رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انهيار المشروع الصهيونى (7)


12-6-2026 | 15:31

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

توقفنا فى المقال السابق عند ملاحظة مهمة، ألا وهى أن الاعتلال البنيوى الذى طال المشروع الصهيونى تحول إلى كيان متهم أمام محكمة التاريخ والضمير العالمى، ونواصل فضح المشروع الذى أصبح عبئا على أصحابه، قبل أن يصبح عبئا على المنطقة والعالم الحر !

 

 

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى، فالصهيونى الوظيفى الذى كرّس حياته للدفاع عن شرعية الكيان وتجميل صورته، يجد نفسه اليوم بفعل هذه التقارير القانونية، فى موقع المدافع عن نظام فصل عنصرى (أبارتهايد) مدان دوليا، وإن وظيفته التى كان يؤديها بفخر أى تبريرالوضع القائم ووصفه بأنه طبيعى وديمقراطى، قد أصبحت وظيفته الدفاع عن جريمة ضد الإنسانية، وهذا يفسر الهياج والعنف اللفظى والمؤسساتى الذى تمارسه اللوبيات الصهيونية ضد هذه المنظمات الحقوقية، فالتوصيف القانونى يهدد ليس فقط صورة الكيان الصهيونى بل شرعيته الوجودية برمتها.

وهنا ننتقل إلى الفصل الرابع، ونعنى به آليات الداعمين الوظيفيين، وتشريح النظام العالمى الحامى للكيان، لأنه لا يكتمل تحليل المجتمع المريض دون تفكيك آليات الإفلات من العقاب والدعم الذى يمنحه الحياة، حيث يجمع هؤلاء المفكرون على أن الداعمين ليسوا أفرادا عشوائيين، بل نظام عالمى هرمى من الصهاينة الوظيفيين الذين يؤدون أدوارا محددة ومتكاملة فى إدامة هذا الاعتلال البنيوى وحمايته من المساءلة.

البداية بالطبقة العليا، وهى القوة الإمبريالية الكبرى ممثلة فى الولايات المتحدة الأمريكية، كما حلل تشومسكى بعمق، فإن هذه القوة ترى إسرائيل (حاملة طائرات لا تغرق)، و(أصولا استراتيجية) فى المنطقة، فالصهيونى الوظيفى هنا هو السياسى أو البيروقراطى الغربى الذى يروج لفكرة أن استقرار المنطقة مرهون بقوة إسرائيل، وهو بذلك يشرعن تبعية المنطقة للمركز الاستعمارى، مع الدعم العسكرى والمالى اللامحدود، وحق النقض (الفيتو) فى مجلس الأمن، إنه شريان الحياة الذى يسمح للكيان بتجاوز القانون الدولى والاستمرار فى سياساته دون مساءلة جدية.

وتأتى الطبقة الثانية، ونعنى بها اللوبى المنظم (إيباك)، هذا هو الصهيونى الوظيفى من النوع السياسى والمالى، هو الجدار الصد الذى يمنع أى ضغط حقيقى على إسرائيل، محولا واشنطن إلى ساحة لتقديم الولاءات لا لصنع السياسات العادلة، فقوة هذا اللوبى لا تكمن فى المال فقط، والذى يضخه فى الحملات الانتخابية، بل فى قدرته على تحديد مسارات الحياة السياسية للسياسيين الأمريكيين، فمنْ يدعم إسرائيل يكافأ، ومنْ ينتقدها يعاقب انتخابيا، هذا النظام القمعي كما يصفه (تشومسكى، وإيلان بابي) يحول دون أى سلام عادل، ويضمن استمرار (الاعتلال البنيوي) دون إصلاح.

أما الطبقة الثالثة، فتتمثل فى اليسار العربى المتواطئ، هذا هو الصهيونى الوظيفى من النوع الثقافى والنفسى، الذى حللناه سابقا من خلال (إدوارد سعيد وفرانتز فانون)، هو ذلك المثقف التقدمى الذى ينتفض لأقليات العالم وحقوق السود والمهمشين فى بلاده، لكنه يصاب بخرس غريب وانسداد أخلاقى حين يتعلق الأمر بفلسطين، هو يؤدى وظيفة صناعة تمجيد (الواحة الديمقراطية) فى قلب الصحراء العربية المتخلفة، هذا التواطؤ هو الأكثر إيلاما لأنه يأتى من جهات يفترض أن تكون حاملة لواء العدالة وحقوق الإنسان، مما يمنح الاحتلال غطاء أخلاقيا زائفا ويحرم الفلسطينيين من دعم طبيعى كان ينبغى أن يحصلوا عليه من التيارات التقدمية فى العالم.

مع ملاحظة مهمة أن الطبقة السابقة ليست كتلة واحدة جامدة، فهناك من أفراد تيار اليسار العربى منْ اتخذ الموقف الصواب وعارض المشروع الصهيونى، ورآه خطرا على المنطقة والعالم.

ونأتى للطبقة الرابعة، وهم المتدينون الصهاينة (التمهيد لفضح المسيحية الصهيونية)، هذا هو الصهيونى الوظيفى من النوع اللاهوتى، وسنعود إليه بتفصيل أعمق فى فصل لاحق لنفضح زيف هذا التحالف وخبثه، مسيحيون إنجيليون ينتظرون معركة (هرمجدون)، والتى يعتقدون أنها ستقع فى فلسطين، وستؤدى إلى هلاك اليهود إلا من اعتنق المسيحية!.. هؤلاء كما يوضح (ستيفن والت وجون ميرشايمر) فى كتابهما (اللوبى الإسرائيلي) لا ينطلقون من (حق تاريخى لليهود) بقدر ما ينطلقون من (وظيفة لاهوتية)، فى معتقدهم الخاص، إسرائيل بالنسبة لهم هى (أداة لتحقيق نبوءات نهاية العالم)، إنها وظيفة براجماتية مغلفة بالدين، تجعل من اليهود أنفسهم مجرد وقود لمعركة لا علاقة لهم بها، أما الحاخامات الصهاينة فقد حولوا التوراة إلى سجل عقارى يبرر الاستيلاء على أرض الغير، كما حذر (ليبوفيتش وجودمان) فى انحراف خطير عن جوهر الرسالة الأخلاقية لليهود !

ونستطيع أن نلخص المحور الرابع فى السطور التالية التى تكشف (الصهيونى الوظيفي) بداية من المصالح الإمبريالية الكبرى كما أوضح نعوم تشومسكى، واعتبار الكيان (حاملة طائرات برية وأصولا استراتيجية) لا غنى عنها، إلى ثقافة الاستعلاء الحضارى، والاستشراق الجديد عند إدوارد سعيد، وترويج صورة إسرائيل المتحضرة مقابل العرب الهمج البربر، وتحطيم الروح المعنوية للشعوب العربية، والهزيمة النفسية الداخلية، والتماهى مع المعتدى القوى وتبنى روايته نكاية فى الذات، ثم اللوبيات، وتحويل واشنطن إلى مركز لخدمة الكيان كواجب وظيفى ومنع أى ضغط حقيقى، وصولا إلى تحقيق نبوءات دينية لاهوتية بزعم تحقيق سيناريوهات النهاية، والتى روج لها المسيحيون الصهاينة لدعم الكيان كأداة لتحقيق سيناريو نهاية العالم، بغض النظر عن مصير اليهود أنفسهم، والذين ستفرض على منْ تبقى منهم المسيحية!

(يتبع)

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة