رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

فى ذكرى تحرير «أغلى أرض».. أمهات الشهداء يروين حكاية «الفخر والصبر»


25-4-2026 | 12:42

.

طباعة
تقرير: منار عصام

فى كل عام، تحل ذكرى عيد تحرير سيناء حاملة معها مشاعر متباينة تسكن وجدان المصريين؛ فرحة باستعادة الأرض، واعتزاز ببطولات سُطّرت بدماء الأبطال، يقابلها حنين لا ينطفئ فى قلوب أسر الشهداء. ففى هذا اليوم، لا تقتصر الحكاية على نصرٍ عسكرى أو إنجازٍ وطنى، بل تمتد لتلامس الجانب الإنسانى العميق، حيث تعيش الأمهات والآباء والأبناء لحظات بين الدموع والفخر، يستعيدون فيها وجوهًا غابت أجسادها وبقيت أرواحها حاضرة فى كل تفصيلة من تفاصيل الحياة.

 
 

ومن بين القلوب الصابرة، تتجسد قصص لا تُحكى بالكلمات فقط، بل تُروى بإيمانٍ راسخ ورضا عميق بقضاء الله، لتبقى تضحيات الشهداء نبراسًا يضيء طريق الوطن، ويؤكد أن سيناء لم تُحرر فقط بالسلاح، بل أيضًا بقلوب آمنت بأن التضحية من أجل الوطن هى أسمى معانى الحياة.

«أنا رايح عشان أستشهد».. نبوءة الشهيد محمود سامي

من بين تلك القصص، تبرز حكاية والدة الشهيد البطل محمود سامى،أحد أبطال القوات المسلحة المصرية، الذى ارتقى دفاعًا عن الوطن فى سيناء، تروى والدته أن البطل الشهيد وُلد فى مكة المكرمة، حيث قضت الأسرة نحو سبع سنوات خارج البلاد، قبل أن تعود إلى القاهرة، ونشأ فى أسرة مكونة من أربعة أبناء ذكور، وكان هو الثالث بينهم، وتميز منذ صغره بالهدوء، وحب مساعدة الآخرين، والإخلاص، إلى جانب التزامه بالصلاة فى المسجد وتحليه بالأخلاق الحميدة. وقد تأثر بتربية والده، الذى كان ضابطًا، وبالقيم الوطنية والإيمانية التى حرصت والدته على غرسها فى أبنائها منذ الصغر، رغم سنوات الغربة، مؤكدة أنها كانت دائمًا تغرس فيهم حب الوطن والحنين للعودة إليه مهما طال البعد.

كان حلم «محمود» منذ صغره الانضمام إلى الجيش والالتحاق بالخدمة العسكرية. وبعد تخرجه فى الجامعة، تقدم فورًا للخدمة العسكرية فى عام 2016، فدعت الأم له بالتوفيق والحفظ.

قضى الشهيد فترة تدريبه فى منطقة دهشور قبل أن ينتقل إلى مدينة الإسماعيلية، حيث كانت والدته تزوره كل جمعة. فى إجازته الأخيرة قبل انتقاله إلى شمال سيناء، طلب «محمود» من أسرته الالتقاء جميعًا لتناول الغداء معًا، وكأنه يودعهم.. قال لوالدته صراحة: «أنا رايح عشان أستشهد». ردت عليه الأم بتشجيع وإيمان: «ربنا هو اللى بيختار، وربنا معاك يا حبيبي»، لتؤكد أن دور الأم هو دعم ابنها وتعزيز شجاعته لا إخافته.

فى آخر مكالماته، أكد أنهم «صاحيين للعناصر التكفيرية» ويحمون أرضهم، وفى ليلة استشهاده، شعرت والدته بثقل على قلبها، فانصرفت إلى الصلاة والقرآن حتى الفجر. وفى لحظة غريبة، تخيلت رؤيته واقفًا أمامها مرتديًا البدلة العسكرية مبتسمًا، ثم صعد إلى الأعلى.

وتقول والدته إنه عندما يحل موعد عيد تحرير سيناء، تتذكر تلك اللحظات الدافئة والأيام السعيدة، فتحاصرها الدموع على عزيز غالٍ فقدته فى عمر الزهور. وفى هذه اللحظة تقرأ له القرآن الكريم وتكثف الدعوات وتزور قبره، جزاء ما قدم، حتى يجمعها الله به فى مستقر رحمته، فالحياة بدونه صعبة وشبه مستحيلة.

استشهد الشهيد محمود سامى فى هجوم على كمين بشمال سيناء، وهو صائم فى يوم 21 رمضان، مصليا الفجر، مدافعًا عن زملائه وعن أرض الوطن. روى زملاؤه أنه حتى اللحظة الأخيرة كان يجر زميلًا مصابًا من قدميه لإنقاذه من أيدى الإرهابيين، حتى أصيب هو بطلقات نارية متعددة.

عند وصول خبر استشهاده، سجدت والدته شاكرة لله، وصلت ركعتين طالبة الصبر والثبات. وفى الجنازة العسكرية المهيبة، قال لها القائد: «ابنك بطل، كان صائمًا، مصليًا الفجر، مدافعًا عن أرضه وعرضه، وربنا اصطفاه بأربعة أشياء يتمناها كل مسلم: الصيام، صلاة الفجر، الدفاع عن الوطن، والشهادة فى 21 رمضان. فافرحى يا أم البطل».

تعرضت الأم لمصيبة أخرى سابقة بوفاة ابنها محمد فى حادث عمل قبل سنوات، لكنها تؤكد رضا الله وقضاءه، قائلة إن «الله أعطاها اثنين فى الجنة أحياء عنده يرزقون، واثنين فى الدنيا يعولانها، واثنين أيتام تربيهما مع والدتهما».

كرمت الدولة المصرية والدة الشهيد محمود سامى عدة مرات كأم مثالية؛ من وزارة التضامن الاجتماعى ومحافظة الجيزة، ومن وزارة الدفاع، وفى مناسبات رسمية بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسى، مؤكدة وقوف أسر الشهداء خلف القيادة السياسية قلبًا وقالبًا.

فى ختام حديثها، عبرت الأم عن رضا كامل وسكينة قلب، قائلة: «أنا مليانة رضا من أول لحظة، وربنا جابر بخاطرى ولن يتركنى، وأجمل ما يمكن قوله هو شكر الله على نعمة الشهادة، وسيناء والوطن يستحقان كل تضحية».

الشهيد العقيد السيد الحجف.. رجل لا يُعوض

فى السياق ذاته، تتحدث داليا الحجف، ابنة الشهيد العقيد السيد أحمد الحجف، أحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة الذين ساهموا فى تحرير سيناء، والذى استشهد فى 22 أكتوبر 1973، عن الفخر الذى يغمر الأسرة بتكريم الرئيس عبد الفتاح السيسى لأسر الشهداء ومصابى الحروب فى ذكرى تحرير سيناء.

كانت داليا فى الخامسة من عمرها تقريباً حين استشهد والدها، الذى قضى معظم حياته العائلية على الجبهة. شارك الشهيد فى حروب 1956 و1967 وحرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973، حيث تولى قيادة عمليات إحدى وحدات الصاعقة، ورئاسة عمليات فى رأس سدر ثم عيون موسى بسيناء. وكان قائداً لكتيبة صاعقة، ومعلماً فى مدرسة الصاعقة، ومن أوائل من حصلوا على الفرقة.

«كان والدى حنوناً جداً».. قالت «داليا» بصوت امتزج فيه الحنين بالفخر، قبل أن تضيف: «كلما نزل إجازة، كان يفسحنا ويحضر لى كل ما أريد، ويحرص على زيارة أهله وجدتى. كان مخلصاً فى كل شيء، باراً بأهله، ويحب الرياضة، خاصة كرة السلة والسباحة»، مشيرة إلى أن الذكريات معه قليلة، فلم يكن لديها سوى صورتين أو ثلاث معه، وأكبرها وهى فى عمر سنتين، بينما ولد شقيقها ولم يرَ والده إلا قليلاً، حيث استشهد والدها وشقيقها فى عمر سنة ونصف السنة.

فى البيت، كان الشهيد الأب الحنون، وفى الوحدة العسكرية كان «الأب الروحي» لضباطه وجنوده. «كان صارماً لكنه طيب جداً، يطبطب عليهم ويوجههم بحكمة وبعد نظر، ويصر على تنفيذ الأوامر لأنها ضرورية».. ويروى الذين عملوا معه أنه كان يعامل مرءوسيه بروح أبوية، رغم شدته فى التدريب والعمليات.

وأضافت الابنة: استشهد أبى ولم أكن تجاوزت 5 سنوات، بينما كان أخى فى المهد فلم يره.. فصمدت أمى أمام كل الصعوبات بمنتهى القوة والحب لذكرى والدى حتى لحقت به بعد أن أطمأنت على زواجى، كم تمنيت يوم زفافى لو كان أبى بجانبى، فالأب هو سند البنت، وحرصت حين أنجبت على تعريف أولادى بدور جدهم وكيف استشهد لنعيش نحن فى أمان، كذلك أحدثهم دوما عن الجيش المصرى ودوره فى حماية الوطن فلولاه ما كنا ننعم بالاستقرار.

وأكدت أن والدها الشهيد العقيد السيد الحجف كان ضمن قوات الصاعقة فى منطقة رأس سدر أثناء حرب أكتوبر، ونجحت فرقته فى التصدى لأحد ألوية العدو أثناء محاولتها السيطرة على منطقة رأس سدر لمنع جيشنا الباسل من العبور لشرق القناة.

