فى قلب منطقة حلوان الصناعية العريقة؛ حيث يختلط عبق التاريخ برائحة الحاضر التكنولوجى يقف صرح شامخ لا يعلو عليه إلا همم الرجال الذين يعملون فيه، إنه مصنع حلوان للصناعات المتطورة إحدى أبرز قلاع التصنيع العسكرى والمدنى فى مصر، هذه المرة لم تكن وجهتنا إلى خطوط إنتاج المواسير أو الماكينات، بل إلى عالم مختلف تمامًا، عالم من الدقة المتناهية والمسئولية الجسيمة؛ حيث تعاد كتابة عمر طائرات الهليكوبتر لتعود إلى السماء أكثر قوة وصلابة.
وبصحبة عدسة «المصور»، تحركنا داخل أروقة «مركز العمرات»؛ حيث تئن الممرات تحت وطأة التاريخ وتتنفس الجدران روح الصناعة المصرية الأصيلة فى جولة صحفية مثيرة، بدأت من بوابة المصنع وانتهت عند آخر نقطة فحص لطائرة على وشك أن تسترد روحها، لنرصد لكم بالكلمة والصورة كيف تعيش طائرات الهليكوبتر تلك «الصقور» الحربية موتًا سريريًا مؤقتًا؛ لتُبعث من جديد كالصقر المجدد شبابه.
قبل أن تطأ قدماك أرضية الورش تستقبلك أصوات العمل التى لا تهدأ، حيث تجرى عمليات عمرة الطائرات الهليكوبتر بأيدٍ مصرية خالصة بنسبة 100 فى المائة، وفى هذا المشهد الميدانى كان اللقاء الأول مع مدير عام إنتاج الطائرات بالمصنع، المهندس أحمد صابر، الذى استقبلنا بابتسامة هادئة تعكس خبرة سنوات طويلة مرحبا بنا فى مركز عمرة الطائرات الشرقى، قائلًا: «نحن هنا لا نصنع الطائرات من الصفر لكننا نمنحها حياة جديدة فلدينا مركزان رئيسيان للعمرة شرقى وغربى، ويعد هذا المركز هو الأكبر بينهما»، وخلال جولة داخل أروقة العمل قال لنا بفخر واضح: «نتعامل هنا مع مختلف طرازات طائرات الهليكوبتر الروسية التى تخدم القوات الجوية المصرية. حاليًا لدينا ثلاث عائلات رئيسية تحت أعمال الصيانة والتجديد: طائرات Mi-8، وطائرات Mi-17، والطائرات الثقيلة Mi-24. ثلاثة طرازات مختلفة، لكل منها تحدياته الفنية الخاصة، لكنها تلتقى جميعها تحت سقف واحد من الدقة والإتقان».
وهنا وجهنا سؤالا جوهريا للمهندس أحمد صابر: ما المقصود بـ«العمرة» التى تخضع لها هذه الطائرات؟ مجيبا بأسلوب مبسط، مشبها العملية بما يشبه إعادة بناء جسم الإنسان بالكامل قائلا: «تخيل معى أن السيارة التى تقودها يتم تفكيكها بالكامل حتى آخر مسمار ومحرك ومساعد، هذا هو مفهوم العمرة الكاملة، هنا نبدأ أولًا بإزالة طبقات الدهان بالكامل عن هيكل الطائرة، ثم يتم تفكيكها حتى تتحول إلى ما يشبه الهيكل العظمى من الصفائح المعدنية كل جزء مهما كان صغيرًا يفك ويفحص ويصنف، ثم يرسل إلى الورشة المختصة به».
توقف المهندس صابر قليلا أمام طائرة فى مرحلة متقدمة من التفكيك قبل أن يواصل حديثه موضحًا: «لتبسيط الصورة أكثر هناك ثلاثة مستويات للصيانة فى عالم الطيران يمكن تشبيهها بصيانة السيارات، المستوى الأول هو صيانة سريعة داخل الوحدة الجوية نفسها مثل استبدال جزء بسيط أثر على كفاءة الإقلاع كتغيير إطار السيارة، أما المستوى الثانى فيشمل إصلاحات محدودة لأجزاء تم فكها بالفعل لإعادة استخدامها مثل إصلاح نظام الفرامل، فى حين أن المستوى الثالث هو ما نقوم به هنا وهو ما يعرف بالعمرة الكبرى، وفى هذه المرحلة يتم التفكيك الكامل للطائرة وإجراء قياسات دقيقة لكل جزء، مع استبدال أى مكون غير صالح للطيران، والهدف هو إعادة الطائرة إلى حالتها الأصلية، بل وأفضل وكأنها خرجت للتو من خطوط الإنتاج، بما يمنحها عمرًا تشغيليًا جديدًا بالكامل».
