رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الجماعة الإرهابية حصار دولى.. وانهيار داخلى


1-1-2026 | 09:24

.

طباعة
بقلم: طارق أبو السعد

لستُ عرّافًا، ولا قارئًا للطالع، ولا أحتاج إلى استدعاء الغيب لمعرفة ما ينتظر الجماعة الإرهابية. فقراءة المستقبل لا تقوم على التنجيم، بل على تحليل الوقائع. وكل ما نحتاجه اليوم هو منهج علمي يستند إلى معطيات الحاضر واتجاهات الماضي لاستشراف المسار المحتمل لجماعة الإخوان الإرهابية. فالحصاد الذى اختتمت به الجماعة عام 2025 كان فادحًا: فضائح مالية متراكمة، تآكل في التعاطف الدولي، وتخلٍّ واضح من ممولين كانوا، حتى وقت قريب، شريانًا رئيسيًا لبقائها، بما يعكس مأزقًا يتجاوز الأزمات الطارئة.

 

إن معطيات حاضر الإخوان هى التى تصنع مستقبلهم، وحاضرهم مليء بالخسائر، لذا فمستقبلهم مظلم، والرعب يجتاحهم خوفًا مما يحمله عام 2026 لهم، فما ينتظرهم كابوس مرعب، والجميع يخشى استمرار مسلسل السقوط والفشل والفضائح الذى بدأ فى 2025 وانتهى بمشهد سقوط مدوٍّ، سقطت فيه آخر أوهام القدرة على الاستمرار، وحصدوا فيه الفشل والفضائح والانحسار، مما تسبب فى أزمة أعمق من مجرد إخفاق سياسى أو حصار أمني؛ أزمة وجودية بكل معانيها، تؤكد أن القادم أسوأ بكثير مما تخيلوه. فما ينتظرهم قد يكون نهاية للجماعة، إعلان وفاتها رسميًا، أو على الأقل أفول زمانها، ولا يبقى منها إلا أطلال ذكريات عجائزها.

وحلم العودة وكابوس الواقع

لم تعد عناصر الجماعة تتعلق بحلم العودة إلى المشهد العام، بقدر ما باتت تتساءل: متى ينتهى كابوس الواقع؟ فى ظل تفكك داخلي، وحصار مالي، وتآكل متسارع فى الخطاب والشرعية، واتساع رقعة الدول التى تصنف الجماعة منظمة إرهابية، كما يتوقعون مزيدًا من الفضائح الأخلاقية التى تسقطهم كجماعة دينية تزعم أن أفرادها يمتازون بالأخلاق الحميدة.

عام 2026 يعد اختبارًا حاسمًا؛ فهل تنجح الجماعة الإرهابية فى الاختباء والتحول إلى تيار رمادى كمحاولة لمنع موت الجماعة واندثارها، أم ستستمر على وضعها التقليدى حتى تفقد ما تبقى من حضور وتأثير؟، سنحاول قراءة مسار الجماعة بعد أن أصبحت فى مواجهة مصيرها المحتوم. ومن المعلوم أن الجماعات الإسلاموية لا تسقط مرة واحدة، بل تدخل مراحل طويلة من الانكماش، تعيش خلالها على محاولات إعادة التدوير والهروب والتخفى دون التخلى عن الفكرة.

تفكك البنية المركزية وتشظى الجماعة

لم تعد الجماعة تنظيمًا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل كيانًا مترهلًا فقد مركزه، وتآكلت فيه فكرة القيادة، وتحولت هياكله إلى أشبه مجموعات منفصلة لم يعد أحد يحتكم إليها، فالجماعة التى قامت تاريخيًا على مركزية القرار ووحدة الصف باتت اليوم أسيرة انقسامات حادة بين جبهات الخارج، وصراعات ممتدة على النفوذ والمال، وسيستمر هذا التآكل فى العام القادم، وربما نشهد تصدعات تنظيمية جديدة داخل الجبهة الواحدة.