أما لحظات استشهاده، فتحمل دلالة عميقة على إصراره وتضحيته من أجل تحرير سيناء. فى 22 أكتوبر 1973، حذره القادة من التوجه إلى المنطقة بسبب كثافة النيران وإغلاق طريق السويس، لكنه أصر على الذهاب لتأمين وصول الإمدادات إلى الجيش الثالث ومنع تقدم العدو. كان صائماً صباح ذلك اليوم، واستشهد إثر إصابته بقنابل من طائرات العدو فى ظهره، قبل وصوله إلى مستشفى السويس. وصيته كانت دائماً الاهتمام بأولاده، وهو ما يؤكد إنسانيته حتى فى أصعب اللحظات.

فى الآونة الأخيرة، حظيت «داليا» بتكريم شخصى من الرئيس عبد الفتاح السيسى لاسم والدها ضمن احتفالات عيد تحرير سيناء، إلى جانب أسر شهداء ومصابى حرب أكتوبر والحرب على الإرهاب. حيث قالت: «هذا التكريم جاء من عند الله، تقديراً لجهود والدى وحبه للوطن، وأنا وأولادى فخورون جداً به، وسيظل محفوراً فى قلوبنا إلى الأبد»، معربة عن سعادتها برؤية مصابى حرب أكتوبر يُكرمون لأول مرة بعد عقود، معتبرة أن اهتمام الرئيس بالشهداء ومصابى الحروب والإرهاب اهتمام حقيقى ومختلف، يبعث على الفخر والاعتزاز، خاصة فى ذكرى تحرير سيناء.

وأوضحت «داليا» أن والدتها كانت تحكى لها دائماً عن والدها بأنه «رجل لا يُعوض»، يجمع بين الإنسانية البالغة والأخلاق والإخلاص والحنية تجاه أسرته وزوجته.

«قلبى وربى راضيين عليك»

يمثل عيد تحرير سيناء بالنسبة للسيدة «أمل»، يوما تستعيد فيه الذكريات، فهى والدة الشهيد البطل الرقيب أول إبراهيم عبد الشافى الوليلى، الذى استشهد دفاعًا عن الوطن فى مواجهة الإرهاب بسيناء، تاركًا إرثًا خالدًا من التضحية والأخلاق الرفيعة.

بدأت «أمل» حديثها، بقلب أم مفعم بالفخر والصبر، قائلة: «أشكر الله تعالى على اختيارنا لأن نكون من أسر الشهداء»، وهى تروى تفاصيل تربيتها لابنها الشهيد، الذى كان -منذ صغره- نموذجًا للنظام والنظافة والأدب. وصفته بأنه «طفل منظم منذ الحضانة، لا يعبث بملابسه أو أغراضه، ويتميز بحلاوة الروح والخلق الطيب الذى خُلق له»، رغم مخاوفها الدائمة عليه، خاصة بعد خضوعها لعملية جراحية فى القلب وهو فى سن الثالثة تقريبًا، إلا أنها كانت تثق فى الله وفى تربيته التى اعتمدت على المبادئ والخوف على سلامته.

أكدت «أمل» أن ابنها كان خدومًا محبًا للناس، يُحب ويساعد الجميع دون تمييز، وكان زملاؤه فى العمل يشهدون له بالأمانة والطيبة. وروت كيف كان يوصيها دائمًا بالدعاء له، وفى آخر إجازة له قبل الاستشهاد، طلب منها الدعاء بإلحاح، فردت عليه بقلب مطمئن: «قلبى وربى راضيين عليك ليوم الدين».

لم تتغير معاملة «أمل» لزوجة ابنها بعد استشهاده؛ بل ظلت كما هى، محافظة على العلاقة الطيبة والاحترام، مؤكدة أنها لم تتأثر بما يُشاع أحيانًا عن خلافات الحماة والكنة، فهى «تضع زوجة ابنها على رأسها»، وترى فى حفيديها -آسر وآدم- عوضًا وسندًا بعد فقدان ابنها. وأشارت إلى أن الطفل آدم، الذى كان صغيرًا جدًا عند استشهاد والده، يتأثر بغيابه، ويبكى كثيرًا متذكرًا «بابا».

وعبرت الأم عن فخرها الكبير بابنها الذى ضحى بروحه من أجل أمن سيناء والوطن، مؤكدة أن مصر «أم الدنيا» وسيناء الغالية تستحقان كل تضحية، ومشيدة بتكريم الدولة وجهاتها المعنية لأسر الشهداء، وبالرئيس الذى يتذكر أسر الشهداء ويجبر بخاطرهم، خاصة فى ذكرى تحرير سيناء، معتبرة ذلك مصدر عزاء وفخر.

    كلمات البحث
  • ذكرى
  • تحرير
  • سيناء
  • أسر
  • الشهداء

أخبار الساعة

الاكثر قراءة