جرت وقائع الزيارة الأسبوع الماضى، وجاءت فى توقيت بالغ الحساسية والتأزم بين حكومة بريطانيا وإدارة الرئيس دونالد ترامب، الأزمة عميقة، وصلت إلى حد امتناع بريطانيا عن مشاركة الولايات المتحدة فى الحرب على إيران، والواضح أن الإدارة الأمريكية لم تتوقع هذا الموقف من الحكومة البريطانية، جرت العادة أن تكون الحكومة مع الإدارة فى حروب من هذا النوع، كما كان سنة 2003 بين الرئيس بوش الابن «جمهورى» ورئيس الوزراء البريطاني تونى بلير، اشتركا معا، خطوة بخطوة، وكذا الحال فى أفغانستان، لكن هذه المرة اختلف الموقف، رأت الحكومة البريطانية أن هذه الحرب مع إيران كان ممكنًا تجنبها، وأنه لم يكن هناك مبرر قوى يبرر للرئيس الأمريكى خوض تلك الحرب، وأعقبها تهديد ترامب بالانسحاب نهائيا من «حلف الناتو» بعيدا عن أوروبا القارة العجوز، وتم تبادل تصريحات فيها غمز ولمز بالكلمات بين رئيس الحكومة البريطانية والرئيس الأمريكى، بعض الكلمات التى تم تبادلها تدخل فيما يسمى بالعامية المصرية «الردح».
تدنى وتراجع الخطاب السياسى إلى أقصى درجة، من قبل كان هناك في دنيا الأدب باب اسمه «الأدب السياسى» أو «أدب الخطابة»، وكانت العبارات الدبلوماسية تظهر رصينة، مغلفة بكلمات الاحترام والرقى.. وهناك مواقف كثيرة كشفت التصريحات عن ذكاء ولماحية شديدة، فضلا عن الرصانة لكن فى هذه الأزمة، خرج الخطاب السياسى عما هو مألوف ومعهود، خاصة من جانب الرئيس دونالد ترامب، راجع مثلا كلماته عن الرئيس الفرنسى ماكرون وزوجته وعن رئيس وزراء بريطانيا.
هنا يتدخل ملك بريطانيا، وهو معروف منذ أن كان وليًا للعهد بالثقافة العميقة ليحاول ضبط الأمور وتذكير الجميع، خاصة الرئيس الأمريكى وداخل الولايات المتحدة، بما هو عميق ومشترك بين البلدين.
كان الرئيس ترامب قبل فترة قصيرة تحدث مهاجمًا دول الاتحاد الأوروبى وتندر بأنه لولا الولايات المتحدة فى الحرب العالمية الثانية ربما كانت أوروبا تتحدث الألمانية الآن، فى إشارة خاصة إلى أنه لولا تدخل الولايات المتحدة فى المعركة لانتصر هتلر عليهم وفرض اللغة الألمانية على القارة الأوروبية، الملك البريطانى بلماحية شديدة اعتبرها مزحة من الرئيس، ورد عليها بقول مقابل، طبقا لنفس المنطق أنه لولا بريطانيا ربما كانت الولايات المتحدة تتحدث الفرنسية، فى إشارة إلى دور «بريطانيا العظمى» فى استقلال الولايات المتحدة وحماية عدد من ولاياتها من السيطرة الفرنسية، حين كانت الولايات المتحدة قيد التشكل.
قالها ليس بمنطق المعايرة ولا المن، بل بمنطق أن التاريخ مراحل وأدوارا، وأنهما معا شريكان ومتواصلان.
وإذا كانت بريطانيا «تخلت» عن الولايات المتحدة فى هذه الحرب، فقد أشار الملك بذكاء إلى سنة 1957، الفترة التى أعقبت العدوان الثلاثى على مصر، الذى بدأته وقادته بريطانيا فى أكتوبر سنة 1956، وكانت الولايات المتحدة بعيدة عنهم، بل اتخذت موقفا مضادا لهم، لصالح الموقف المصرى، ربما أراد الملك التذكير بأنها الحياة واختلاف المصالح والأدوار بالنسبة لكل دولة وربما على طريقة «لا تعايرنى ولا أعايرك..»، لكن اختيار لحظة السويس قد تحمل إيحاء عميقا بأن هذه اللحظة بالنسبة للولايات المتحدة مثل لحظة السويس سنة 1956 عند بريطانيا لحظة الانكشاف والانسحاب والتراجع..
وفى لفتة عميقة، أكد الملك تشارلز سعادته واعتزازه أن واشنطن العاصمة الأمريكية، هى المدينة الأولى فى العالم، من حيث امتلاك أكبر عدد من طبعات أعمال وليم شكسبير، جوهرة الإبداع البريطانى والإنسانى.
المهم فى ذلك كله أن حديث الملك وجد استقبالاً جيدًا وأذنا مُصغية، حتى من الرئيس ترامب نفسه ومن الكونجرس، المعنى أن الرسالة استُقبلت جيدًا وفهم ما يعنيه ويريد الملك أن ينقله إليهم وهو بينهم.
ملك بريطانيا «يملك ولا يحكم» أى لا يحق له التدخل المباشر فى شئون السياسة وأعمال الحكومة، ذلك ليس من اختصاصه لكن هو معنى بما يخص القيم العليا، هو مسئول عما يسمى «التاج البريطانى».
توقف الملك عند اللغة المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة وهى «اللغة الإنجليزية»، كما توقف عند الاحتفاء الأمريكى، احتفاء واشنطن العاصمة تحديدا بأعمال وليم شكسبير الكاتب المسرحى الأعظم فى بريطانيا ويمكن القول فى العالم كله.
حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت المستعمرات البريطانية تتجاوز نصف الكرة الأرضية تقريبا، واستقلت المستعمرات، وتركت هى معظمها، فلم تعد قادرة ماليًا ولا عسكريًا على إدارة هذه المناطق كلها، اختفى الاستعمار البريطانى، استقلت الهند، التى كانت تسمى جوهرة التاج البريطانى، استقلت مصر، وخرجت بريطانيا من السويس وفقدت إدارة القناة، لكن بقيت لها اللغة الإنجليزية، لغة العلم والثقافة الأولى فى العالم، وبقى لديها رموز كبار فى مقدمتهم وليم شكسبير صاحب هاملت وعقيل، وغيرها من الأعمال العظيمة والكبرى.
حديث الملك وإشاراته الواضحة إلى اللغة والأدب الرفيع، يحتاج منا نحن هنا فى مصر وفى العالم العربى كله إلى أن نتذكره جيدا ونذكر أنفسنا به.
اللغة العربية توجد فى منطقة جغرافية متصلة من المغرب وحتى الخليج العربى، يتكلم بها أكثر من 515 مليون نسمة، يزيدون عن النصف مليار فضلا عن المتحدثين بها فى مناطق أخرى من العالم.. اللغة تخلق آليات التفكير وربما الأحاسيس والمشاهد، وإذا كانت اللغة جامعة، فالمهم أن نتعامل معها بهذا المنطق، لأن اللغة العربية فى وقت ما، حين اتسع نطاق الهجاء بين القبائل العربية قبل الإسلام، ثم فى الخلافات بعد ذلك تحولت فى بعض الفترات إلى عامل من عوامل الشجار والتنابز، وحاليا طبقا لما يحدث فى عالم السوشيال ميديا، يحول البعض اللغة العربية إلى مادة للتنابز والتباغض، ومحاولة إثارة النفور والكراهية بين شعوب وبلدان المنطقة.
وحين نتابع أسماء فى تاريخ الأدب والفكر العربى قديما وحديثا، فلدينا رموز كبار صاروا رموزًا للعرب جميعًا أو معظمهم على الأقل.
لا أحد يسأل أين وُلد الجاحظ أو المتنبى أو ابن خلدون وعشرات الأسماء وصولاً إلى المعاصرين، إذا ذهبت إلى أى جامعة عربية في أي بلد عربى سوف تجد طلابها يدرسون مقدمة ابن خلدون وأشعار المتنبى والمعرى والبارودى وشوقى وروايات نجيب محفوظ ويستمعون إلى أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش وغيرهم وغيرهم.
المشكلة فى العالم العربى أن السوشيال ميديا بدأت تحاول السيطرة على الوعى العام، وتنشر البغضاء والكراهية والجهالة أيضا.
أما على المستوى الداخلى، فمن الضرورى أن يكون لدينا وعى تام بما نمتلكه من قمم ورموز ثقافية وأدبية، أسماء كبار مثل رفاعة الطهطاوى وقاسم أمين ومحمد عبده وطه حسين وأحمد شوقى وحافظ إبراهيم والعقاد ونجيب محفوظ وسهير القلماوى وغيرهم، يجب أن يكونوا موضع احتفاء دائم، بإتاحة أعمالهم والحرص على ما يمثله كل منهم، ذلك أن هناك بعض الشبان الجدد الذين تكونوا في دنيا السوشيال ميديا، يتصورون أن صعودهم لن يتأتى دون الحط من قدر هذا والسخرية من ذاك.. تأمل – مثلا- ما حدث مع كوكب الشرق أم كلثوم نهاية العام الماضى، فى الفيلم الذى صدر عنها.
ليس معنى هذا أننا نطلب حصانة ولا قداسة لأى رمز ونرفض أى انتقاد أو نقاش حوله.. اتفاقا واختلافا، لكن الجدل والنقد شيء ومسألة الحط والازدراء بدور وعطاء أحد أمر مستنكر ويجب أن يكون مرفوضًا.
فى أمور السياسة وأعمال الحكومات وارد الاختلاف والتباين، وإن شئنا الدقة ليس واردًا أن يكون هناك تطابق فى الرؤى السياسية بين الحكومات، حتى داخل نفس البلد، ذلك أن الظرف الدولى والاقتصادى فضلاً عن المزاج العام يوجه أو يمكن أن يحدد موقفا بعينه تتخذه الحكومة، ثم يتغير الموقف بالنسبة لحكومة تالية.. أما فيما بين حكومات البلدان المتجاورة والشقيقة فإن الموقع الجغرافى يحدد المواقف، مثلا دول المواجهة مع إسرائيل تحملت عبئًا لم تتحمله الدول البعيدة جغرافيا، وإن تشاركت فى نفس الهمّ والموقف الفكرى والسياسى.
وفى الحرب الأخيرة التى شنتها إيران على دول الخليج والمملكة الأردنية، فإن هذه الدول تحملت العبء المباشر بحكم الموقع الجغرافى والاقتراب الشديد جغرافيا من الدولة المعتدية.
إذا كانت العوامل والظروف السياسية وتقلباتها تفتح بابًا للاختلاف، فإن واجب الميراث الأدبى والفكرى، بدءا باللغة، أن تقوم بترشيد ذلك الاختلاف وعقلنته.. باختصار «القوة الناعمة» تخاطب الوجدان والضمير والعقل، وتبتعد قدر الإمكان عما هو لحظى ومباشر، اللحظى غالبا يكون متقلبا ومتغيرًا، وقد يبعث على التوتر والقلق، من هنا لا بد من الحضور الثقافى والأدبى دائمًا.
القيمة الأدبية والثقافية، تجعل الخلاف أو التضارب فى تقدير موقف ما عابرًا، من السهل تجاوزه، فلا يتجذر ويتحول إلى كراهية وبغضاء.
في فترات سابقة وقعت خلافات عربية/ عربية عديدة، وصلت حد التشاتم السياسى فى بعض الحالات، لكن كل هذا كان يذوب بسرعة، تجرفه الثوابت العربية، كان صوت القوة الناعمة عالميا وعميقاً.. هنا وهناك.. حين فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل فى الأدب سنة 1988 سعد العرب جميعا بهذا الفوز، لأنه فوز للأدب وللثقافة العربية، قبل أن يكون لنجيب محفوظ، حدث هذا رغم أن العلاقات السياسية بين مصر وعدد من الدول العربية لم تكمن فى أفضل حالاتها، على خلفية توقيع معاهدة السلام.
مشكلة القوة الناعمة المصرية والعربية عموما أنها تراجعت فى السنوات الأخيرة أمام السوشيال ميديا أو ما يسمى الإعلام الجديد، الذى يقوم على التسطيح الشديد والابتسار، وغياب المعلومة لصالح الشائعة والظن والتخمين، وتراجع الأفكار الجادة أمام الانطباعات الساذجة حيننا والشريرة حينا آخر، فضلا عن أنها عرضة للاختراق من المغرضين، سواء كانوا ميليشيات الداخل أو أعداء الخارج.
بلا حرج تراجع الإعلام التقليدى أمام جحافل السوشيال ميديا، والمشكلة أن بعض القائمين على هذا الإعلام راحوا يجارون السوشيال فيما تقوم به.. وبتنا أمام ظاهرة خطيرة وهى أن السوشيال تقود وعى الناس وتتحكم فى الشارع، هذا خطر شديد على استقرار المجتمعات وتماسك الدول الوطنية.
السوشيال تنحاز إلى الطائفية البغيضة ضد التماسك المجتمعى والوطنى، وتعلى من شأن الجماعة على حساب العلم والمنطق.. وتقود نزعات فئوية تدمر الترابط القومى والعربى كله.. علينا أن نعود إلى الرموز والشخصيات الجامعة، محمد عبده مفتى الديار المصرية دوره فى تونس وفى الجزائر وفى لبنان لا يقل عن دوره فى مصر.. وكذا طه حسين عميد الأدب العربى.
منذ حوالى عشرين عاماً كانت هناك فكرة لعقد قمة عربية ثقافية تتبناها جامعة الدول العربية، صحيح أن لدينا المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم تابعة لجامعة الدول، لكن بات ضروريا الاهتمام بشكل موسع، بالملف الثقافى والأدبى العربى.
كلمات ملك بريطانيا فى زيارته للولايات المتحدة تحتاج منا أن نستوعبها جيدًا، لندرك أنه رغم الخلاف السياسى الحاد والعميق بين بريطانيا والولايات المتحدة، لم ينزل أى طرف إلى عالم السوشيال ميديا، بل هناك صوت عقلانى ورشيد يصيح بالجميع أن توقفوا.. تريثوا ولنعُد إلى ما هو مشترك وعميق.. اللغة والأدب والثقافة.