لا يمكن تجاهل أن هذا التفكك جاء نتيجة للضربات الأمنية الناجحة التى قامت بها أجهزة الأمن المصرية، وفشل الجماعة فى احتواء الخلافات الإدارية فيما بين أجنحتها وجبهاتها، وسيؤدى هذا التفكك إلى تحول القيادات التاريخية إلى عبء على الجماعة والتنظيم؛ فما فائدتهم إذا لم يكونوا قادرين على توجيه أتباعهم والتحكم فيهم، واكتفوا بإصدار البيانات فى المواقف المختلفة؟ وفى ظل هذا الفراغ، سيُفسح المجال للمجموعات الصغيرة التى ستعمل باستقلال شبه كامل، وتتبنى خطابًا تحريضيًا مثل ميدان، وتيار التغيير، وجبهة المكتب العام (الكماليون).

ثبات فشل الأفكار الإخوانية

فى العام القادم ستسقط مفاهيم الطاعة والانضباط، وكثير من الأفكار الإخوانية التى شكّلت عماد الجماعة لعقود، بعد أن فقدت معناها العملى وتحولت إلى شعارات بلا أثر. وستظهر فكرة الخلاص الفردي، حيث يسعى كل فرد للنجاة الذاتية.

وبالتالي، سيسقط الصراع بين الجبهات، ولن ينشغل عناصر الجماعة الإرهابية بمن يقود الإخوان، بل بما إذا كان هذا الكيان ما يزال قائمًا بوصفه تنظيمًا، أم أنه دخل مرحلة التفكك التى يصعب بعدها إعادة البناء، مهما تعددت محاولات الإنقاذ أو إعادة التدوير.

أزمة التمويل واقتصاد البقاء

أيضًا، فى العام القادم ستعانى جبهات الجماعة المتصارعة من ضعف التمويل، وهو ما يؤدى إلى تآكلها التنظيمى والوجودي. فشبكات الأموال التى اعتُمدت لعقود على التبرعات والواجهات الخيرية والاستثمارات العابرة للحدود تواجه اليوم رقابة صارمة وتجفيفًا شبه كامل، يحاصر كل محاولة للحركة أو الاستمرار. لم تعد الموارد أداة للنشاط أو التأثير، بل قضية صراع داخلى وموضوع خلافات مستمرة حول من يملك السيطرة على ما تبقى، وسط اتهامات متبادلة بالفساد وإساءة الإدارة، هذا التراجع يفضح أن الجماعة لم تعد تستطيع الحفاظ على التماسك الداخلي، وأن أى محاولة لإعادة التنظيم أو استعادة النفوذ تصبح صعبة بشكل متزايد.

خطاب بلا مضمون وبلا جمهور

تواجه الجماعة الإرهابية أزمة تتجاوز التنظيم والتمويل لتصل إلى جوهر وجودها، أى الخطاب نفسه. فقد فقدت الجماعة القدرة على إنتاج خطاب سياسى أو دينى مقنع، ولم تعد منصاتها الإعلامية، سواء الرقمية أو التقليدية، وسيلة لتوجيه الرأى العام أو استقطاب قاعدة جديدة، بل تحولت إلى منصات للشتائم، بشكل متكرر وممل، زهد فيه المتابعون من أنصار الجماعة ذاتها، الذين كانوا يتفاعلون مع الخطاب الإخوانى كأنه قرآن كريم، مصدقًا فى كل كلمة. بات اليوم هذا الجمهور متباعدًا، غير مهتم، والأهم فاقدًا للثقة فى محتوى الرسالة الإخوانية، وهو ما يجعل أى محاولة لإعادة الزخم الإعلامى أشبه بمحاولة ضخ حياة فى كيان شبه ميت.

فالانقسام الداخلى انعكس على الخطاب وفقد مصداقيته؛ فجماعة منشقة على نفسها، هل من المعقول أنها تملك لمّ شمل المصريين؟ جماعة كل أدواتها الشائعات والتحريض ضد الدولة والمجتمع، والمبادرات الرقمية، والبيانات المتناقضة، والشعارات الجوفاء، هل يمكن أن يثق فيها أحد بعد ذلك؟ ومع استمرار التراجع الإعلامي، يصبح 2026 عامًا حاسمًا فى اختبار قدرة الإخوان على التواصل مع العالم الخارجي، وهو اختبار يكشف أن الجماعة لم تعد قادرة على صناعة جمهور، وأن الزمن الإعلامى لم يعد فى صالحها، بل يسهم فى تسريع تآكلها الرمزى والسياسي.

واجهات حقوقية تحمل الفكرة وتخفى التنظيم الإرهابي

ستتجه الجماعة إلى مزيد من العمل السرى للتنظيم التقليدي، مع خلق مؤسسات حقوقية وتعليمية وتربوية تحمل الفكرة وتخفى التنظيم السري. فمن الواضح أن الجماعة لم تعد تمتلك القدرة على العمل علنًا باسمها التاريخي، لكنها تسعى إلى البقاء عبر إعادة إنتاج أشكال تنظيمية رسمية تنكر صلتها بالجماعة، ليس كخطوة تكتيكية، بل كاستراتيجية بقاء فرضتها الضغوط القانونية والأمنية. وذلك من خلال سلسلة من المنظمات والمؤسسات الصغيرة التى تقدم نفسها كحقوقية أو تعليمية أو ثقافية، بعيدًا عن أى أيديولوجية صريحة أو ماضٍ سياسي. هذا التحول لا يعنى التخلى عن الفكرة، بل محاولة الحفاظ على وجود محدود وغطاء يسمح بإعادة إنتاج النشاط عبر مسارات أكثر أمانًا، لكنها أقل تأثيرًا.

الأمر الأكثر حساسية هو أن هذه الشبكات الجديدة غالبًا ما تعمل بمعزل عن بعضها، وستصبح الجماعة كيانًا يختبئ وراء واجهات قانونية، يتنفس من خلال أنشطة رمزية، لكنه يفقد قدرته على التأثير الحقيقى فى المشهد السياسى أو المجتمعي. وسيصبح السؤال ليس عن عودة الإخوان، بل عن قدرتهم على الحفاظ على وجودهم الرمزى وسط عالم بات أكثر وعيًا بخطر التنظيم، وأقل استعدادًا لمنحه أى فرصة جديدة.

المنفى كعبء ولم يعد ملاذًا آمنًا

فى عام 2026 لم يعد الخارج يشكل الملاذ الآمن الذى اعتمدت عليه جماعة الإخوان لعقود، بل أصبح عبئًا مضاعفًا يفرض قيودًا مشددة على نشاطها ويحاصر ما تبقى من تأثيرها. عواصم اللجوء التقليدية، من لندن إلى إسطنبول، تواجه الجماعة بضغط قانونى وأمنى متزايد، حيث أصبحت الرقابة على المؤسسات المرتبطة بها صارمة، والتحقيقات فى التمويل والأنشطة الدعوية والحقوقية متواصلة، ما يحد من قدرتها على التحرك بحرية أو الحفاظ على شبكاتها العابرة للحدود. ومع هذه الضغوط، أصبح المنفى ليس فقط مكانًا لتجنب الملاحقة، بل ساحة صراعات داخلية على النفوذ والموارد، يعكسها تنافس الفروع المختلفة على البقاء والظهور.

خارجيًا، فقدت الجماعة الشرعية الرمزية التى كانت تمنحها لها المنصات الدولية، وتحولت تحركاتها إلى مجرد محاولات للتماسك الرمزى أكثر منها للنفوذ الفعلي. القيادات فى الخارج أصبحت مرهقة بين إدارة الخلافات الداخلية، ومواجهة الرقابة القانونية، والمحافظة على الحد الأدنى من التمويل، ما أضعف قدرتها على التأثير فى الداخل أو على المستوى الإقليمي.

استمرار هذه المرحلة يفضح هشاشة الجماعة أمام الرأى العام الدولي، ويجعل أى خطاب أو مشروع لإعادة الظهور تحت أسماء جديدة محدود التأثير. فى 2026 صار المنفى يختصر مأساة الإخوان: لا حماية، لا تمويل كبير، لا جمهور، بل مجرد مساحة رمادية تكافح من أجل البقاء، وسط عالم بات أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على كشف التهديدات، وأكثر تصميمًا على منع إعادة إنتاج التنظيم تحت أى مظلة.

أربع طرق بلا مخرج

عام 2026 يفرض على جماعة الإخوان مواجهة واقع صعب، وقدرتها على الاستمرار باتت محكومة بعدة سيناريوهات، كلها تحمل عناصر تفكك وانحسار، دون أن تضمن لها عودة حقيقية.

أولًا: الانكماش الصامت:

وهو السيناريو الأكثر احتمالية، حيث تتراجع الجماعة داخليًا وخارجيًا، وتحافظ على وجود رمزى محدود. قد تكون أكثر صخبًا فى العالم الافتراضي، لكنها على أرض الواقع ستقلص نشاطاتها لتجنب الملاحقة القانونية والأمنية، مع استمرار نزيف فقد القدرة على التأثير أو حشد جمهور فعلي.

ثانيًا: إعادة التدوير المحدودة:

محاولة الظهور تحت أسماء جديدة أو مؤسسات تعليمية وثقافية، حيث تحاول الشبكات البقاء من خلال واجهات قانونية، لكنها تعمل بشكل متفرق، بلا مركزية أو شرعية واضحة، ما يجعلها عرضة للتفكك الداخلى والخلافات المستمرة حول الموارد والقيادة.

ثالثًا: التفكك الداخلي:

فى هذا السيناريو تتعاظم الخلافات بين الفروع الداخلية والخارجية، ويصبح كل فرع شبه مستقل، يسعى إلى النجاة الذاتية، بينما تنهار أى بنية تنظيمية مركزية، وتغيب أى قيادة قادرة على صنع قرارات استراتيجية، ما يسرّع انهيار الجماعة تدريجيًا.

رابعًا: التطرف الفاشل:

بعض الأفراد أو الجماعات الصغيرة قد تتحول إلى حركات هامشية متطرفة، تبحث عن تأثير رمزى محدود، لكنها تبقى معزولة، بلا قدرة على إعادة بناء تنظيم واسع، وتصبح هدفًا مراقبًا بدقة من الأجهزة الأمنية الدولية.

عام 2026 كابوس للإخوان لن يفيقوا منه قريبًا

كل هذه السيناريوهات تكشف أن 2026 ليس عامًا لإحياء الجماعة، بل اختبارًا لمدى قدرتها على البقاء الرمزي، وأن الزمن أصبح أداة ضغط أقوى من أى خصم سياسى أو قانوني، ويستمر فى تسريع انهيارها البطيء بلا أى مؤشر على العودة المؤثرة.

ومع دخول عام 2026 بات واضحًا أن جماعة الإخوان لم تعد تواجه خصومًا فقط فى الخارج أو الداخل، بل تواجه مصيرها الذى صنعته بنفسها، بدءًا من انهيار التنظيم، وسقوط الخطاب الإعلامي، وضعف التمويل، وإنتاج خطاب بلا جمهور، والمنفى لم يعد آمنًا بل أصبح عبئًا، والشبكات المتفرقة عاجزة عن إنتاج مشروع جماعي. وفى هذا السياق لم يعد السؤال عن إمكانية العودة، بل عن مدى قدرة الجماعة على البقاء، ولو بشكل رمزي، وسط عالم أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على كشف حقيقة الجماعة الإرهابية، وأكثر تصميمًا على منع إعادة إنتاج التنظيم تحت أى مظلة أو اسم جديد.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة