على وقع التهديدات العسكرية والتصريحات المتبادلة التي تنذر بانفجار إقليمي واسع، فتحت العاصمة العُمانية مسقط نافذة دبلوماسية جديدة بين واشنطن وطهران، في محاولة لاحتواء واحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط.
وبين سعي أمريكي لتوسيع أجندة التفاوض، وإصرار إيراني على حصرها في الملف النووي، تنطلق محادثات غير مباشرة وسط حشد عسكري غير مسبوق ورسائل قوة متبادلة، ما يجعل هذه الجولة مفصلية في رسم ملامح المرحلة المقبلة: تهدئة مشروطة… أم مواجهة مفتوحة.
مرحلة كسب وقت:
ويؤكد الدكتور محمد عبد العظيم الشيمي، خبير العلاقات الدولية، أن المنطقة تمر بشكل عام، وبطبيعة الحال النظام الدولي، بمرحلة حرجة منذ عدة أسابيع، في ظل عملية تصعيد من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
وأشار الشيمي، في تصريح لـ«دار الهلال»، إلى أن هذه المرحلة قد بدأت بشكل مبكر منذ الصيف الماضي، بالضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، في إطار السعي إلى إيقاف البرنامج النووي الإيراني، والرغبة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة في تقويض النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، من أجل إعادة تشكيل المنطقة وفق قواعد قوى جديدة تعتمد على مركزية الدور الإسرائيلي وقدرته على فرض نفوذه بصورة رئيسية.
وبطبيعة الحال — يضيف الشيمي — أعقبت هذه الضربات ضربات أمريكية كان هدفها، في واقع الأمر، محاولة تعطيل البرنامج النووي الإيراني، ثم إدخال إيران في مرحلة جديدة من معاودة نشاطها النووي من جديد.
ولفت إلى أنه خلال الأسابيع الأخيرة بدأنا نتحدث عن «دبلوماسية مكوكية» تقوم بها أطراف إقليمية عدة، من أجل التوصل إلى حل حالي دون تصعيد أمريكي عسكري ضد إيران، لما قد يحمله ذلك من مخاطر كبيرة مرتبطة بتوسيع نطاق الصراع في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.
وقال إن الدور المصري كان حاضرًا، وكذلك الدور العُماني وأطراف أخرى، في مسألة التواصل من أجل التهدئة وإعطاء فرصة لمسار تفاوضي يفضي إلى تسويات ونقاط مشتركة.
وذكر أن الوفد الإيراني في هذه المفاوضات يقوده وزير الخارجية عباس عراقجي، في مقابل وفد من الولايات المتحدة الأمريكية يتقدمه المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر، اللذان يمثلان ذراعي التفاوض الأمريكي بصورة مستمرة لإدارة دونالد ترامب في معظم القضايا والملفات المرتبطة بالشرق الأوسط.
وأوضح أنه تُطرح في إطار هذه المفاوضات أجندة إيرانية تركز على الملف النووي حصرًا وربطه برفع العقوبات، حيث تؤكد طهران دائمًا أن هذا الملف خط أحمر لا يمكن التنازل عنه، باعتباره يمثل جزءًا من أمنها القومي.
في المقابل، ترى الأجندة الأمريكية — حسب الشيمي — ضرورة التوصل إلى اتفاق شامل يشمل الصواريخ الباليستية الإيرانية، ووقف دعم إيران للجماعات المسلحة في المنطقة، سواء في قطاع غزة عبر دعم حركة حماس، أو في اليمن عبر دعم الحوثيين، إلى جانب ملفات أخرى تتعلق بحقوق الإنسان وردود فعل النظام الإيراني تجاه المظاهرات الداخلية خلال الأسابيع الماضية.
وبشأن هل ستحول المفاوضات دون وقوع ضربات عسكرية؟ قال خبير العلاقات الدولية إن، في واقع الأمر، لا يمكن الجزم بذلك، لأن المفاوضات تمثل في أحيان كثيرة أداة لكسب الوقت ومحاولة استيعاب المواقف الأمريكية الرئيسية، لكن تظل احتمالية توجيه ضربات أمريكية لإيران مطروحة بقوة.
وكرر التأكيد على أن إدارة ترامب تتحرك منذ توليها السلطة في إطار إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق واقع جديد يقوم على مركزية إسرائيل وتقليص الدور الإيراني، الذي يُعد العائق الأكبر أمام تحقيق هذا السيناريو.
وفي هذا الإطار، ذكر «أن البعض يرى أن الضربة الأمريكية مسألة وقت، وأنا أميل إلى هذا الاتجاه، لأن هذه المفاوضات، مهما طالت أو قصرت، ستنتهي في الغالب إلى خلافات جوهرية».
وأوضح أن هذا يأتي في ظل إصرار إيران على أن برنامجها النووي يمثل أمنًا قوميًّا، وإصرار الولايات المتحدة على فرض أوضاع جديدة تخدم مصالحها والمصالح الإسرائيلية في المقام الأول، وهو ما لا يصب في صالح أطراف المنطقة كافة، بما فيها الأطراف العربية.
إدارة مؤقتة لأزمة مفتوحة:
ومن جانبه، يعتقد الدكتور علاء السعيد، خبير الشأن الإيراني، أن المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن قراءتها بوصفها مسارًا تفاوضيًا تقليديًا يهدف إلى تسوية نهائية، بقدر ما هي محاولة متبادلة لإدارة الصراع ومنع انفلاته، وليس حله.
ويؤكد السعيد، في تصريح لـ«دار الهلال»، أننا أمام طاولة حوار تُدار بعقلية تقليل الخسائر لا بعقلية إنهاء المواجهة، وهو فارق جوهري يجب الانتباه إليه منذ اللحظة الأولى.
وفي تقييمه لهذه المفاوضات، يرى أنها تعبّر عن لحظة إرهاق سياسي وعسكري لدى الطرفين أكثر مما تعبّر عن إرادة سلام.
وأوضح أن واشنطن تدرك أن فتح جبهة حرب جديدة في الشرق الأوسط يحمل كلفة استراتيجية واقتصادية باهظة، في توقيت دولي شديد الاضطراب، بينما تدرك طهران أن الذهاب إلى مواجهة شاملة قد يهدد تماسك الداخل الإيراني ذاته، وليس فقط منظومة النفوذ الإقليمي التي بنتها على مدار عقود.
وعند سؤاله: هل ستمنع هذه المفاوضات اندلاع الحرب؟ قال خبير الشأن الإيراني إن الإجابة الأدق هي: قد تؤجلها، وقد تعيد ضبط توقيتها، لكنها لا تلغيها بالضرورة، فجوهر الصراع لم يتغير: البرنامج النووي الإيراني، النفوذ الإقليمي، أمن إسرائيل، ومعادلة الردع في المنطقة.
وفي غضون ذلك، يشدد السعيد على أن هذه الملفات لا تُحل عبر جلسات تفاوضية قصيرة أو تفاهمات هشة، بل تحتاج إلى إعادة صياغة كاملة للتوازنات، وهو ما لا يبدو مطروحًا حتى الآن.
وبشأن فكرة أن المواجهة العسكرية قادمة لا محالة، يشير إلى أن ذلك ليس حتمية ميكانيكية، لكنه احتمال دائم الحضور، مؤكدًا أن الحرب هنا لم تعد سؤال «هل؟» بقدر ما أصبحت سؤال «متى؟ وبأي شكل؟».
وعن سيناريوهات الحرب، يوضح أنها قد تكون مواجهة مباشرة، وقد تكون ضربات محدودة، أو حربًا بالوكالة تُدار من الأطراف الهامشية، لكن خيار القوة لم يُرفع من الطاولة، بل جرى فقط تغليفه مؤقتًا بلغة الدبلوماسية.
وبالنسبة للفارق بين المشهد اليوم وما كان عليه الحال العام الماضي قبل اندلاع الحرب، فبرأي السعيد أن هناك اختلافات شكلية لا جوهرية، حيث إن العام الماضي كنا أمام لحظة توتر صاعد دون اشتباك واسع، أما اليوم فنحن أمام ذاكرة حرب حاضرة وتجربة مكلفة عاشها الجميع.
وشدد على أن هذا جعل الخطاب أكثر حذرًا، والقرارات أكثر بطئًا، لكنه لم يُنتج تغييرًا حقيقيًا في الأهداف أو الاستراتيجيات، مشيرًا إلى أن الجديد فقط أن الجميع بات يعرف ثمن الخطأ، لا أنه تراجع عن خياره.
والخلاصة، في تقدير السعيد، أن المفاوضات الحالية ليست بوابة سلام، بل إدارة مؤقتة لأزمة مفتوحة، هي محاولة لشراء الوقت، وإعادة ترتيب الأوراق، وتهدئة الإيقاع، لا أكثر. أما الصراع نفسه فما زال قائمًا، ينتظر لحظة كسر التوازن، أو فشل التفاهمات، أو خطأ في الحسابات، وعندها فقط يعود من جديد إلى لغته الأصلية: لغة القوة.