رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المصريون والمنتخب الوطنى والمونديال فى انتظار الانتصار


12-6-2026 | 15:18

.

طباعة
بقلم: حلمى النمنم

يتابع المصريون بشغف شديد، مباريات كأس العالم، كل أربع سنوات، لكن الشغف يزداد ويأخذ أبعادًا أخرى، حين يكون المنتخب المصرى مشاركًا فى المونديال وفى هذه الدورة تتعاظم آمال المصريين فى أن يحقق المنتخب تقدمًا ويتجاوز عتبة المرحلة الأولى، صحيح أن هذه ليست مشاركتنا الأولى، شاركنا سنة 1934، ثم فى دورة العام 1990، وبعدها دورة 2018، لكن لم نقترب من المربع الذهبى فى أى دورة.. حصل المنتخب المصرى طوال تاريخه على كأس الأمم الإفريقية سبع مرات، وهذا ما يمنح الجمهور المصرى الأمل فى أن نحقق نتائج أفضل فى كأس العالم هذا العام، ربما يتناسب مع تاريخنا فى هذا المجال.

 

تعلّق الجماهير حول العالم وفى مصر، خاصة بكرة القدم، يستحق أن نتوقف عنده لنفهم دلالاته حتى إن بعض المباريات المهمة فى الدورى العام تحتشد لها أجهزة الدولة، وتشهد متابعات مليونية.

عالم كرة القدم فى مصر يشغل بال الكثيرين ويستولى عليهم، منذ سنوات بعيدة الناقد الرياضى الراحل نجيب المستكاوى بدأ حياته مترجمًا، يهتم بنقل الأعمال المتميزة، هو الذى ترجم كتاب «بول هاوزار» عن أزمة الضمير الغربى، ونشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر ونال الكتاب وترجمته تقدير عميد الأدب العربى د.طه حسين، كان نجيب المستكاوى مترجمًا وناقدًا واعدًا، ثم أخذته كرة القدم وعالم الرياضة بالمتابعة والنقد.. ترك الترجمة والنقد الأدبى.

فى لقاء وحوار قديم مع الروائى فتحى غانم، حدثنى عن رغبة لديه فى أن يكتب رواية عن عالم كرة القدم فى مصر، كان يتابع منافسات وصراعات الأندية والفرق الرياضية، رغم جمال اللعبة لم تكن فى نظره تخلو من بعض الألاعيب والحيل الحزبية، مثلا يرى فريق قوى أن هناك لاعبًا موهوبًا فى فريق ضعيف أو حتى منافس، فيخطط لاجتذابه واقتناصه منهم، خطط المدربين ومنافساتهم، تحريك الجمهور، سطوة ورغبة الجمهور أيضا، كل هذه الأمور كانت تشكل فى نظره مادة لرواية جيدة، لكن الظروف الصحية لم تمكنه من ذلك.. وإذا كان الروائى الراحل لم يتمكن من وضع الرواية فإن الدراما لم تترك هذه اللعبة، سواء على مستوى الأفلام أو المسلسلات، صحيح أن الأعمال الفنية معظمها كوميدية، مبهجة، لكنها تعكس الاهتمام والشغف الجماهيرى بهذه اللعبة.

ربما يكون أفضل توصيف لها هو «الساحرة المستديرة»، بالفعل ساحرة، تأخذ عقول الملايين من مختلف الجنسيات والثقافات، وصارت لها مؤسسات ضخمة، وجماهيرية طاغية، وعوائدها المالية تفوق العديد من الأنشطة المهمة فى المجتمع ولها مؤسسة دولية، هى الفيفا، تنظم قواعدها.

وإذا كانت الأمم المتحدة بها خمسة أعضاء لديهم حق النقض «الفيتو» فإن كرة القدم فيها مساواة بين الجميع، الأهمية والمعيار لمن يكسب ويفوز، حتى لو كان الفريق ينتمى إلى بلد فقير، محدود الموارد، أو ليس لديه ثقل دولى.

ويلاحظ بعضنا أن أبطالنا فى بعض الألعاب الفردية وألعاب القوى يحققون أرقامًا قياسية على مستوى العالم، حتى إن لعبة الإسكواش -مثلا- كانت المنافسة فيها -العام قبل الماضى- على مستوى العالم بين لاعبتين مصريتين، ورغم ذلك فإن هذه الألعاب لا تحظى بتلك الجماهيرية الطاغية التى تخطى بها كرة القدم.. حتى إن المسيرات المليونية فى مصر عرفناها أول مرة سنة 1990، حين تأهل المنتخب الوطنى لمباريات كأس العالم.. ويمكن أن نرصد بعض الأسباب لذلك، تتميز بها كرة القدم..

هى لعبة جماعية، بمعنى أن هناك فريقًا فى أرض الملعب، وهناك لاعبون احتياطيون يجلسون ينتظرون دورهم، وهى لا تتم إلا بوجود فريقين متنافسين.. هذا التنافس يستخرج طاقة نفسية ضخمة لدى الجمهور، ربما لو كتمت أو لم تخرج على هذا النحو، لتحولت إلى أشياء أخرى، مشاعر سلبية ربما أو أفعال ليست إيجابية.

وأهم ما فى هذه اللعبة، بعيدا عما يدور فى الكواليس، فإنها تتم على الأرض، أمام الجمهور، يرى كل كبيرة وصغيرة، والتحكيم أمامهم، باختصار هناك قدر كبير من الوضوح والشفافية فى ممارسة اللعبة على الأرض.. وهذا يريح الجمهور، فضلا عن أنه يصبح طرفًا فيها بالتشجيع والحماس ثم التقييم، كأنه أحد أفراد الفريق فى أرض الملعب يلعب ويبدى الرأى بكل وضوح وصراحة، لو تحرك اللاعب بطريقة أسرع ولو كان أذكى ووو..

ورغم أنها لعبة جماعية فإن معيار المهارة الفردية والموهبة أساسية هنا، وهذا ما جعل لاعبًا مثل محمود الخطيب أو طاهر أبوزيد، ومن قبلهما صالح سليم وحسن شحاتة، وغيرهم، كل منهم يتميز ويعرف بالاسم، كل منهم عرف بفضل مهارته وسرعة الحركة والذكاء.

وإلى جوار المهارة والذكاء هناك سرعة اتخاذ القرار، والمبادرة، حين يقرر المهاجم، أن ينطلق بالكرة، فى هجمة خاطفة ويسدد فى مرمى المنافس.

فى بعض لحظات الانفعال يقارن البعض بين «أصحاب العقول» «وأصحاب الأقدام».. والمقصود بالطبع المقارنة بين وضع العالم ووضع اللاعب، والحق أن المقارنة لا تجوز، لأن العمل العلمى فى المختبر، يخص العلماء أولا، ثم ينتقل إلى المؤسسات، أما الكرة فهى لعبة جماهيرية، تخص الملايين، فضلاً عن أن القدم لا تتحرك وحدها، تحتاج تركيزا شديدا وذكاء أشد أيضا، فضلاً عن سرعة اتخاذ القرار فى لحظة، ربما أقل من لحظة وهى لعبة كذلك تقوم رغم المواهب الفردية على تعاون الفريق، باختصار المجموع والفرد فى آن واحد، إذا لم يتعاون ويتفاهم أعضاء الفريق، لن يكون الفوز حليفهم.

هذا المزج والتكامل بين المجموع أو روح الفريق والموهبة أو التميز الفردى فى هذه الساحرة، يقدم حلا لتناقضات فكرية وفلسفية بين مذاهب انحازت بالمطلق للمجموع وسحقت الروح الفردية وأخرى انحازت تماما للفرد وأهدرت دور وحقوق المجموع- ولعل بعض الأحزاب والسياسيين يدركون سر هذه اللعبة، لعبة جادة وعميقة.

فى بعض الوظائف والمهن، يعول البعض على ما يسمى «الواسطة» أو التوصية من قرابة أو مسئول نافذ وخلافه، لكن فى كرة القدم، لا شيء من ذلك، التميز الفردى أولا والموهبة الخاصة، كبار النجوم جاءوا من عرض الشارع، بلا واسطة وبلا عوامل مساعدة، تأمل حالة فخر مصر والعرب محمد صلاح، شاب من قرية فى محافظة الغربية، بجهده فقط وموهبته صار نجما عالميا، ينطبق الأمر على آخرين حول العالم، مثل البرازيلى بيليه والأرجنتينى مارادونا.

هذه الدورة –سنة 2026– يتطلع المصريون إلى تحقيق انتصار، الشعب يحب الانتصار دائما ويريده، فى العام 1967، بعد الهزيمة مباشرة هتف المصريون مع الفنان عبدالحليم حافظ بكلمات المبدع عبدالرحمن الأبنودى: «ابنك يقول لك يا بطل.. هات لى انتصار»، هذا المعنى يردده المصرى فى أعماقه طوال الوقت، الآن ليس مرتبطا بجبهة القناة، بل على كل الجبهات وفى كل الميادين، لذا سعد المصريون بفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، رغم أنهم لم يكونوا كلهم من قراء محفوظ، وسعدوا بفوز أحمد زويل بنوبل، وتألق د.مجدى يعقوب فى الطب ود.محمد غنيم والمهندس هانى عازر ود.مصطفى السيد، وغيرهم وغيرهم.

يحتاج المصريون طوال الوقت إلى انتصار، ذلك يسعدهم ويزيد الفخر والاعتزاز الوطنى والقومى لديهم، خاصة إذا جاء الانتصار عبر المنافسة، يمكن للعالم فى مختبره أن يحقق انتصارا مع المجهول أو مع أزمة معينة، هنا لا يكون الانتصار بالتنافس، بل بالتفانى والإخلاص الشخصى أو العام لقضية ما، مثلا لو لم يفز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، ما كان أحد ليلومه أو يؤاخذه، ولو أن أحمد زويل لم يتوصل إلى اكتشاف الفيمتو ثانية ما وجه أحد إليه أى اتهام بالتقصير، اكتشاف حققه بمبادرة فردية منه، لم يكن الجمهور ولا أى شخص آخر طرفاً فيه، لكن الانتصار فى منافسة مفتوحة ومكشوفة، له طعم آخر، قديما كان الأطفال يلعبون بالكرة فى الشارع، يسعد بهم الجميع، أو يلعبون ألعابا أخرى، كان ذلك طوال التاريخ تقريبا، فى زمن المماليك، كانت هناك لعبة الديوك، يتنافس ديك مملوك لأحد الأمراء أو السادة مع ديك آخر.. وكان الجمهور يتابع، ثم تطورت روح التنافس وهى هكذا إلى يومنا هذا.

الانتصار فى مجال كرة القدم، له معنى آخر لدى المواطنين.. ذلك أن السنوات الأخيرة شهدت حربا ضارية، على المصريين، عبر الذباب الإلكترونى تشكك فى كل شيء وفى كل شخص، عموم المواطنين ملوا وسئموا من تلك الحملات، صحيح أنهم لم يصدقوا يوما تلك الأكاذيب عنهم، لكن سماجة هذه الحملات باتت مزعجة، لذا ينتظر المصريون الانتصار، خاصة إذا كان جماعيا، هم شركاء فيه بالمتابعة والحماسة والانتقاد أيضا، إذا لزم الأمر.

تتميز كرة القدم بأن الجمهور فيها يكاد يكون شريكا فى المباراة، إذا هبط التشجيع أو تراجع، ربما يتراجع الفريق، يقال إن الأرض تلعب مع صاحبها، أى أن الجمهور له دور حاسم، ومن ثم تتحقق المشاركة، ليس المشجع سلبيا، بل هو لاعب أيضا، هذه المشاركة على هذا النحو، قد لا تتحقق فى العديد من الأمور، مثلا المواطن ينتخب ويختار عضو البرلمان، لكن لا يصبح شريكا له فى ممارسة عمله البرلمانى، فقط يدلى بصوته، ثم يمضى بعيداً، وفى الانتخابات التى تليها قد يعيد انتخابه أو لا، فى كرة القدم الجمهور شريك حاضر، وطرف فى كل مباراة، محلية أو عالمية، إذا انتهت المباراة ولم يكن أداء الفريق على المستوى المرضى للجمهور، فإنه يبادر إلى اتخاذ موقف فورى، قد يصل إلى العقاب القاسى، بل قد يكون العقاب أثناء المباراة نفسها، إذا لم يوفق لاعب معين أو إذا أخفق المدرب، هذه المشاركة الفورية، متاحة للجمهور فى كرة القدم، يستوى فى ذلك الجمهور المصرى مع الجمهور فى كل بلد.

ولأن الجمهور هنا نشط وإيجابى، شديد الحماسة، فقد سعت بعض الجماعات والتيارات إلى اختراق هذا الجمهور وتحويل اهتمامه نحوها، لكن تم اكتشاف المحاولة، والحق أنهم حاولوا كذلك تجنيد بعض نجوم اللعبة من اللاعبين أو المدربين، وربما نجحوا فى حالة أو أكثر، لكن ظلت لعبة كرة القدم، مجالا مفتوحا للمنافسة وتحقيق الفوز بشفافية وتنافسية معلنة.

ويخطئ من يتصور أن كرة القدم فى كل بلد، بعيدة عن الجانب الوطنى أو القومى، سوف نلاحظ أنه بعد انتهاء الاستعمار، سعت العديد من دول إفريقيا وكذلك أمريكا اللاتينية إلى تأكيد وجودها على الساحة العالمية عبر كرة القدم، البرازيل والأرجنتين فى أمريكا اللاتينية، نيجيريا والكاميرون والسنغال فى إفريقيا، بالإضافة إلى الدول العربية بدءا بمصر ثم دول شمال إفريقيا، خاصة تونس والجزائر والمغرب، ومن ثم يخطئ من يتصور أنها لعبة للمتعة والبهجة بين الجمهور فقط، لكنها باتت جزءا من الهوية الوطنية والتواجد على الساحة العالمية.. رؤساء الدول ورؤساء الحكومات عادة يحرصون على حضور بعض المباريات وسط الجماهير، ولمنح اللاعبين المزيد من الثقة.

وبهذا المعنى كان المنتخب الوطنى عادة يعلو فيه الجمهور على المنافسات المحلية، المتعارف عليها، ويجب أن يكف من يصرون على تحويل التنافس إلى استقطاب بغيض وموجات من الكراهية المتبادلة، على هؤلاء أن يتوقفوا، ويتوحد الجميع خلف المنتخب الوطنى.. وإذا كنا وقت الحرب سنة 1967 قلنا «هات لى انتصار.. هات لى نهار..»، فإننا اليوم «نحن فى انتظار الانتصار».

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة