نستكمل اليوم شرح خريطة الطريق المرحلية للنجاة عربيا، من الوعى إلى الاتحاد الكونفدرالى، وكنا شرحنا فى المقال السابق الأدوات العاجلة ومدتها ثلاث سنوات، ونشرح اليوم أدوات المرحلة المتوسطة، وهى من ثلاث إلى سبع سنوات، ثم استراتيجية مدتها من 7 إلى 15 سنة، وننتهى بذكر استهلالى عن ملامح الانهيار البنيوى فى المشروع الصهيونى، وهى سلسلة مقالات تركز على ملامح هذا الانهيار، واعتلال الكيان، ونمو عوامل انهياره من الداخل.
بداية نواصل ملامح الخطة من 3 إلى 7 سنوات، وتكون بتأسيس المؤسسات التقنية وبناء التشابك المصلحى، وعمل الإصلاحات المؤسسية، وبناء اللوبى العربى، وإنشاء مفوضيات إقليمية مستقلة، والبدء فى إصلاحات مؤسسية وطنية، وبناء لوبى عربى محترف فى العواصم الكبرى، وإنشاء الهيئة الإقليمية للمياه والطاقة، ومركز الأمن الغذائى المشترك، وبدء بناء مشاريع بنية تحتية عابرة للحدود، وإقرار قوانين وطنية للوصول إلى المعلومات ومكافحة الفساد، وتوقيع مذكرات تفاهم أمنية، وإنشاء آلية تنسيق أمنى لدول البحر الأحمر، وتدريب كوادر متخصصة فى الضغط والعلاقات العامة الدولية.
أما الاستراتيجية المقترحة من 7 إلى 15 سنة فتشمل تطبيق السيادة المشتركة والمؤسسة الإقليمية الجامعة، وتأسيس دولة القانون الراسخة للوصول إلى الاتحاد الكونفدرالى، أو المنظومة التكاملية لحماية الدولة الوطنية، وترسيخ دولة القانون، وتحييد المشاريع الخارجية العدائية، وتطوير ميثاق أمنى واقتصادى مشترك، وإنشاء برلمان إقليمى استشارى، ومحكمة عدل إقليمية، وتوحيد السياسات تدريجيا، وبناء تحالفات استراتيجية مع قوى مثل الصين وروسيا، لموازنة الضغوط، واستمرار تطوير المؤسسات الوطنية.
خلاصة القول، إن الدولة القوية عماد الاتحاد القوى، والوعى والتنظيم درع الأمة العربية، والاستقلال الحقيقى هو أن تمتلك الأمة العربية عقلا مؤسسيا، يدافع عن مصالحها فى واشنطن، فى مواجهة آلات ضغط مثل (إيباك)، وكذلك امتلاك الأمة لأذرع تقنية تربط مصالحها بجيرانها، وقاعدة صناعية تحررها من الريع، وسيادة تقنية توحد لغتها التقنية، وتمويلا ذاتيا يضمن استقلالية قرارها، ودبلوماسية حضرية تبنى جسورا ميدانية، وسردية شعبوية تحظى بحماية شعبية واسعة، ورواية تاريخية تكشف زيف أكاذيب التطرف المنسوب إلينا زورا، ومنهجا روحيا مستمدا من النموذج النبوى، والتصوف الأصيل المستمد منه، لبناء إنسان متوازن قادر على العطاء والتحرر.
والخلاصة الجيوسياسية تؤكد أن ما نشهده اليوم من مشروع التحالف السداسى الصهيونى، والذى يصفه المحللون بأنه عالم خيالى، ومن تمدد إسرائيلى فى القرن الإفريقى، عبر الاعتراف بأرض الصومال، واستغلال أزمة سد النهضة الإثيوبى، ومن آليات ضغط مؤسسة (إيباك)، لإعادة تشكيل السياسة الأمريكية، كلها أمور تشكل تحديا وجوديا للأمن القومى العربى والإسلامى.
ولكن فى الوقت نفسه، نحن نشهد تحولا فى الرأى العام الغربى، ورفضا متزايدا للسياسات الإسرائيلية العنصرية، وتحركات عربية مضادة مثل التحالف المصرى – السعودى – الصومالى لمواجهة التمدد الإسرائيلى فى البحر الأحمر، وهذا الانقسام الدولى الراهن، وضعف صورة إسرائيل دوليا، فرصة استراتيجية يجب استثمارها.
والخلاصة الروحية، أن الخيار الوحيد الناجز هو الاعتماد على الذات، والمؤسسات، وبناء تحالفات إقليمية دفاعية، قائمة على المصالح المشتركة، وإقامة الدولة العادلة القوية بمؤسساتها وشعبها فى كل الأقطار العربية، الراسخة بمؤسساتها، ورواياتها الصادقة، ومنهجها الروحى الأصيل، المستمد من السيرة النبوية والتى هى (أعظم تصميم لبناء الإنسان)، وهى وحدها القادرة على الالتزام باتفاقيات إقليمية وتنفيذها، والتصدى للمشاريع العدائية الخارجية.
الطريق يبدأ بخطوات صغيرة مثل توحيد صفوفنا، استثمار أموال مغتربينا فى صناديق سيادة وطنية، استلهام النموذج النبوى فى التزكية والتحرر، وبناء تحالفات إقليمية دفاعية لمواجهة التحديات فى القرن الإفريقى.
معركتنا هى معركة وعى بامتياز، وعى وتنظيم، والوعى الشعبى هو الدرع التى تحمى الأمة من السقوط فى فخاخ الأحلاف المشبوهة، والتى يصفها محللون بأنها مجرد (فقاعات إعلامية).
إن التحالفات المصطنعة فى منطقتنا، سقطت عند أول محك عملى، وتبين لكل ذى عينين أن إسرائيل لن تتوقف أو تمتنع عن ممارسة مؤامراتها ضد الدول العربية، فهى تعيش فى أوهام القوة والسيطرة على المنطقة كلها، والمخططات قديمة قدم إنشاء دولة الاحتلال، وقبل ذلك بكثير، وقد تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعى خريطة يقال إنها منذ الستينات، تظهر أن دولة الاحتلال ومن ورائها الدول الاستعمارية الغربية تسعى للسيطرة على النفط الإيرانى وغيره من دول المنطقة، فالأمر معد له مسبقا، وليس وليد اليوم، ولذلك سوف أبدأ من المقال المقبل فى سلسلة مقالات عن (الانهيار الوجودى فى بنية المشروع الصهيونى)، لأنه ثمة إجماعاً بين مدارس فكرية تبدو للوهلة الأولى متنافرة، ولكن يجمعها تشخيص واحد، وهو أن المجتمع الصهيونى وكما تشكل تاريخيا وواقعيا، يعانى اليوم من علل بنيوية تتجاوز كونه مجرد (دولة لها سياسات خاطئة)، لتصل إلى حد وصفه (بالنموذج السياسى المعتل)، وهو اعتلال لا يرصده فقط خصوم المشروع سياسيا، بل يرصده من الداخل مفكرون يهود كبار حملوا هموم الضمير اليهودى الكونى، ورصده من الخارج فلاسفة ونقاد فى تفكيك الخطاب الاستعمارى، ورصده حتى مهندسو الدولة البيروقراطية من زاوية (الانهيار الوظيفى)، وما يجمع هؤلاء جميعا على تباين انتماءاتهم ومناهجهم، هو أنهم يلتقون عند تشخيص اعتلال بنيوى لا يمكن علاجه بإصلاحات تجميلية، بل يتطلب تفكيكا جذريا لأسس المشروع الصهيونى ذاته، وشرح ذلك بالتفصيل فى المقالات القادمة.