كما قام البنك المركزى خلال عام 2025 بشراء نحو 2.4 طن من الذهب (نحو 79.6 ألف أونصة)، فى إطار سياسة تعزيز الأصول الاستراتيجية وتنويع مكونات الاحتياطى.
وتتركز أغلب مناجم احتياطيات الذهب المصرية فى الصحراء الشرقية الممتدة من البحر الأحمر حتى وادى النيل، وهى منطقة غنية جيولوجيًا، تضم أكثر من 120 موقعًا معروفًا منذ العصور الفرعونية، ما يعكس استمرارية النشاط التعدينى عبر آلاف السنين، وتشير التقديرات الحديثة إلى أن مصر تمتلك فرصًا كبيرة لزيادة إنتاجها من الذهب، إذا ما تم استغلال هذه الموارد وفق أسس علمية واستثمارية متطورة، خاصة مع دخول شركات دولية ومحلية فى عمليات البحث والاستكشاف خلال السنوات الأخيرة.
واقتصاديًا يلعب الذهب دورًا مهمًا فى دعم الاحتياطى النقدى وتعزيز مصادر الدخل القومى، حيث تسعى الدولة إلى تعظيم الاستفادة من هذا المورد عبر تطوير قطاع التعدين وزيادة مساهمته فى الناتج المحلى الإجمالى، وشهدت السياسات الحكومية تحولًا ملحوظًا منذ إصدار القانون رقم 145 لسنة 2019 بتعديل بعض أحكام قانون الثروة المعدنية، الذى استهدف تحسين بيئة الاستثمار التعدينى من خلال تبسيط الإجراءات وتحديث نظم التعاقد بما يتماشى مع المعايير الدولية، ونتيجة لذلك تم طرح مزايدات عالمية للبحث عن الذهب وجذب شركات كبرى، تمتلك خبرات فنية وتقنية متقدمة، ما يعزز فرص الاكتشافات الجديدة وزيادة الإنتاج.
تمرّ عمليات التنقيب الرسمية عن الذهب فى مصر بعدة مراحل منظمة، تبدأ بالحصول على ترخيص من الجهات المختصة، وعلى رأسها الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية، حيث يتعين على الشركات أو الأفراد تقديم طلبات تتضمن دراسات أولية عن المنطقة المستهدفة، تلى ذلك مرحلة البحث والاستكشاف التى تعتمد على الدراسات الجيولوجية والمسح الجيوفيزيائى وتحليل العينات لتحديد مواقع التمعدن، وإذا أثبتت النتائج وجود كميات اقتصادية من الذهب؛ يتم الانتقال إلى مرحلة التقييم التى تشمل إعداد دراسات جدوى فنية ومالية مفصلة، وبعد اعتماد هذه الدراسات تُمنح رخصة الاستغلال التى تتيح بدء عمليات الاستخراج الفعلى وفق ضوابط بيئية وفنية صارمة، مع التزام المستثمر بسداد الضرائب المقررة للدولة.
ورغم هذا الإطار التنظيمى الواضح، لا تزال ظاهرة التنقيب العشوائى عن الذهب تمثل تحديًا كبيرًا أمام الدولة، حيث يلجأ بعض الأفراد إلى العمل خارج المنظومة القانونية؛ بحثًا عن مكاسب سريعة، ويُعد هذا النوع من التنقيب جريمة قانونية؛ إذ تنص المادة (42) من القانون المشار إليه، على عقوبات صارمة، تشمل الحبس لمدة لا تقل عن سنة وغرامات تصل إلى 5 ملايين جنيه مع تشديد العقوبة فى حالة التكرار، ويعكس هذا التشدد إدراك الدولة لحجم الخسائر الاقتصادية الناتجة عن هذه الممارسات، حيث يتم استخراج الخام بطرق بدائية تؤدى إلى إهدار جزء كبير من الذهب، فضلًا عن غياب أى عائد مالى للدولة.
ولا تقتصر مخاطر التنقيب العشوائى على الجانب الاقتصادى فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا أمنية واجتماعية بالغة الخطورة، لا سيما فى المناطق الجبلية النائية التى تعانى من ضعف الرقابة، وقد كشفت بعض الوقائع مثلما عُرف إعلاميًا بـ«معركة سفاجا» عن إمكانية تحول التنافس على مناطق الذهب إلى صراعات دامية تهدد حياة المواطنين وتؤدى إلى نشوء بؤر خارجة عن السيطرة، وإلى جانب ذلك يسهم استخدام معدات بدائية ومواد كيميائية بطرق غير آمنة فى إحداث أضرار بيئية جسيمة، من بينها تلوث التربة والمياه، الأمر الذى يزيد من تعقيد وتكلفة معالجتها مستقبلاً.
وفى ضوء هذه التحديات، تبنت الدولة المصرية نهجًا متكاملاً لمواجهة فوضى التنقيب، يجمع بين الحسم الأمنى والإصلاح الاقتصادى، فقد كثفت الأجهزة الأمنية حملاتها لضبط المخالفين، كما حدث مؤخرًا فى مناطق الذهب بالصحراء الشرقية، بالتزامن مع جهود لتقنين الأوضاع وتوفير بدائل قانونية للعاملين فى هذا النشاط، وتشمل هذه الجهود دراسة إنشاء مناطق مخصصة للتعدين الأهلى تحت إشراف الدولة، بما يسمح بدمج صغار المنقبين فى الاقتصاد الرسمى مع تقديم الدعم الفنى والتدريب، لضمان استخدام تقنيات أكثر كفاءة وأقل ضررًا.
ولا شكّ أن تنظيم قطاع الذهب يمثل فرصة كبيرة لتعزيز الإيرادات العامة، سواء من خلال الإتاوات أو الضرائب أو عوائد التصدير، خاصة فى ظل ارتفاع الأسعار العالمية، كما أن استقرار البيئة الاستثمارية يسهم فى جذب المزيد من رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وهو ما ينعكس إيجابيًا على خلق فرص عمل وزيادة القيمة المضافة للقطاع. وفى المقابل، فإن استمرار التنقيب العشوائى يهدد هذه المكاسب؛ إذ يخلق حالة من عدم اليقين، ويضعف ثقة المستثمرين فى السوق.
وختامًا، ومن المؤكد أن قطاع الذهب فى مصر الآن عند نقطة تحول مهمة، حيث تتوافر الإمكانات الطبيعية والتشريعية التى تؤهّله ليكون أحد محركات النمو الاقتصادى خلال السنوات المقبلة، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استمرار الجهود لضبط السوق، وتفعيل القوانين وتعزيز الشفافية، إلى جانب رفع الوعى المجتمعى بمخاطر التنقيب غير المشروع، وإذا ما نجحت الدولة فى تحقيق هذا التوازن؛ فإن الذهب المصرى قد يتحول من مورد غير مستغل بالكامل إلى ركيزة أساسية للتنمية المستدامة ودعم الاقتصاد الوطنى.