رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اللواء طارق عبد الفتاح: نُعيد تأهيل الدبابات الطائرة بكسر احتكار التكنولوجيا الأجنبية


8-5-2026 | 12:49

اللواء مهندس طارق عبدالفتاح.. رئيس مجلس إدارة مصنع حلوان للصناعات المتطورة

طباعة
حوار: منار عصام عدسة: إبراهيم بشير

لا صوت يعلو فوق صوت البناء وسط ضجيج الصراعات الإقليمية وفى ظل التحديات الاقتصادية العالمية، هنا تبرز «السيادة الصناعية» كضرورة حتمية لا رفاهية فيها، ومن داخل مصنع حلوان للصناعات المتطورة ترسم ملامح الجمهورية الجديدة التى لا تكتفى بالصيانة بل تمضى قدما نحو التصنيع المتكامل، نلتقى باللواء مهندس طارق عبدالفتاح، رئيس مجلس إدارة مصنع حلوان للصناعات المتطورة، فى رحلة داخل خطوط الإنتاج وعمرات الطائرات الهليكوبتر، لنتحدث عن معادلة «الجودة العالمية والتكلفة المحلية» وكيف نجح المصنع فى كسر احتكار التكنولوجيا الأجنبية وتحويل التحديات الميدانية إلى فرص صناعية كبرى تخدم القطاعين العسكرى والمدني.. وإلى نص الحوار.

 
 

بداية، قدم لنا تعريفا مبسطا عن مصنع حلوان للصناعات المتطورة؟ وأبرز المنتجات التى يتخصص فيها؟

يعد مصنع حلوان للصناعات المتطورة أحد الصروح الصناعية التابعة للهيئة العربية للتصنيع، وكما هو معلوم تضم الهيئة أربعة عشر مصنعا وكيانا صناعيا من بينها سبعة مصانع متخصصة فى الصناعات الدفاعية إلى جانب أنشطة مدنية متنوعة، ويعمل المصنع فى مسارين رئيسيين؛ أولهما المسار العسكرى حيث يختص بصيانة وإجراء العمرات والتفتيشات الدورية الموسعة لطائرات المروحيات (الهليكوبتر) خاصة لصالح القوات الجوية المصرية مع التركيز على طرازات محددة، أما المسار الثانى فهو مدنى إذ يعد المصنع من أقدم الجهات الصناعية فى مصر التى تنتج أنابيب البولى إيثيلين المستخدمة فى شبكات المياه والغاز الطبيعى والصرف الصحي، وبدأ المصنع مسيرته تحت اسمه الحالى عام 1994، رغم أن وجوده الفعلى يعود إلى عام 1978 حين كان يعمل تحت مسمى آخر قبل أن يتخصص لاحقًا فى هذه المجالات الحيوية.

كيف يمكن لمصنع مثل هذا أن يصبح مركزًا معتمدًا لصيانة وعمرة الطائرات، وما المتطلبات والإجراءات اللازمة لذلك؟

هذا سؤال مهم، لأن مجال الطيران يخضع لمعايير صارمة للغاية ولا يمكن لأى جهة أن تصنف كمركز معتمد لصيانة أو عمرة الطائرات إلا بعد اجتياز مراحل دقيقة والحصول على شهادات اعتماد رسمية، فلا يصح على سبيل المثال أن تعلن أى جهة قدرتها على إجراء عمرات أو تفتيشات لطائرات مثل «المى 17» أو «المى 8» أو «الجازيل» دون الحصول على ترخيص مباشر من الشركة المصنعة الأصلية، ويعتمد الحصول على صفة «مركز معتمد» فى مجال صيانة وعمرة الطائرات على استيفاء مجموعة من المعايير الدقيقة والإجراءات الصارمة، وتبدأ هذه العملية بتأهيل الكوادر البشرية من مهندسين وفنيين وفق أعلى المستويات، إلى جانب تجهيز البنية التحتية وورش العمل بما يتوافق مع اشتراطات المصنع الأم، بعد ذلك يوفد المصنع الأصلى خبراء لإجراء تفتيش شامل وتقديم ملاحظات يتم الالتزام بتنفيذها بالكامل قبل منح الترخيص النهائي.

ولا يعد هذا الاعتماد دائما بل يخضع لمراجعات دورية كل عام أو عامين، حيث تجرى زيارات تفتيشية للتأكد من الحفاظ على مستوى الأداء أو تطويره مع الالتزام بمعالجة أى ملاحظات خلال فترة زمنية محددة، كما يمتد دور المصنع إلى تنفيذ إصلاحات عميقة للطائرات التى تعرضت لحوادث من خلال إعداد خطط إصلاح متكاملة بالتعاون مع الجهة المالكة للطائرة بما يحقق التوازن بين الكفاءة الفنية والتكلفة الاقتصادية، وإلى جانب ذلك يتطلب العمل فى هذا المجال الحصول على ترخيص من سلطة الطيران المدنى المصرية، خاصة عند التعامل مع الطائرات المدنية والعسكرية، بما يتيح تقديم الخدمات لشركات الطيران داخل مصر وخارجها وفقًا للمعايير الدولية.

ما أحدث خطوط الإنتاج التى تم إضافتها إلى المصنع؟

بالنسبة للقطاع العسكرى لدينا مركزان معتمدان، الأول نسميه «المركز الدولى لصناعة الطائرات الشرقية» وكلمة «الشرقية» هنا تعنى الطائرات الروسية أو الصينية لأن القوات المسلحة المصرية لديها تنوع كبير فى طائراتها ومروحياتها من مصادر متعددة أمريكية وأوروبية (إسبانية، فرنسية، ألمانية...) وهذه نسميها «المدرسة الغربية»، أما الطائرات التى تتبع أوروبا الشرقية أو روسيا أو أوكرانيا أو الصين فكلها «طائرات شرقية»، ولدينا مركز دولى وكلمة «دولي» تعنى أن البنية التحتية له صممت لخدمة جميع أنواع الطائرات الغربية والشرقية التى لها مواصفات محددة فى نظام الهواء والطاقة الكهربائية والفنيات والتى تختلف عن المدرسة الأمريكية أو الغربية، والبنية الأساسية للمركز صممت لخدمة الطائرات الحالية والمستقبلية.

هذا المركز يحتوى على ستة عشر خطا (حارة عمل) تستطيع الطائرات أن تقف فيها، ويتم كل الأعمال وهى ثابتة محاطة بكل المعدات الأرضية اللازمة بحيث يعمل الفنيون على الطائرة من بداية دخولها حتى نهاية أعمالها باستثناء مرحلة الدهان التى تستلزم ورشة متخصصة، والمركز عملاق يمكنه استيعاب أكثر من عشرين طائرة فى وقت واحد، وتجرى الاختبارات الأرضية داخله، ثم هناك مركز آخر خاص بعمرات المروحيات الغربية، وحصلنا على الرخصة من شركة «إيرباص هليكوبتر» ونعمل منذ سنوات طويلة فى التفتيش الموسع لطائرات «الجازيل» لصالح القوات الجوية المصرية ولصالح الغير.

وأين وصلتم فى مجال صناعة الطائرات العسكرية؟ وما الأسواق المفتوحة أمامكم؟

صناعة الطائرات ليست صناعة عنصر واحد حتى فى أكبر الدول مثل أمريكا وفرنسا، المصانع التى تُنتج طائرة تصمم نموذجاً أولياً ثم تبدأ التصنيع والطائرة الواحدة قد تتكون من أكثر من خمسين أو ستين ألف جزء من بينها هيكل ومحرك وأجنحة وعجلات، وفى البدايات كان المصنع الأم ومجموعة من الورش تصنع كل شيء لأن الطائرات كانت بدائية، أما الآن الشركات العملاقة التى تعد على أصابع اليدين عالميا هى التى تملك تقنيات التصنيع (التصميم الأصلي) وكل تعديلاته، وهم يمتلكون خطوط التجميع النهائية ولديهم آلاف الموردين «الفيندرز» حول العالم كل فى تخصصه، هذه الشركات تجمع الطلبات من الموردين وتدفع لهم وتخزن القطع ثم تدخل إلى خطوط التجميع حتى تكتمل الطائرة.

