لا يمر هدوء ما بعد صلاة الجمعة مروراً عادياً على الطرق الترابية الضيقة المؤدية إلى قرى خلوة الشيخ عثمان والشوبك بمدينة شبين القناطر بمحافظة القليوبية، فمع انتهاء الصلاة، يتحول السكون المعتاد إلى حركة لا تهدأ، جرارات زراعية محملة بحزم القمح تتهادى بين الحقول، عمال يحملون أجولة فارغة على أكتافهم، وأصوات ماكينات الحصاد تشق الهدوء الريفى فى سباق يومى مع الوقت.
على امتداد الحقول، تنحنى السنابل الذهبية معلنة نهاية رحلة طويلة بدأت قبل أشهر، حين ألقى الفلاح حبات التقاوى فى الأرض، ثم ظل يلاحق محصوله يوما بعد يوم بين الرى والتسميد ومواجهة تقلبات الطقس وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج.
هنا، يطلق المزارعون على موسم الحصاد «يوم الحساب»، فهو اللحظة التى يكتشف فيها الفلاح ما إذا كانت شهور التعب ستتحول إلى عائد يعوض نفقات الموسم، أم أن المحصول بالكاد سيغطى تكلفة الزراعة.
فى جولة ميدانية لـ«المصور»، بدأت من حقول خلوة الشيخ عثمان وقرية الشوبك، وانتهت داخل صومعة عرب العليقات بمركز الخانكة، رصدنا الرحلة الكاملة لحبة القمح، من لحظة تجهيز الأرض وزراعتها، مروراً بأيام الحصاد والدراس، وصولاً إلى الصوامع التى تستقبل المحصول لتأمين مخزون مصر من أحد أهم السلع الاستراتيجية، وبين الحقول والصوامع، تكشف حكايات الفلاحين والعمال عن موسم تختلط فيه مشاعر الفرح بالقلق، والتعب بالأمل.
داخل حقله فى خلوة الشيخ عثمان، كان محمد عبدالمنعم الشيمى يتحرك بين السنابل الذهبية التى انحنت استعداداً للحصاد، بينما انشغل عدد من العمال بجواره فى قطع السنابل يدوياً باستخدام المناجل، فى مشهد لا يزال يحتفظ بطابع الريف القديم رغم تغير كثير من تفاصيل الزراعة.
التقط «الشيمى»، إحدى السنابل بين يديه، وفرك حباتها بهدوء قبل أن يقول: «الناس بتشوف يوم الحصاد وتفتكر إن الموضوع بيبدأ هنا، لكن الحقيقة الرحلة بتبدأ من شهور طويلة جداً».
وأشار«الشيمى»، إلى الأرض الممتدة أمامه قائلاً: «أول ما بنخلص المحصول الصيفى، بنبدأ تجهيز الأرض للقمح، نحرثها أكتر من مرة، ونسويها كويس جداً، وبعدها نحدد ميعاد الزراعة المناسب، أكثر ما يشغل الفلاح فى بداية “الموسم” هو اختيار نوع التقاوى.. التقاوى دى أساس كل حاجة، ولو اختارت غلط بتخسر من أول الموسم، جربنا أنواع كتير، لكن “إكسايد” أثبت نجاحه معانا، إنتاجه كويس والسنبلة بتكون ممتلئة، وكمان بيتحمل الظروف بشكل أفضل».
وبين أصوات العمال وهم يجمعون السنابل، واصل حديثه عن شهور الرعاية اليومية التى يعيشها مع المحصول، حيث قال:«بعد الزراعة بنفضل طول الموسم عايشين مع الأرض بنروى أول رية، وبعدها تبدأ رحلة طويلة من التسميد والرى ومتابعة الأرض يوم بيوم، لأن أى مشكلة صغيرة ممكن تأثر على المحصول كله».
ومع اقتراب نهاية «الموسم»، تبدأ مرحلة مختلفة تماماً، وصفها «الشيمى»، بأنها بالـ «أصعب نفسياً»، وقال:«قبل الحصاد بنوقف الرى بفترة كافية علشان الأرض تنشف والسنابل يتحول لونها للأصفر، وساعتها نعرف إن المحصول جاهز، وطريقة الحصاد تختلف من مزارع لآخر وفقاً للإمكانيات المتاحة، فبعض الفلاحين ما زالوا يعتمدون على المنجل اليدوى خاصة فى المساحات الصغيرة، حيث ينزل العمال إلى الأرض منذ ساعات الصباح الأولى لقطع السنابل يدوياً، بينما يلجأ آخرون إلى الحصادات الحديثة التى تختصر الوقت والمجهود، خاصة فى المساحات الكبيرة، ونظر إلى العمال المنحنين داخل الأرض، إحنا هنا لسه بنحصد يدوى بالمنجل، والعمال من الصبح موجودين فى الأرض بيقطعوا السنابل ويجمعوها، ودى طريقة مرهقة لكنها مناسبة لمساحة الأرض».
بعد الانتهاء من الحصاد، تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، وهى تجميع القمح وربطه فى حزم كبيرة لتسهيل حمله ونقله من الأرض، حيث يتولى العمال هذه المهمة وسط حرارة الشمس، استعداداً للمرحلة التالية، وشرح «الشيمى»، المرحلة الأهم فى الرحلة قائلاً: «بعد ما نربط المحصول، بنبدأ مرحلة الدراس أو فصل الحبوب، ودى بتم عن طريق الجرار أو ماكينة الدراس، العمال بيحطوا الحزم فى الماكينة، ومنها بيطلع القمح من فتحة لوحده، وبيتعبى فى الشكاير، ومن فتحة تانية بيطلع التبن».
وأكد «الشيمى»، أن التبن يمثل مصدر دخل إضافى للفلاح، لأنه يستخدم كغذاء للمواشى بعد خلطه بالأعلاف، «إحنا بنستفيد من كل حاجة فى المحصول.. الحبوب بنورد جزء منها ونحتفظ بجزء للبيت، والتبن كمان له قيمة ومحدش بيهدر منه حاجة».
على بعد عدة كيلومترات من خلوة الشيخ عثمان، وتحديداً داخل الأراضى الزراعية الممتدة بقرية الشوبك، لم يكن المشهد مختلفاً كثيراً، سنابل ذهبية تتساقط تحت ضربات المناجل، وعمال يتحركون بين الحقول فى سباق مع الوقت، بينما يواصل المزارعون متابعة لحظة الحصاد التى انتظروها لأشهر طويلة، هناك، كانت حكاية أخرى تنتظر أن تُروى على لسان فلاحين ورثوا علاقتهم بالقمح جيلا بعد جيل.
وسط حقله بقرية الشوبك، وقف رجب حسن أبو حجاب 54 عامًا يتابع العمال أثناء جمع السنابل بعد انتهاء الحصاد، بينما كانت ملامحه تكشف عن علاقة قديمة بالأرض تعود لسنوات طويلة، وأوضح «رجب»، الذى يزرع هذا الموسم 8 قراريط قمح، أن ارتباطه بالمحصول لم يبدأ معه، بل ورثه عن والده الذى كان يعتبر القمح «محصول البركة»، فى البيت الريفى.
وأضاف وهو ينظر إلى الأرض التى ورثها عن أسرته: «أنا اتعلمت الزراعة من وأنا طفل صغير، كنت أنزل مع والدى الأرض من الفجر، أشوفه وهو بيجهز الأرض ويبذر التقاوى ويتابع المحصول لحد الحصاد.. القمح بالنسبة له كان حاجة أساسية، وإحنا كبرنا على نفس الفكر».
وأشار «حجاب»، إلى أن والده كان يعتمد قديماً على الطرق التقليدية فى الزراعة والحصاد، بينما تغيرت الأدوات اليوم لكن بقيت نفس العلاقة بين الفلاح وأرضه، «زمان كان الحصاد بالمنجل، وكنا نقعد أيام طويلة فى الغيط، وكل العيلة كانت تشارك، دلوقتى الدنيا اختلفت والماكينات بقت أسرع، لكن تعب الفلاح زى ما هو».
وأشار«حجاب»، إلى أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج أصبح أكبر تحدٍ يواجه المزارعين حالياً، بداية من التقاوى وحتى الحصاد «رغم الغلاء، بنزرع لأن دى أرضنا، والقمح محصول مهم، وكمان بنحتفظ بجزء منه للبيت والباقى بنبيعه أو نورده».
واختتم حديثه قائلاً: «طالما إحنا موجودين والأرض موجودة، زراعة القمح هتفضل مستمرة.. دى مهنة ورثناها من آبائنا وعايزين نسلمها لأولادنا كمان».
ووافقه الرأى جاره مجدى عبدالباسط 61 عاما، الذى جلس فوق جوال قمح بعد ساعات من الحصاد ليبدأ حسابات موسمه، «الفدان النهارده بقى مكلف جدًا»، يقول وهو يعدد بنود الإنفاق التى قاربت 20 ألف جنيه للفدان هذا الموسم، موزعة بين التقاوى والأسمدة والمبيدات وأجور العمال والحصاد والنقل، ورغم إنتاجية تراوحت بين 18 و 20 إردبا للفدان، «الإنتاج الحمد لله معقول، لكن الفلاح بيبقى نفسه فى إنتاج أعلى يعوض المصاريف، الربح مش زى زمان، لكن القمح يظل محصول أمان».
ومع انتهاء يوم طويل داخل حقول خلوة الشيخ عثمان وقرية الشوبك، تبدأ المرحلة الأخيرة فى رحلة «الذهب الأصفر»، الأجولة التى امتلأت بحبوب القمح تحمل فوق الجرارات والسيارات الصغيرة، لتغادر الحقول الهادئة متجهة إلى صومعة عرب العليقات بمركز الخانكة، حيث تتحول مشاهد الحصاد الريفية إلى حركة لا تتوقف داخل واحدة من أهم نقاط استقبال المحصول فى القليوبية، هناك، تبدأ حكاية أخرى عنوانها الفحص والوزن والتخزين، قبل أن يستقر المحصول داخل الصوامع.
داخل معمل الفحص الملحق بصومعة عرب العليقات، حيث تتراص عينات القمح القادمة من مختلف قرى القليوبية فوق طاولات الفحص، كان أحمد حسين، مدير معمل الصومعة، يتابع بنفسه خطوات استقبال الشحنات الجديدة، قبل أن يشرح تفاصيل الرحلة التى يمر بها المحصول فور دخوله بوابة الصومعة، حيث قال إن «الصومعة تشهد هذا العام معدلات توريد مرتفعة مع انتظام كامل فى عمليات الاستلام، موضحاً أن الإجراءات أصبحت أكثر سرعة وسهولة مقارنة بالسنوات الماضية».
وأضاف«حسين»: «أول ما السيارة أو الجرار بيدخل الصومعة بيتم وزنه مباشرة، وبعد كده بنسحب عينات من القمح داخل المعمل للتأكد من درجة النقاوة ونسبة الرطوبة ومدى مطابقته للمواصفات المطلوبة، ومرحلة الفحص لا تستغرق وقتا طويلا، وبعد التأكد من جودة الشحنة يتم السماح بدخولها إلى منطقة التفريغ، بنحاول ننجز الإجراءات بالكامل فى أسرع وقت ممكن، وفى أغلب الأحيان الشحنة بتكون خلصت إجراءاتها وتم تفريغها خلال أقل من ساعة، وده وفر وقت كبير على الموردين وشجع عدد أكبر من المزارعين على التوريد».
وأشار«حسين» إلى أن مستحقات الموردين يتم صرفها خلال فترة زمنية قصيرة، ما ساعد على خلق حالة من الثقة بين المزارعين ومنظومة التوريد، «الفلاح دلوقتى بقى مطمئن إنه بمجرد ما يورد محصوله هياخد مستحقاته بشكل سريع، وده شجع ناس كتير تيجى للصوامع بدل البيع فى أماكن أخرى».
ومن داخل غرفة المتابعة المطلة على ساحات التفريغ، حيث لا تهدأ حركة الشاحنات، تحدث حسن سليمان، مدير صومعة عرب العليقات، وهو يتابع عبر اللاسلكى دخول شحنة جديدة: «اللى بنشوفه على الأرض السنة دى نتيجة شغل متكامل من أول تحديد سعر التوريد، لحد تنظيم العمل داخل الصوامع.. السعر اللى أعلنته الدولة كان محفزا جداً للفلاح، وخلّى التوريد للصوامع هو الاختيار الأول لكثير منهم».
