ورغم إصدار جامعة عين شمس بيانًا بعد ضبط المتهم، نفت فيه أى صلة حالية أو سابقة له بعضوية هيئة التدريس أو العمل الطبى أو الأكاديمى داخل الجامعة، وأن انتحال صفة طبيب منسوب لها تم بمحررات مزورة، لا علاقة لجامعة عين شمس بها، إلا أن واقعة الطبيب المزيف وليد الغنيمى جددت حالة الخوف والقلق على مهنة الطب، وطالبت لجنة الصحة بمجلس النواب على أثرها بتشديد الرقابة على العيادات والمنشآت الطبية.
الدكتور فايد غالب، رئيس نادى أعضاء هيئة التدريس جامعة عين شمس، أعرب عن غضبه الشديد من واقعة انتحال الطبيب المزيف لصفة عضو هيئة تدريس بكلية طب عين شمس، قائلاً: هذه الواقعة لا تُنقص من قدر الجامعة ولا كلية الطب فيها، فالتزوير تم بعيدًا عنها ولم يطال اسمها وحدها، بل طال أيضًا اسم نقابة الأطباء ووزارة الصحة بمحررات مزيفة، كما أن جرائم التزوير موجودة ومتكررة فى عدد من القطاعات والمهن الأخرى، وكشوف أسماء وبيانات أعضاء هيئة التدريس بكليات الجامعة والموجودة فى النادى، لا تتضمن اسم المتهم تحت أى صفة وظيفية أو أكاديمية داخل كلية الطب.
هذا وقد اطلعت «المصور» على دليل تليفونات وعناوين أعضاء هيئة التدريس بكلية طب عين شمس والصادر عام 2000، وتبين عدم ورود اسم وليد مسعود الغنيمى تحت أى صفة وظيفية من مدرس مساعد وحتى أستاذ، سواء بقسم جراحة القلب والصدر، أو قسم القلب والأوعية الدموية.
وليد الغنيمى، المتهم بانتحال صفة طبيب والمفصول من كلية الألسن بجامعة عين شمس، قالت عنه الدكتورة يمنى صفوت القائم بأعمال عميد الكلية، لم أسمع من قبل عن اسمه داخل الكلية وأنا خريجة عام 1999، لم يمر هذا الاسم على فى البدايات وأنا طالبة أو حتى معيدة، ولكى نتوصل إلى تاريخ فصله من الكلية وهو طالب، يتعين تحديد سنة التحاقه بالكلية، والقسم الذى درس فيه.
مصادر بقطاع التعليم والطلاب بجامعة عين شمس، أكدت احتفاظ الجامعة ببيانات خريجيها فقط منذ إنشائها عام 1950، بينما بيانات الطلبة المفصولين التى انتهت علاقتهم بالجامعة لا داعى للاحتفاظ بها ويتم التخلص منها خلال 5 سنوات من واقعة الفصل، وهو إجراء معمول به فى الجامعات المصرية.
الدكتور عبدالمعطى صالح، أستاذ اللغة العربية المتفرغ بكلية الألسن، شدد على أن كلية الألسن لا علاقة لها بأن أحد طلابها المفصولين منذ سنوات طويلة، تم القبض عليه بتهمة انتحال صفة طبيب، مرجحًا أن يكون وليد الغنيمى كان طالبًا متفوقًا فى الثانوية العامة بشعبة علمى علوم، فشل فى الالتحاق بكلية الطب، ووجهه مكتب التنسيق نحو الألسن وبعد فشله وفصله من الكلية، أراد أن يحقق رغبته فى ممارسة الطب، ولكن بالتزوير والتزييف، وقصته تشبه قصصًا كثيرة تناولتها الأفلام والدراما المصرية.
مسودة الحكم بالقبض على وليد الغنيمى ورد فيها تملكه لشركة أدوية، وفى هذا الصدد قال الدكتور محمد عباس رئيس مجلس إدارة إحدى شركات الدواء الخاصة، ليس شرطًا أن يكون صاحب شركة الأدوية طبيبًا أو صيدليًا، فهناك مهندسون وتجاريون وزراعيون رؤساء لعدد من شركات الأدوية، ويتعين على الجهات المعنية مراجعة ملفات ومراقبة خطوط إنتاج شركة المتهم بالتزوير، ووجه «عباس» سؤاله للمتعاملين مع وليد الغنيمي، كيف تمكن من النصب عليكم طيلة هذه السنوات دون أن تكشفوه وتكشفوا لغته ومصطلحاته وروشتاته، وأين كانت نقابة الأطباء وإدارة العلاج الحر بوزارة الصحة من عيادته؟.
ولكى يكتمل مشهد البحث عن الحقيقة، كان لا بد من الذهاب لمسرح «التزييف والتزوير»، العمارة التى شهدت لسنوات صعود ونزول وليد مسعود الغنيمى إلى الشقة التى اتخذ منها عيادة طبية للكشف على ضحاياه من المرضى، تحت ستار أستاذ جراحات القلب بكلية طب جامعة عين شمس، وامتلأت جدران العيادة بالشهادات المزورة ما بين شهادة تخرج فى طب عين شمس، وترخيص فتح العيادة من إدارة العلاج بوزارة الصحة، وترخيص مزاولة المهنة من نقابة الأطباء.
العمارة التى اختارها « الغنيمى» بعناية تضم عددا كبيرا من العيادات فى مختلف التخصصات الطبية، وتبعد خطوات عن مول البستان التجارى الشهير وقرابة 300 متر عن ميدان التحرير، وبالتحديد فى 11 ميدان الفلكى، أحد أهم ميادين القاهرة، وفى منطقة باب اللوق التى تشتهر بنجوم الطب المصرى، وتحمل اسم عمارة بدراوى، تتكون من 13 طابقا، وعلى رأس عياداتها الطبية، أساتذة كبار فى قصر العينى، وطب عين شمس، والمفاجأة أن عددا منهم أساتذة واستشاريون ذائعو الصيت فى نفس التخصص الذى اتخذه وليد الغنيمى لعلاج ضحاياه، من أمراض القلب والأوعية الدموية، مثل الدكتور حسام قنديل أستاذ القلب والأوعية الدموية بطب القاهرة، والدكتور إيهاب محمد عطية أستاذ القلب بطب عين شمس.
«المصور» التقت حارس العقار «عبده الريس»، للتعرف عن قرب على وليد الغنيمى وعلاقته به وكيف ومتى فتح عيادته بعمارة بدراوى، وكيف استقبل خبر القبض على الغنيمى والإعلان عن كونه طبيبا مزيفا.
المفاجأة كانت فيما قاله حارس العقار، ذلك الرجل الستينى البسيط، الودود فى كلامه، والقادم من قرية باسوس بمدينة القناطر الخيرية، وبدأ كلامه بـ«أنا مش مصدق نفسى ومش مصدق اللى حصل من ساعة ما عرفت بخبر القبض على الدكتور وليد الغنيمى»، قلت له: ولكنه ليس طبيبا، فبدت عليه علامات الدهشة، وأكمل حديثه، «إزاى مش دكتور، وهو كشف على ووصف دواء ارتحت عليه، ولم يأخذ منى ثمن الكشف، ودفع للصيدلية ثمن الأدوية اللى فى الروشتة، وعندما قصدته فى بعض أقربائي، لم يمانع فى الكشف عليهم ووصف الدواء المناسب، وكان ذلك قبل سنوات، والحمد لله الشفاء جاء على إيديه».
يضيف «عم عبده»، عيادة «الغنيمي» كانت ممتلئة بالزبائن، ومن كافة طبقات المجتمع، ناس بسيطة وناس غنية، ومنهم ناس مسئولة كانوا يأتون بحراساتهم، ويصعدون للكشف عند الدكتور وليد الغنيمى، وبعدها يقوم هو بنفسه باصطحابهم فى الأسانسير وتوديعهم عند باب السيارة، ويقسم «الريس» بالله، بأن الغنيمى كان كريما سخيا، وكثير من المرضى غير المقتدرين، لم يأخذ منهم ثمن الكشف، وكنت بشوف ده بنفسى فى عيون الناس اللى نازلة من عيادته، تدعو له بالخير ومحبة الناس، وكان بيكشف بجهاز السونار وجهاز آخر لقياس كفاءة عضلة القلب بمجهود وغير مجهود، وغير صحيح أنه أجرى عمليات جراحية داخل تلك العيادة.
سألنا حارس العقار عن الشقة التى اتخذ منها «الغنيمى» عيادة طبية، فأجاب، كانت تقع فى الطابق الثانى من العمارة على مساحة 140 مترا، وتتكون من 3 غرف كبيرة وصالة كبيرة جدا، بخلاف المطبخ والحمام، وقد أستأجرها عام 2015 بخمسة آلاف جنيه شهريًا فى ذلك الوقت، وبقى بها قرابة 6 سنوات، ثم أغلقها ورحل عن العمارة منذ خمس سنوات تقريبا، ولم أره منذ أغلق عيادته، وقد تم إيجارها لآخرين غيره فيما بعد.
آخر قيمة إيجارية لشقة «الغنيمى» قبل تركها حسب ما أكد حارس العقار، كانت فى حدود 8 آلاف جنيه، وآخر قيمة للكشف كانت 800 جنيه، وكان له مكتب فى عمارة اللواء بباب اللوق فى نشاط تجارى وليس طبيًا، وسمعت أن له شقة فى منطقة النزهة بمصر الجديدة، وأنه يسكن فى التجمع الخامس.
وعن ظروف استئجار «الغنيمى» للعيادة الطبية، قال الريس: «ذات يوم كانت سيدة تكشف عند الدكتور محسن سليمان أستاذ الأمراض الجلدية بقصر العينى، وكانت عيادته فى العمارة، وبعد ما نزلت، ألقت السلام على وعرفت نفسها بأنها دكتورة ولكنى نسيت اسمها، ولا أعرف هى دكتورة فى إيه، قائلة إن زوجها طبيب قلب عنده عيادة فى فيصل منذ 7 سنوات وعايز يفتح عيادة فى باب اللوق، فهل فى عيادة متوفرة فى تلك العمارة أو غيرها فى المنطقة، فأجبتها بأنه بالفعل فى شقة فاضية فى الدور الثاني، وجاءت فى اليوم التالى هى وزوجها الدكتور وليد الغنيمى، والتقوا بصاحب العمارة وحرروا معه عقد الإيجار، وجهزوا العيادة بشكل كويس، واشتغلت بالفعل وكانت البداية بزبائن الدكتور من عيادة فيصل، وبعد ما أغلق عيادته وترك العمارة، كان فى مرضى يأتون له خصيصا ويسألون عن عيادته الجديدة، وكنت أرد عليهم للأسف معرفش».
سألنا حارس العقار عن علاقة وليد الغنيمى بكبار الأطباء وأصحاب العيادات فى العمارة، فقال: «أنا شغال هنا من زمان، وما لاحظته على طبيعة الدكاترة، أن كل واحد فى حاله، ويمكن ميعرفوش بعض وفى اللى مواعيد عيادته بالليل، ومنهم اللى بالنهار، وعدد آخر بعد الظهر، وبعد العصر، والدكتور وليد الغنيمى كانت مواعيده متأخرة فى المساء، وقد تمتد للفجر، ورغم كل اللى اتقال عن الدكتور وليد الغنيمى والقبض عليه، بس الراجل ده مش هنساه، كفاية معاملته الحلوة معايا ومع الناس البسيطة، ولسه لغاية دلوقتى ماشى على الدواء اللى وصفه لى عند اللزوم، رغم إنى مشفتوش من أربع أو خمس سنين».
وبعد البحث والتحرى عن شقة الغنيمى فى منطقة النزهة بمصر الجديدة، وصلنا إلى العقار الكائن فى شارع عبدالله أبوالسعود، بالقرب من ميدان سانت فاتيما، مبنى سكنى عادى لا يحتوى على عيادات طبية أو مكاتب إدارية أو تجارية، ولكن لم يعرفه أحد من الجيران.