وبالعودة إلى سؤالك أين نحن من هذا؟ فقد مررنا بمراحل عديدة منذ الخمسينيات فى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فكان التوجه السياسى يدعو لدخول صناعة الطائرات والصواريخ بقوة وإنتاج منتج «صنع فى مصر» 100 فى المائة، بالاستعانة بخبرات أجنبية متخصصة، مع العلم أن مصنع الطائرات قد أنشئ عام 1950 فى الفترة الملكية المتأخرة، وكان اسمه «مصنع 36 الحربي» قبل إنشاء الهيئة العربية للتصنيع، وقد أنتجنا برامج قوية بأيد مصرية 100 فى المائة، بمساعدة خبراء ومنها طائرة «القاهرة 300» التى صنع منها 160 طائرة وخدمت فى الكلية الجوية، ثم الطائرة الأسرع من الصوت «سوبر سونيك» فى أوائل الستينيات وكانت طفرة حقيقية صُنع منها ثلاثة نماذج أحدها موجود فى متحف القوات الجوية.

لكن فى أواخر الستينيات حدثت ضغوط عالمية على مصر لإيقاف هذه البرامج رغم الاستثمارات الهائلة، فقد كلف برنامج «القاهرة 300» أكثر من 138 مليون دولار ولكن للأسف توقف، ثم دخلنا فى فترات جيوسياسية صعبة وحروب أثرت على الدافع للاستمرار، لكننا أقمنا شراكات مع شركات عالمية منها شركات فرنسية مثل «داسو» وصنعنا طائرات «ألفا جيت» التى لا تزال فى الخدمة وجُمعت بالكامل فى مصانع الطائرات وصُنعت أجزاء كثيرة منها هنا، ثم طائرة «توكانو» بالتعاون مع البرازيليين وما زالت فى الخدمة ثم أجزاء لطائرة «ميراج 2000»، ووصلنا إلى عام 1999 و 2000 حيث عقدنا شراكة مع شركة «كاتك» الصينية وأقمنا خط إنتاج لطائرة تدريب، وصنعنا 120 طائرة لا تزال فى الخدمة بالقوات الجوية المصرية تعمل فى الكلية الجوية وبعض التشكيلات الجوية كطائرات قتال خفيف ومعاونة أرضية، وبعد انتهاء الإنتاج عام 2009 بدأت برامج العمرات لأن الطائرات تحتاج بعد ثمانى سنوات أو عدد ساعات طيران معينة للعمرة الأولى والثانية، وهكذا نحن نعمل فى مراكزنا على طائرات «المى 17» و«المى 8» و«الجازيل».

وماذا عن «الدبابة الطائرة» أو «الـ Mi-24»؟

الطائرة الـ Mi-24 اشتهرت بهذا الاسم لأنها من الطائرات المروحية القليلة فى العالم والتى أنتجت فى فترة السبعينيات والثمانينيات التى تتعامل مع المدرعات والدبابات والأفراد، حيث تحمل صواريخ عيار 30 مم و80 مم، ومدفع عيار 30 مم و12.7 مم، وتستهدف الأهداف الأرضية المحصنة، وهذه الطائرة لم نصنعها فى مصر بل تعاقدت القوات المسلحة المصرية عليها لكن العمر الافتراضى للطائرة يتراوح بين 30 و35 سنة حسب الوثائق الفنية، وبعد هذه الفترة لو لم تمتلك كوادر مؤهلة وبنية تحتية تتوقف الطائرة وتُباع كخردة أو لدولة أخرى، لكننا نمتلك الكوادر والمكان، وبالشراكة مع القوات الجوية اتخذنا قراراً بإعادة صيانة الطائرة وتفتيشها بدقة لتحقيق شروط الأمان والسلامة ومنحها عمراً إضافياً، وهذا كان تحدياً كبيراً ومسئولية محسوبة 100 فى المائة متفقا عليها بين الطرفين، وبدأنا بأقدم وأسوأ طائرة من حيث الإجهاد والتآكل فحصناها وبعد التأكد من صلاحيتها خاصة الأجزاء الدوارة التى تفحص فى الخط الثالث بالقوات الجوية، قدمنا أول نموذج وجربوه وطاروا به والحمد لله نجحنا ومددنا عمرها أربع سنوات وأنجزنا عدداً محترماً من الطائرات مما وفر تكلفة هائلة جداً.

أخبار الساعة