وأشار «سليمان»، إلى أن السعر المعلن لم يأت فقط لمواكبة السوق، بل تجاوز فى بعض الأحيان الأسعار العالمية، ما أعطى رسالة طمأنة واضحة للمزارعين، ودفعهم لتوريد أكبر كميات ممكنة، «إحنا هنا بنشتغل بنظام واضح وسريع، من لحظة دخول العربية لحد ما تفرغ حمولتها، وكل خطوة محسوبة علشان نوفر وقت ومجهود الموردين».
وأوضح«سليمان» أن أحد أهم عوامل نجاح الموسم هذا العام هو تفعيل غرف العمليات التى تعمل على مدار اليوم، «فى متابعة مستمرة على مدار 24 ساعة، وأى مشكلة بتظهر بيتم حلها فوراً، سواء كانت زحمة، أو تأخير، أو استفسار من مورد.. كله بيتحل فى ساعته، ونقدر نقول إن الموسم ده من أفضل المواسم اللى عدت علينا، سواء من حيث حجم التوريد أو جودة القمح اللى بيجى للصومعة.. وده فى النهاية بيصب فى مصلحة الأمن الغذائى لمصر».
وفى الخارج، استمرت حركة التفريغ دون توقف، فيما بدا واضحاً أن ما يجرى داخل الصومعة ليس مجرد استلام محصول، بل إدارة يومية لمعركة تأمين سلعة لا غنى عنها لكل بيت، وعلى بعد أمتار من ساحات التفريغ، كان سيد محمد يتحرك بسرعة بين الشاحنات القادمة تباعاً إلى صومعة عرب العليقات، يوجه العمال تارة، ويساعدهم فى تفريغ الشحنات تارة أخرى، فى مشهد اعتاد عليه منذ سنوات طويلة.
«سيد»، الذى يعمل بالصومعة منذ إنشائها، قال إن «موسم توريد القمح بالنسبة لهم ليس مجرد فترة عمل عادية، بل موسم ينتظرونه كل عام باعتباره مصدر رزق رئيسى لكثير من الأسر»
وأضاف «سيد»، وهو يمسح العرق عن وجهه بعد الانتهاء من تفريغ إحدى الشاحنات: «بالنسبة لنا موسم القمح زى العيد.. أول ما الدولة تعلن بدء التوريد بنكون جاهزين من بدرى جداً، وأنا شخصياً باجى هنا من الساعة سبعة الصبح قبل وصول أول السيارات»، موضحًا أن «العمل يبدأ مبكراً جداً، حيث تتوافد السيارات والجرارات المحملة بالقمح بشكل مستمر، ما يتطلب سرعة فى الأداء حتى لا تتكدس الشحنات أمام الصومعة، وبنقسم العمال لمجموعات، كل مجموعة بتكون مسئولة عن عربية أو شحنة معينة، ننزل القمح بسرعة ونجهز لاستقبال الشحنة اللى بعدها، والعمل لا ينتهى بمجرد تفريغ الحمولة، إذ يحرص العمال على التأكد من عدم بقاء أى حبوب داخل السيارات بعد الانتهاء، وبعد ما نخلص التنزيل لازم نتأكد إن العربية فاضية بالكامل ومفيش حبة قمح ضاعت، لأن كل حبة ليها قيمة».
وبين أصوات ماكينات الرفع وحركة الشاحنات المتواصلة، تحدث«سيد»عن البعد الإنسانى للموسم قائلاً: الموسم ده خير على ناس كتير.. الفلاح بيكسب، والسواق بيشتغل، وإحنا كمان بنسترزق، وكل بيت بيكون مستنى الموسم، ناس كتير بتأجل احتياجاتها ومصاريفها لحد موسم القمح، لأنه بيكون مصدر رزق مهم جداً، ونتمنى الخير دايماً يفضل موجود ويحفظ ربنا مصر».