رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

إنه صيف «النينيو» يا سادة


12-6-2026 | 15:31

.

طباعة
بقلـم: محمد الحنفى

يبدو أن العالم يقف على شفا حفرة من نار صيفٍ أشد قيظاً من سابقيه.. صيف يهدد بمزيد من الظواهر الطبيعية المتناقضة.. ما بين جفاف يهدد بتلف المحاصيل الزراعية وأمطار غزيرة وسيول وفيضانات.. وبين ذوبان ثلوج واندلاع حرائق تطال الأشجار والنباتات وتنذر بنفوق كثير من الحيوانات والطيور.. ناهيك عن فاتورة اقتصادية باهظة قد تتحملها الشعوب قبل الحكومات.. إنه صيف «النينيو» يا سادة .

 

حسناً فعل الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، حين استشهد خلال المؤتمر الصحفى الحكومى الأسبوعى بتصريحات سكرتير عام الأمم المتحدة بأن العالم سوف يشهد خلال فترة الصيف ظاهرة «النينيو» التى ستؤدى إلى ارتفاعات كبيرة جدًا بدرجات الحرارة فى مناطق مختلفة من العالم”.

الأمر الذى يستوجب استعدادات الحكومة لمواجهة التحدى الضخم بتأمين احتياجات المواطنين من الكهرباء والطاقة خلال فصل الصيف، الذى وصفه بـ«الاستثنائي» فى معدلات درجات الحرارة، التى تعنى «استهلاكاً أكبر بكثير من المعدلات الاعتيادية» على صعيد الطاقة والكهرباء.

ومن سوء طالع «الحكومة» أنها تواجه «تحديا مزدوجا» هذا الصيف مقارنة بالعام الماضي.. تحدياً يتزامن فيه ارتفاع كبير بدرجات الحرارة مع الزيادات الحالية فى الأسعار العالمية للطاقة خاصة البترول والغاز، الأمر الذى يضع الدولة أمام «فاتورة» كبيرة لتدبير الاعتمادات المطلوبة.

أعود للحديث عن ظاهرة «النينيو» المناخية التى ستضرب العالم هذا الصيف خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس 2026، مع احتمالات استمرارها حتى نهاية العام بنسبة تتجاوز الـ90 فى المائة، والتى بدأت بوادرها بالفعل منذ منتصف شهر مايو الماضى.

هذه الظاهرة التى تتكرر على فترات زمنية ربما تكون الأكثر تأثيراً على الأحوال الجوية، وأيضاً الأكثر ضرراً على مناحى وقطاعات الحياة المختلفة، والتى ربما تتخطى فيها درجات الحرارة من الـ50 مئوية معظم فترات النهار مع تحذيرات خبراء الطقس من أن «نينيو» هذا العام ستكون أكثر حدة عن سابقاتها.

هذه الظاهرة التى تحدث نتيجة ارتفاع درجات حرارة المياه السطحية فى المناطق الاستوائية من المحيط الهادئ، ما تؤدى إلى تغيرات واسعة فى حركة الرياح وأنماط الأمطار ودرجات الحرارة فى مناطق مختلفة، سبق أن ضربت موجاتها العالم فى سنوات 1982 ـ1983، و1997 ـ 1998، و2015-2016، و2023-2024 وهى موجات قوية تعرضت خلالها مناطق واسعة من القارة الأرضية لارتفاع غير مسبوق فى درجات الحرارة، وأمطار غزيرة وفيضانات مدمرة وجفاف شديد وحرائق غابات واسعة فى جنوب شرق آسيا، وأجزاء من أمريكا الجنوبية، ومن ثم ألحقت بالعديد من دول العالم خسائر اقتصادية فادحة.

ما يهمنا فى هذه الظاهرة أن علماء المناخ يتوقعون تسجيل درجات حرارة قياسية فى العديد من الدول ومن بينها مصر، خاصة فى مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبالتالى ستؤدى زيادة حدة موجات الحر إلى ارتفاع كبير فى معدلات استهلاك الكهرباء والمياه، كما ستؤثر سلباً على الإنتاج الزراعى وأسعار الغذاء والطاقة.

إن من أخطر تداعيات تلك الموجة الحرارية النينيوية المتطرفة، تعرض الأمن الغذائى العالمى للخطر نتيجة إصابة بعض المناطق بالجفاف الشديد ونقص ملحوظ فى الموارد المائية، الأمر الذى يؤثر على الزراعة وإنتاج الغذاء والطاقة الكهرومائية، ما ينتج عنه اضطراب الإنتاج الزراعي، بسبب تغير أنماط الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، وكلاهما يؤثر على المحاصيل الزراعية، مما سيؤدى إلى ارتفاع محتمل وكبيرفى أسعار الغذاء، ناهيك عن تعطيل بعض سلاسل التوريد وزيادة تكاليف الإنتاج نتيجة تأثر قطاعات الطاقة والنقل والتجارة العالمية بشدة الحرارة.

قد يرى البعض أن مصر بمنأى عن التأثر بهذه الظاهرة على خلفية بُعدها عن المحيط الهادى الذى تنبعث من سطح مياهه الساخنة موجات النينيو، ولا داعى لتهويل الأمر، لكن رد خبراء المناخ على هؤلاء جاء حاسماً وقاطعاً، إذ قالوا إنه رغم بُعدنا الجغرافى عن مناطق نشأة الظاهرة فى المحيط الهادي، إلا أننا معرضون لتداعياتها غير المباشرة، بدليل ما تشهده البلاد من موجات حر تفوق معدلاتها الطبيعية وتبدو أكثر شدة وتستمر لفترات أطول، وما يترتب على ذلك من ضغوطات كبيرة على الموارد المائية وقطاعات الزراعة والطاقة.

لهذا يُحسب لمصر أنها قطعت خطوات مهمة خلال السنوات الماضية فى طرق مواجهة التغيرات المناخية، عبر تنفيذ مشروعات قومية ضخمة تخدم مجالات المياه والزراعة والطاقة النظيفة.

وفى هذا السياق نذكر للدولة المصرية تعزيزها أنظمة الإنذار المبكر لمواجهة الظواهر الجوية المتطرفة مثل النينيو، وتطوير قدراتها على الرصد والتنبؤ المناخي، حتى تتمكن الجهات المختصة من اتخاذ التدابير اللازمة قبل وقوع الأزمات.

ويُحسب للدولة أيضا إدراكها المبكر للأضرار المتوقعة بالقطاع الزراعى باعتباره أكثر القطاعات عُرضة لتداعيات النينيو، فموجات الحرارة المرتفعة تؤدى إلى زيادة احتياجات المحاصيل للمياه، ناهيك عن تراجع إنتاجية بعض المحاصيل الاستراتيجية، فضلًا عن زيادة معدلات انتشار الآفات والأمراض الزراعية، الأمر الذى ينعكس على حجم الإنتاج الزراعى وارتفاع أسعار الغذاء.

لهذه الأسباب توجهت الدولة نحو التوسع فى زراعة المحاصيل الزراعية المقاومة للحرارة والجفاف، فضلاً عن الزراعات المحمية وتعديل مواعيد الزراعة، بما يتناسب مع التغيرات المناخية الجديدة، ويُحمد لها حرصها على تقديم الدعم الفنى للمزارعين وإرشادهم لسبل التكيف مع الظروف الجديدة.

ولأن قطاع الموارد المائية فى مصر يُعد واحداً من القطاعات المهمة التى تواجه تحدياً رهيباً وتتأثر سلباً بارتفاع درجات الحرارة، حيث تؤدى إلى زيادة معدلات البخر من المسطحات المائية وشبكات الري، ما يزيد الطلب على المياه فى مختلف الاستخدامات الزراعية والمنزلية والصناعية، فقد أحسنت القيادة السياسية صُنعاً عندما توسعت فى المشروعات القومية المعنية بإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وتحلية مياه البحر، وتحديث شبكات الرى وتبطين الترع للحد من الفاقد وترشيد الاستهلاك فضلاً عن اهتمامها ببرامج ترشيد الاستهلاك لمواجهة أى ضغوط إضافية على الموارد المائية.

كما أولت الدولة عناية فائقة برفع كفاءة الشبكات الكهربائية والتوسع فى مشروعات الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، لضمان استقرار الإمدادات خلال فترات ذروة ارتفاع درجات الحرارة، والتى تؤدى عادة إلى زيادة الطلب على الكهرباء.

وفى الختام أقول.. علينا أن نتحمل «رزالة» هذا الصيف بحره الشديد وتأثيراته السلبية على كثير من القطاعات الحيوية، وما يترتب عليها من ارتفاع جديد متوقع فى أسعار السلع الغذائية والمحاصيل الزراعية خاصة الخضروات والفاكهة، وكان الله فى عون الحكومة التى كُتب عليها أن تواجه تحدياً مزدوجاً، يتزامن فيه الارتفاع الكبير فى درجات الحرارة مع الزيادات الحالية بالأسعار العالمية، للطاقة خاصة البترول والغاز، ومن ثم عليها أن تتحمل «فاتورة» كبيرة لتدبير الاعتمادات المطلوبة، وكل ما أرجوه أن يتم تدبيرها بعيداً عن جيوب «الغلابة»!.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة