رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الفنان التشكيلى والروائى إسماعيل الرفاعى: «بيئة الفرات» شكلت مخزونى البصرى والسردى


24-1-2026 | 18:22

الفنان التشكيلى والروائى إسماعيل الرفاعى

طباعة
حوار: ضياء حامد

بين ريشة ترسم ملامح الحياة، وكلمة تصفها، يقف المبدع السورى إسماعيل الرفاعى، بوصفه فنانا تشكيليا وشاعرا وروائيا، اختار أن يحمل تجربته إلى فضاءات عربية وعالمية.

له العديد من الإصدارات الأدبية والنقدية، منها: وعدٌ على شفة مغلقة- مجموعة شعرية؛ عند منعطف النهر- نصوص شعرية ورسومات؛ سرد المكان- مقاربة نقدية لمشروع الشارقة الثقافى... وأقام العديد من المعارض منها: معرض «إبداءات صامتة» بدبى؛ ومعرض «أساطير يومية» بالدوحة، ومعرض «علامات فارقة» بالشارقة.

حاز خلال رحلته الإبداعية على جوائز أدبية وفنية مرموقة، من بينها جائزة الشارقة للإبداع العربى عن روايته «أدراج الطين»، وجائزة دبى الثقافية، وغيرها من التكريمات.

فى هذا الحوار، نقترب أكثر من عالمه الإبداعى، ونتوغل فى رمزية روايته الأخيرة «نقوش على خشب الصليب» لنكتشف كيف يتقاطع اللون مع الحكاية، والقلم مع الريشة.

 

 

كيف ومتى بدأت علاقتك الاحترافية بالفن التشكيلى؟ وهل جاءت الكتابة الروائية لاحقًا أم بالتوازى؟

لقد بدأ شغفى بالرسم منذ الطفولة.. شأنى كشأن الكثير من الأطفال، غير أن هذا الشغف لم تخفت وتيرته مع مرور السنين، بل أصبح أكثر إلحاحًا وحضورًا فى حياتى، وقد تعزّز ذلك بعد التحاقى بكلية الفنون الجميلة فى دمشق، حيث أسهمت الدراسة الأكاديمية بصقل إمكاناتى الفنية وتعميقها، وجعلت من الفن مسارًا دائمًا لا افتراق عنه.

أما كتابة الرّواية، فقد جاءت بعد التشكيل، وبعد كتابة الشعر الذى كان يشكّل مسارًا موازيًا للتجربة التشكيلية، وجاء ذلك تحديدًا فى عام 2005، حيث أصدرت دائرة الثقافة فى الشارقة روايتى الأولى «أدراج الطين»، بعد فوزها بجائزة الشارقة للإبداع العربى.

إلى أى حد لعبت البيئة السورية دورًا فى تشكيل رؤيتك الفنية والسردية؟

لا شكّ فى أن البيئة السّورية بمختلف مكوناتها وتجلياتها، لعبت دورًا حاسمًا فى تشكيل مزاجى الإبداعى وذائقتى الفنية، إنها مهاد التجربة والعتبة الأولى نحو اكتشاف العالم.. ولعلّ بيئة الفرات التى نشأت فيها، كان لها الدّور الأكبر فى تشكيل مخزونى البصرى والسردى، والتى كانت مناخاتها حاضرة بجلاء فى أعمالى الفنية والأدبية.. ربمّا كان هذا مستهلّ التجربة ومنطلقها الأساسى، غير أن ثمة الكثير من العوالم والأبعاد العابرة للأزمنة والأمكنة، التى يمكن أن تشكل ملامح هذه التجربة أو تلك، والتى لا يمكن سبر غمارها، أو معرفة الأسرار التى تنطوى عليها.

روايتك الأخيرة تحمل عنوان (نقوش على خشب الصليب)؟ ما رمزيته فى سياق الرواية؟

لقد جاءت الرواية على شكل «فهرس نقوش”، وفى كلّ نقش ثمة ما تفيض به الروح، والذى ينبغى لمعرفة وتلمّس مناخات الرواية، التوقف عنده وتذوّق نكهته الخاصة.. غير أن تلك النقوش على تعدّدها، تتكامل فيما بينها مشكّلة فى نهاية المطاف نسيجًا عضويًا واحدًا. أما عن دلالة النص أو إبداءاته الرمزية، فذلك يتوقّف على القارئ، وعلى التيمة أو الإيقاع الذى يلامس قلبه أكثر من سواه.. فالرواية بتقديرى تنحاز إلى الحدث الداخلى والأصوات التأملية الخفيضة، أكثر من الوقائع أو الأحداث التى تدور بين دفتيها.

ما الفكرة الأساسية التى انطلقت منها الرواية؟

لم تنطلق الرواية من فكرة مجرّدة تبادرت إلى ذهنى فى لحظة ما، إنما جاءت محاولة للإجابة عن العديد من الأسئلة التى تنامت فى غمار انشغالى بإنتاج سلسلة من اللوحات التى كانت تحاكى سيرة السيد المسيح، والتى بدأت بالعمل عليها فى عام 2015.. كان عالمًا كاملًا يتكشّف فى المرسم أمامى، دون أن أكون على دراية به.. عالمٌ غامرٌ ذو مناخ روحانى فرض نفسه بقوة علىّ وعلى اللوحات، وكأن كلّ ما أنتجته من أعمال سابقة كان يمهّد لولادة تلك اللحظة، وفى ذلك الوقت بالتحديد.. وأعتقد أنه بالطريقة ذاتها التى كانت تتنامى فيها لوحات السيد المسيح بداخلى دون أن أشعر بها، كانت الرواية أيضًا تتنامى وتتكامل على تلك الشاكلة.

إذًا هى رواية تحاول سبر تلك العوالم المتوارية بداخلك. هل ثمة أمكنة أو أزمنة تتنامى فيها أحداث وشخصيات الرواية؟

أعتقد أن النص يتحرك ضمن أزمنة وأمكنة متداخلة، ثمة أمكنة افتراضية وأخرى واقعية، وكذلك الحال فى الزمن.. فمن الفرات إلى الناصرة، ومن دير الزور إلى دمشق.. تتعدد الإيقاعات والأصوات والتى تتناغم كلها فى نهاية المطاف بما يشبه النشيد الذى تنتبه إلى ترانيمه، دون أن تعرف المصدر التى تنبعث منه.. غير أنها تنساب هكذا بهدوء مشكّلة الإيقاع اللغوى الذى يمنح النص نكهته الخاصة، والتى تتطلب باعتقادى إغفال العقل بطريقة ما، ومحاولة التلقّى دون البحث عن معانٍ واضحة أو دلالات مباشرة.. ربما تتشكل من تلقاء نفسها تساؤلات أو أجوبة كانت قد خامرتنا فى لحظة ما.. لكن ما يعنينى أكثر هو القدرة على تلقى واستشعار المناخ الروحانى والوجدانى للنص، أكثر من القراءة العقلانية أو الذهنية له.

كيف استقبل النقاد والقراء هذه الرواية؟ وهل ترى أن القارئ العربى مستعد لتلقى هذا النوع من النصوص الرمزية؟

أعتقد أن الوقت لا يزال مبكرًا على معرفة أصداء الرواية لدى النقاد أو القرّاء، فقد صدرت الرواية حديثًا.. لكن ورغم هذه المدة الزمنية القصيرة فثمة كتابات مهمة تناولت العمل، وكانت مقاربات إيجابية وجادة حاولت أن تتلمس وتعرّف وتتوغل فى مناخات الرواية وأحداثها المختلفة. وبالنسبة للشق الثانى من السؤال فأنا أعتقد أن القارئ العربى مستعد بالتأكيد لتلقّى مختلف الأنماط السردية والتعامل معها بذكاء شديد وحساسية عالية.. ومن جهتى أثق تمامًا بالقارئ والمتلقي.. واثق أن النص الجيد لا بد أن يجد القارئ الذى يستطيع تذوقه والاستمتاع به.

هل ترى نفسك روائيا يكتب باللون، أم تشكيليا يروى بالحكاية؟

الحقيقة لا أستطيع أن أكون جازمًا بتوصيف ما أقوم به. حين أرسم، فأنا أرسم فقط.. وحين أكتب، فأنا أكتب فقط.. ثمة عالمٌ آخر يتكشف.. عالمٌ ينبغى الإصغاء إليه والاستسلام له، حتى تستطيع أن تتحرر من ذهنك المشروط، لصالح المخيلة والخلق، وبالتالى تنحسر الخبرة أمام الكشف، وينحسر البعد الاعتيادى أمام البعد الفائق، مثلما ينحسر العابر أمام الجوهري.. ولعل هذه بعض اشتراطات الولوج فى العالم الإبداعي.. أن تغفل الصفة والتوصيف، حتى يتسنى لك مقاربة ذات كونية قادرة على التقاط بعض الإلماحات الإبداعية التى تشكل خصوصيتنا الفنية. لكن، بكل تأكيد، ثمة ما يضيفه الكاتب على جسد اللوحة، وثمة ما يضيفه الرسام على نسخ الحروف.

ما الفروق التى تشعر بها بين حرية التعبير فى اللوحة مقارنة بالنص الأدبي؟

أعتقد أن لكل وسيط تعبيرى اشتراطاته الخاصة.. وقد يكون الرسم فى كثيرٍ من الأحيان أكثر متعة، ولا سيما فى مراحل العمل الأولى.. ذلك أنه ثمة حركة دائمة.. الجسد كله يتشارك معك عملية بناء اللوحة.. تتحرك فى فضاء المرسم كما تشاء، تمزج الألوان، تبتعد تقترب، وهناك أيضًا متعة فى الإضافة والإلغاء، حيث تسهم ضربات الريشة المتتالية، وتراكم طبقات اللون، فى إغناء سطح العمل الفنى وإشباعه. أما الكتابة، فشأن آخر؛ فهى تتطلّب انتباهًا كليًا واستغراقًا فى عالمك الداخلى، كما تتطلب منك أن تبقى مسمّرًا بلا حراك لساعات طويلة.. رغم أنك قد تجول العالم كله فى مخيلتك، والتى غالبًا ما تكون مستعرة ومتأججة رغم السكون المهيب الذى يبدو عليك. والحقيقة ثمة فى كلا الوسيطين، الكثير من الحرية والمتعة، والكثير من المكابدة والسكون، لكنهما فى النهاية يشرعان أبوابًا على لحظات الكشف والإبداع التى لا تضاهى.

الاكثر قراءة