وأكد المهندس صابر أن المركز يعمل وفق رخصة معتمدة من الشركة الروسية المصنعة «Russian Helicopters»، ما يضمن أن جميع الإجراءات والتقنيات المستخدمة مطابقة لأحدث المعايير العالمية فى صناعة الطيران، والمركز لا يعتمد على الاجتهادات الشخصية بل نعمل وفق أدلة فنية محدثة باستمرار تصل من الشركة الأم، فأى خطأ مهما كان بسيطًا لا يحتمل لأن عواقبه قد تعنى خسائر فى الأرواح أو فى معدات تُقدّر بملايين الدولارات.
فى طريقنا مع المهندس صابر، مررنا داخل هنجر ضخم يسيطر على المشهد فيه صمت تقطعه حركة العمال المنتظمة قبل أن نتوقف أمام طائرة تبدو فى هذه المرحلة وكأنها هيكل عظمى لسمكة عملاقة أشار إليها قائلًا: «هنا منطقة تفكيك الهيكل (Airframe)» داخل هذا القسم يعمل فنيون يرتدون أزياء خاصة وأحذية ذات مقدمة معدنية، ويتعاملون مع أدق أجهزة القياس الليزرية لرصد أى انبعاجات أو علامات تآكل فى جسم الطائرة، ويواصل صابر شرح المرحلة قائلًا: «هذا ما نطلق عليه مرحلة الـ‘Naked Inspection’ أو التفتيش العارى بعد إزالة جميع الأجزاء الخارجية ونزع الدهان بالكامل نبدأ بفحص كل شبر فى هيكل الطائرة بدقة متناهية».
وأضاف: «نبحث عن أى شروخ شعرية دقيقة جدًا (Hairline cracks) لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، باستخدام تقنيات متقدمة مثل اختبار التيارات الدوامية (Eddy Current) والسوائل المخترقة (Dye Penetrant) أى جزء يثبت خروجه عن المواصفات العالمية، حتى لو كان جزءًا من الألف من المليمتر، يتم تمييزه باللون الأحمر باعتباره غير صالح، ثم يزال ويستبدل بآخر جديد مطابق للمواصفات أو يُعاد لحامه وفق المعايير المعتمدة، ومستوى الدقة هنا لا يقاس بالمليمتر بل بالميكرون».
ثم انتقلنا إلى إحدى أهم الورش «ورشة المواسير» حيث يقف المهندسون والفنيون أمام شبكة معقدة من الأنابيب الملونة وكأنهم أطباء قلب يجرون عملية دقيقة للجهاز الدورى للطائرة، وهنا قال لنا المهندس صابر: «هذه المواسير هى شرايين وأوردة الطائرة، حيث نتعامل مع مواسير دورة الزيت والوقود وFire Fighting (مكافحة الحرائق) ودورة الهواء، نستقبلها بعد فكها من الطائرة ونبدأ بخطوات مدققة فى إزالة الدهان الكيميائى، ثم التفتيش البصرى والفنى باستخدام مجاهر ومعدات قياس دقيقة، ثم اختبارات الضغط»، ثم أشار إلى جهاز ضخم وقال: «هذا هو جهاز الاختبار نضع الماسورة تحت ضغط أعلى بكثير مما ستتعرض له أثناء الطيران؛ لنتأكد من عدم وجود أى تسريب أو ضعف، فلدينا هنا القدرة ليس فقط على إصلاح الماسورة بل على تصنيع ماسورة جديدة من الصفر إذا لزم الأمر بنفس مواصفات المصنع الأصلى».
أثناء تجولنا فى موقع العمل، التقينا عيد بسيونى، أحد الفنيين العاملين فى تجميع وفحص الطائرات منذ خمس سنوات، وقفنا بجوار طائرة كانت تقترب من اكتمال «ولادتها الجديدة»، قال لنا «عيد» بابتسامة تعكس مزيجا من الفخر والتركيز: «ما يميز العمل هنا أننا نلمس الفرق بأيدينا، فالطائرة تأتى من القوات الجوية فى حالة مرهقة بسبب الاستخدام، ومهمتنا ليس مجرد إصلاح عادى ولكن إعادة تصنيع من البداية، فكل جزء يتم فكه يتم فحصه وتصليحه أو تبديله، وعندما يتم تسليم الطائرة للقوات الجوية من جديد ترجع كأنها جديدة بالكامل وكأن عمرها الافتراضى اتجدد وهذا فخر كبير».
وعند سؤاله عن نسبة الخطأ المسموح بها فى العمل، رفع عينيه بنظرة حازمة وأجاب دون تردد: «نسبة الخطأ هنا صفر أى شغلانة تانية ممكن يبقى فيها هامش خطأ ولو بسيط، لكن هنا إحنا بنتكلم عن طيارة فى الجو عن أرواح، مفيش حاجة اسمها إصلاح على الطريق زى العربية، فى السما مفيش مجال للغلط لازم كل حاجة تكون مظبوطة من الأول إحنا مش بس بنشتغل إحنا بنحط روحنا فى كل مسمار، قبل أن نبدأ العمل هنا كان لدينا خبراء روس وأوكرانيون متخصصون قاموا بتدريب فريق محدد من الفنيين ومنحوهم تراخيص معتمدة لمزاولة هذا العمل الدقيق، وبعد رحيلهم أصبحنا نحن أنفسنا مدربين وحصلنا على الرخصة الرسمية من المصنع الروسى لتولى مهمة إجراء العمرة الكاملة للطائرات بأنفسنا، أى فنى جديد ينضم إلينا يخضع لفترة تدريب تمتد من ستة أشهر إلى سنة كاملة حسب قدراته على الاستيعاب والإتقان حتى يصبح مؤهلا للعمل على هذه الطائرات، فالأمر ليس سهلًا وليس أى شخص يمكنه العمل هنا، والأهم من كل ذلك أن الكتب الفنية التى نعتمدها فى عملها يتم تحديثها يوميًا؛ فبمجرد أن نكتشف أى مشكلة جديدة نبعث بها فورًا إلى روسيا ليقوم الخبراء هناك بتحديث الكتب والتعليمات وفقًا لها، ومن ثم نشتغل نحن على الأساس الجديد، الشراكة مع الجانب الروسى لم تقتصر فقط على الحصول على الرخصة بل امتدت لتشمل نقلًا لحظيًا وتطويرًا مستمرًا للخبرة».
بعد ذلك، التقينا بمحمد سمير، مهندس ورشة الهيدروليك الذى أمضى ثلاث سنوات فى هذا المركز، والذى أكد لنا أن عالم الطيران لا يحتكر الخبرات الكبيرة فقط بل هو فضاء خصب للشباب الطموح، والفرق بين العمل هنا وأى مكان آخر أنك تتعمق فى الجزء لدرجة إنك تعيش داخله،» قائلا: «إحنا هنا بنفك الجزء لأقل مكون فيه بنعرف طريقة عمله من الداخل طريقة تركيبه طريقة صيانته، ده بيخلينى كمهندس أتحول من شخص بيغير قطع غيار لشخص بيحلل الأعطال ويصلحها من جذورها».
وعن الفرق بين طائرات الهليكوبتر (Rotary Wing) والطائرات العادية (Fixed Wing)، أوضح أنه فى الطائرات التجارية مثل طائرات مصر للطيران تعتمد الحركة على الأجنحة الثابتة والأسطح المتحركة التى تتحكم فى اتجاه الطائرة واستقرارها أثناء الطيران، أما فى الهليكوبتر فالوضع مختلف تماما إذ تعتمد بشكل كامل على نظام الريش، فالريش الرئيسية والريش الخلفية هى التى تتحكم فى جميع حركات الطائرة من إقلاع، وارتفاع، وتقدم، ودوران، هذا الاختلاف ينعكس مباشرة على طبيعة العمل الفنى، فتعقيد الهليكوبتر أكبر بكثير، وبالتالى يتطلب التعامل معها مستوى أعلى من الدقة والحساسية فى التنفيذ، ونحن هنا لا نقوم بمجرد أعمال صيانة بل نقوم بما يشبه العمرة الكاملة للطائرة؛ حيث يتم تفكيكها حتى تصل إلى هيكلها الأساسى، ثم إعادة تجميعها بالكامل من جديد، وهذه طبيعة عمل لا تتكرر كثيرًا وخبرة من هذا النوع لا يمكن اكتسابها بسهولة أو العثور عليها فى أماكن كثيرة».
ثم قادنا المهندس محمد إلى ورشة مجاورة، هى ورشة تجميع واختبار «أنظمة الهيدروليك والتحكم» والمكان مليء بأجهزة محاكاة (Simulators) تشبه أذرعًا آلية، وطلاء أحمر وأصفر يحذر من الضغط العالى، وقال: «هنا يتم إجراء عمرة لـ «السيرفو» (Servo valves) والمضخات الهيدروليكية، وهى أجزاء لو تعطلت، تفقد الطيار السيطرة على الريش نفكها وننظفها فى غرف مخصصة مقاومة للغبار، ونعيد تجميعها على مناضد اختبار (Test Benches) تحاكى ظروف الطيران القاسية، أى تسريب فى الزيت الهيدروليكى تحت ضغط 3000 PSI معناه كارثة. ولذلك، كل جزء بيخرج بشهادة ضمان معتمدة موقعة منى أنا شخصيًا قبل ما يركب على الطيارة».
وسط هذا الزحام من المعدات والآلات والمهندسين، لفت انتباهنا وجودها واقفة أمام لوحة تحكم معقدة، تتفحص برمجيات الطائرة ووثائقها الفنية بدقة شديدة، إنها المهندسة مى مجدى حسين مهندسة جودة أنظمة الكهرباء واللاسلكى، حيث شرحت لنا طبيعة عملها قائلة: «أنا مسئولة عن متابعة كل مراحل عمرة الطائرة، بداية من لحظة استلامها من القوات الجوية وحتى لحظة تسليمها وهى جاهزة من جديد. خلال الرحلة دى، بنراجع كل الوثائق والشهادات الخاصة بكل جزء، ونتأكد من صلاحيته للعمرة وإعادة الاستخدام، وبنكون متابعين لكل مراحل الفك والتركيب والتجميع، وبنشرف على الاختبارات النهائية، قسم الجودة هنا بيشتغل على التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة لأن أى تفصيلة مهما كانت بسيطة ممكن يكون ليها تأثير مباشر على سلامة الطائرة».
قبل أن نختتم جولتنا داخل الموقع، عدنا إلى المهندس أحمد صابر؛ ليشرح لنا المراحل الزمنية التى تمر بها عملية العمرة المعقدة للطائرات، حيث قال: «عملية العمرة تمر بحوالى عشر مراحل رئيسية تبدأ بمرحلة الاستلام من العميل، تليها مرحلة تفتيش القبول ثم الفك الكامل للطائرة، وبعدها إزالة الدهان ثم التفتيش بنسبة 100 فى المائة لكل الأجزاء، ثم مرحلة الإصلاح تليها الاختبارات ثم إعادة التجميع وبعدها اختبار الأنظمة، وأخيرًا الاختبارات الأرضية والجوية قبل التسليم النهائى، قبل التسليم، الطائرة تخضع لاختبار أرضى صارم يشمل تشغيل المحركات، وفحص الريش بزوايا تشغيل مختلفة، واختبار جميع الأجهزة الإلكترونية والرادارات، بعد ذلك يقوم طيار اختبار متخصص بقيادتها فى رحلة جوية قصيرة للتأكد من كفاءتها فى ظروف الطيران الفعلية، والطيار يجرب المناورات الحادة وأنظمة الهبوط وكل السيناريوهات التشغيلية الممكنة، ثم يوقع على براءة التسليم وقتها فقط تعتبر الطائرة صالحة للخدمة، إحنا بنسلم الطائرة للقوات الجوية وكأنها خارجة من خط إنتاج جديد بالكامل».
وبسؤاله عن المدة الزمنية، أكد أن متوسط الوقت لعمرة طائرة كاملة حوالى سنة واحدة من لحظة دخولها الورشة إلى لحظة خروجها جاهزة، طبعا هذا الرقم قد يتأثر بعوامل مثل توافر قطع الغيار التى نحتاج استيرادها من الخارج لكن بالنسبة لنا الجودة والأمان هما الأولوية المطلقة وليس الوقت، فهذه الطائرات لا تحتمل المجازفة.
بعد أن استوعبنا أسرار العمرة فى المركز الشرقى توجهنا إلى الجانب الآخر من المصنع، حيث يقع مركز العمرة الغربى وكان الاستقبال مختلفًا، وعلى رأس القائمين عليه وقفت مهندسة مصرية شابة تدير المكان بأكمله؛ إنها المهندسة سحر الشحات أحمد، مديرة إدارة تجميع وعمرة الطائرات بالمركز الغربى، وما إن أخبرناها بانبهارنا بوجود سيدة فى هذا الموقع القيادى الحساس حتى ابتسمت وقالت بتواضع وفخر: «عندنا هنا مهندسة جودة أيضًا، لكننى لست مجرد مهندسة، أنا مديرة المكان لا تستغربى فليس هذا بالأمر الجديد علينا».
وأمام طائرات «الجازيل» الفرنسية الصنع وقفت المهندسة سحر لتشرح لنا فلسفة عمل المركز الذى يختلف من حيث التصميم والتقنيات عن نظيره الشرقى قائلة: «هذا المركز مجهز لاستقبال أى طائرة غربية، أى تابعة للاتحاد الأوروبى والدول الغربية، بتصميمها المختلف لدينا اعتماد من شركة «إيرباص» التى تمنحنا ترخيصًا بإجراء أعمال الصيانة الموسعة وفقًا لأحدث المواصفات الأوروبية بدءًا من مستوى الإضاءة ونقاوة الأرضيات وصولًا إلى تفاصيل الأمان».
وأضافت: «حاليًا نعمل على طائرات «الجازيل» التابعة للقوات الجوية المصرية، معنى ذلك أن الطائرة تمر على هذه الورشة كل اثنى عشر عامًا من الخدمة أو بعد كل أربعة آلاف ساعة طيران أيهما يأتى أولًا، وهنا لا نقوم بعمرة كاملة بالمعنى التقليدى لأن محرك هذه الطائرة لا يُعمر فى هذا المكان وكذلك الأجزاء الدوارة، فنحن نجرى ما يُسمى «التفتيش الموسع» أو «عمرة الهيكل». الطائرة تُفك بالكامل ويتم فحص كل جزء فيها بدءًا من الهيكل وصولًا إلى أصغر قطعة فى أنظمة الوقود والهيدروليك والكهرباء واللاسلكى ثم تُعاد تجميعها وكأنها جديدة».
وعن الفرق الجوهرى بين الطائرة الشرقية والغربية من الناحية الهندسية أوضحت المهندسة سحر: «نظرية الطيران واحدة فى كل العالم لكن فلسفة المصمم هى التى تختلف، فالطائرة الشرقية مثل Mi-8 هيكلها بالكامل من المعدن، أما الطائرة الغربية فتصميمها أكثر تنوعًا، فهناك أجزاء من «الفايبر جلاس» وأجزاء أخرى من مادة (Honeycomb) لتخفيف الوزن مع الحفاظ على القوة، هذا يغير طريقة الإصلاح بالكامل؛ ولأن الطرازات تنوعت فى المصنع كان لابد من إنشاء هنغارين: شرقى للطائرات الروسية، وغربى للأوروبية، كل وفقًا لتخصصه».
هذا التكامل العجيب بين الصناعة العسكرية والخدمة المدنية، بين تعمير الطائرات وتعمير الأرض، يكشف عن فلسفة عميقة لهذا الصرح الصناعى العملاق، فمهندسو حلوان لا يصلحون فقط صقور السماء بل يساهمون أيضًا فى بناء حياة كريمة لأبناء الوطن على الأرض، فى كل مواسير غاز تمتد تحت البيوت، وفى كل خط صرف صحى يحمل مياه الصرف الصحى والزراعة هناك بصمة خفية لأيادٍ صنعت المجد فى الجو وصنعت الخير على الأرض.