 

ولا يُنظر إلى الحج فى الإسلام باعتباره مجرد رحلة دينية أو أداء لمجموعة من المناسك والشعائر التى تنتهى بانتهاء أيامها، بل يُعد رحلة إيمانية وروحية متكاملة تحمل فى طياتها معانى عظيمة تتعلق بالإخلاص والطاعة والصبر والتجرد الكامل لله سبحانه وتعالى، فمنذ لحظة الإحرام، يبدأ الحاج رحلة مختلفة يتخلى فيها عن كثير من مظاهر الحياة المعتادة، ليدخل فى حالة من الصفاء الروحى والخشوع، مستشعرًا أنه انتقل من عالم الانشغال بالدنيا إلى عالم آخر تغلب عليه الروحانية والتقرب إلى الله.

تظهر علامات الحج المبرور بوضوح على الحاج بعد عودته إلى وطنه، سواء فى قلبه أو عبادته أو أخلاقه أو معاملاته مع الناس، كما يقول الدكتور على خليل الأمين العام لهيئة كبار العلماء، فالحج ليس مجرد أداء لمناسك وشعائر، وإنما رحلة إيمانية تنقل المسلم من حال إلى حال، ومن التقصير والمعصية إلى الطاعة والقرب إلى الله عز وجل.

ويضيف، أن من أهم علامات الحج المبرور أن تتغير أحوال المسلم إلى الأفضل، فيصبح أكثر محافظة على الصلاة والطاعات، وأكثر بعدًا عن الذنوب والمعاصى وكل ما يغضب الله سبحانه وتعالى، لافتًا إلى أن الاستقامة بعد الحج من أعظم دلائل قبول العمل، لأن الحاج الذى عاد كما كان قبل الحج دون تغيير حقيقى فى سلوكه يحتاج إلى مراجعة نفسه.

ويوضح «د. خليل» أن مراقبة الله تعالى تعد من أبرز الثمار الإيمانية للحج، إذ يعود الحاج وقلبه ممتلئًا بتعظيم أوامر الله واجتناب نواهيه، كما يصبح أكثر إحساسًا برقابة الله فى تصرفاته وكلامه ومعاملاته اليومية.

ويشير إلى أن شعيرة الحج تربى المسلم كذلك على حسن الخلق، فالحاج الحقيقى يظهر أثر الحج فى لسانه وتعاملاته، فيبتعد عن الغضب والخصومات والسباب وأذية الناس، ويتحلى بالصبر والرفق والحلم، خاصة أن رحلة الحج نفسها تعلم الإنسان الصبر وتحمل المشقة والزحام والتعامل مع الآخرين بأخلاق طيبة.

ويؤكد «د. خليل» أن من علامات الحج المبرور أيضًا الزهد فى المعاصي، حيث يكره الإنسان الذنوب التى كان يقع فيها قبل الحج، ويجاهد نفسه حتى لا يعود إليها مرة أخرى، موضحًا أن الحج يفتح صفحة جديدة فى حياة المسلم تدفعه إلى التوبة الصادقة والتمسك بالطاعات.

ويوضح أن التواضع من الثمار المهمة التى يغرسها الحج فى النفس، لأن المسلم يرى فى المشاعر المقدسة الناس جميعًا بلباس واحد، لا فرق بين غنى وفقير أو صاحب منصب وشخص بسيط، فيتعلم معنى المساواة الحقيقية ويتخلص من الكبر والتعالى على الآخرين.

سلامة القلب

يلفت إلى أن الحاج بعد عودته يُقبل بصورة أكبر على أعمال الخير والطاعات، مثل قراءة القرآن، والذكر، والصدقة، وصلة الأرحام، وحضور مجالس العلم، والمحافظة على صلاة الجماعة، مشيرًا إلى أن هذه الأعمال تعد امتدادًا طبيعيًا للأجواء الإيمانية التى عاشها الحاج فى الأراضى المقدسة.

ويقول إن الحج مدرسة إيمانية وتربوية عظيمة يتعلم فيها المسلم دروسًا تبقى معه طوال العمر، وعلى رأسها تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى، موضحًا أن التلبية التى يرددها الحاج “لبيك اللهم لبيك” تغرس فى النفس معنى إخلاص العبادة لله وحده وترك الرياء والشرك.

ويضيف أن الحج يعلم المسلم كذلك التسليم والانقياد لأوامر الله، حتى وإن لم يدرك الحكمة الكاملة لبعض المناسك، لأن الأصل هو الامتثال والطاعة لله تعالى واتباع سنة النبى صلى الله عليه وسلم. والحاج خلال رحلته يحرص على الاقتداء بالنبى الكريم، تنفيذًا لقوله: «خذوا عنى مناسككم»، وهو ما يعزز فى النفس أهمية الاتباع والالتزام بالسنة النبوية فى كل أمور الحياة.

ترسيخ الانضباط والطاعة

من الدروس العظيمة التى يرسخها الحج أيضًا معنى الانضباط والطاعة، كما يوضح د. خليل، حيث يتعلم المسلم الالتزام بالمواقيت والأماكن والهيئات المحددة للمناسك، وهو ما ينعكس على سلوك الإنسان بعد الحج فى حياته اليومية.

ويشير إلى أن الحج يرسخ كذلك وحدة الأمة الإسلامية وروح الأخوة بين المسلمين، فالحاج يرى ملايين المسلمين من مختلف الجنسيات واللغات والألوان يجتمعون فى مكان واحد وعلى عبادة واحدة وقبلة واحدة، وهو ما يعمق معانى المحبة والتعاون والمساواة.

ويحذر من بعض الأمور التى قد تُضعف آثار الحج الإيمانية بعد العودة، وعلى رأسها الرجوع إلى المعاصى وترك الصلاة والانشغال بالدنيا والابتعاد عن الذكر والقرآن والطاعات، موضحًا أن بعض الناس يجتهدون فى العبادة أثناء الحج ثم يعودون سريعًا إلى التقصير والغفلة، وهو ما يؤثر على الثمار الإيمانية للحج.

كما يحذر من الرياء والمفاخرة بالحج وجعل هذه الفريضة وسيلة للمدح أو التفاخر بين الناس، مؤكدًا أن الإخلاص هو أساس قبول الأعمال، وأن الرياء قد يحرم الإنسان من بركة العبادة وأثرها الحقيقي.

ويلفت أيضًا إلى خطورة العودة لسوء الأخلاق بعد الحج، مثل الغضب والخصومات والسب وأذية الناس، لأن الحج فى الأصل يربى المسلم على تهذيب النفس وحسن التعامل مع الآخرين.

ويوضح أن من الأخطاء التى يقع فيها بعض الناس الاعتقاد بأن الحج يسقط جميع الذنوب والحقوق، مؤكدًا أن الحج يكفر الصغائر، أما الكبائر وحقوق العباد والمظالم فلا بد فيها من التوبة ورد الحقوق إلى أصحابها.

كما يتحدث الأمين العام لهيئة كبار العلماء، عن ضرورة الحفاظ على روحانية الحج وسط التطورات الحضارية والزحام الشديد، موضحًا أن العبرة ليست بالمظاهر أو الانبهار بالشكل العمراني، وإنما بحضور القلب مع الله سبحانه وتعالى.

ويلفت إلى أن من الوسائل المهمة للحفاظ على الخشوع أثناء الحج، تصحيح النية منذ بداية الرحلة، بحيث يكون الهدف هو مرضاة الله وحده، بعيدًا عن نية التفاخر أو التصوير أو الانشغال بالمظاهر.

ويختتم الدكتور على خليل تصريحاته بالتأكيد على أن الحج الحقيقى هو الذى يترك أثرًا دائمًا فى حياة المسلم، فيجعله أكثر طاعة لله، وأحسن خلقًا، وأصدق مع الناس، وأكثر حرصًا على الاستقامة والالتزام بشرع الله بعد العودة من الأراضى المقدسة.

منافع عظيمة

من جانبه، يقول الدكتور عطية لاشين عضو لجنة الفتوى أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، إن الإسلام تأسس على دعائم عظام وأركان جسام لا يتحقق الإسلام إلا بوجودها، ومنها فريضة الحج وشروط وجوبه على المسلم بالإضافة إلى شروط أخرى أن يكون له مستطيعا ولأعبائه المالية مطيقا. وسئل الرسول () عن السبيل ففسره بأنه الزاد والراحلة وبتعبير عصرى أن يملك ثمن تذكرة السفر ذهابا وإيابا وأن يملك نفقات إقامته هناك كل ذلك فضلا عما يحتاجه بيته من وقت ذهابه إلى وقت رجوعه.

ويضيف أن العبادات فى الإسلام إما عبادات بدنية محضة كالصلاة والصيام أو عبادات مالية محضة كالزكاة أو عبادات جمعت بين الوصفين أى عبادات مالية وبدنية وهذا لا يصدق إلا على الحج وهنا تكمن مكانة فريضة الحج فى الإسلام.

ويوضح عضو لجنة الفتوى، أن للحج منافع عظيمة وفوائد جسيمة، قال الله سبحانه بشأنها: (ليشهدوا منافع لهم). ومن الدروس التى يتعلمها المسلم من رحلة الحج أن يتعلم الإيثار، أن يؤثر غيره على نفسه لأن مقتضيات الرحلة تستوجب ذلك. أن يتعلم عدم المراء والجدال وأن يتركه ولو كان على حق، لقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج).

ويلفت إلى أن فريضة الحج تسهم بدور بارز وبنصيب الأسد فى تهذيب نفس الحاج، حيث إنه يهذبها ويروضها ويعودها السلوك القويم والسير على المنهج المستقيم لأنه بلباس الإزار والرداء يذكره باليوم العظيم الذى يقوم الناس فيه لرب العالمين وهو يوم الفزع الأكبر للعرض على الله بعد أن وقف بساحة عرفات التى تذكره بساحة أرض المحشر يوم القيامة ومن ثم كان ذلك مانعا له من الاتصاف بكل رذيلة ويوجب عليه أن يتصف بكل فضيلة وأن يعيش حياته راضيا مرضيا.

رسائل مشهد عرفات

عن الرسائل التى يحملها مشهد عرفات، يوضح «د. لاشين»، أنها رسائل متعددة ومتنوعة منها أن الخلق جميعا بين يدى الله متساوون لا فضل لأحدهم على غيره ولا تمايز ولا تميز لجنس على آخر مهما اختلفت الجنسيات وتعددت القوميات لا فضل لهؤلاء إلا بالتقوى والعمل الصالح كما قال ربنا (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وكما أخبر بذلك سيد الخلق سيدنا محمد (): (لا فضل لأبيض ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح).

كما أن المناصب والألقاب والجاه والمال والولد والزوجة كل ذلك لا ينفع صاحبه إنما الذى ينفعه (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره)، وغير ذلك من الرسائل العظيمة التى يحملها الوقوف بأرض عرفات.

وينوه أنه يمكن للحاج أن يحافظ على الثمرات والنتائج الإيجابية التى عادت عليه من هذه الرحلة المباركة، بأن يتذكر هذه المشاهد التى شاهدها فى رحلته وأن يستحضر فى كل لحظة هذه المناسك التى أداها وأن لا يغيب ذلك عن باله بالمرة، فإذا ظل الشخص مستحضراً هذه اللحظات، عاش بقية عمره وكأنه فى أرض المناسك وعرفات فكان حرياً به أن يستمسك بهذه الثمرات وألا تغيب عنه ما دام فيه نفس ينبض بالحياة.

من جانبه، يؤكد الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الحج ليس مجرد انتقال إلى مكان مقدس أو أداء لمجموعة من المناسك والشعائر، وإنما هو رحلة إيمانية متكاملة يتجرد فيها الإنسان من مشاغل الدنيا وزينتها، ليقف بين يدى الله خاضعًا متضرعًا، مستشعرًا معانى العبودية والطاعة الكاملة لله سبحانه وتعالى. هذه الرحلة المباركة تُعد مدرسة تربوية وإيمانية يتعلم فيها المسلم الصبر وتحمل المشقة والانضباط واحترام النظام، فضلًا عن تعميق معانى الإخلاص والتقوى.

ويبيّن أن الوقوف بعرفات يُعد من أكثر المشاهد تأثيرًا فى نفس الإنسان، لأنه يذكره بيوم الحشر والوقوف بين يدى الله سبحانه وتعالى، فيشعر الحاج بحقيقة الدنيا وزوالها، ويُراجع نفسه وأعماله، ويتجه بقلبه إلى التوبة الصادقة وطلب المغفرة، مؤكدًا أن كثيرًا من الحجاج يعودون من هذه الرحلة وقد تغيرت نظرتهم للحياة وأصبحوا أكثر قربًا من الله وأكثر حرصًا على الطاعة والعبادة.

أخبار الساعة