حصلت «المصور» على نسخة نادرة من ملخص رواية «زنوبة» للكاتبة قوت القلوب الدمرداشية، المنشورة في عدد ديسمبر 1949 بمجلة الهلال، في باب «كتاب الشهر» تحت عنوان: «زنوبة – السيدة قوت القلوب الدمرداشية – ملخص عن الفرنسية».
وجاء في افتتاحية الملخص أن الرواية وضعت بالفرنسية ووصفت بأنها «قصة رائعة مفصلة لحياة الأسرة المصرية في أوائل الجيل الحالي، فأدت بذلك خدمة كبيرة للوطن والأدب»، كما ذكر الملخص أن الكتاب صدر بمقدمة كتبها جيرون وجان ثارو، بينما اقتصر ذكر المترجم على الأحرف «ج. ج» دون توضيح اسمه الكامل. هذه التفاصيل تجعل من الملخص وثيقة نادرة وهامة تعكس الجهد المبكر في تعريف القارئ العربي بأعمال قوت القلوب الدمرداشية.
ومنذ بضعة أيام كشف لنا المترجم دسوقي سعيد في حواره مع «المصور» أنه أول من قدم قوت القلوب الدمرداشية للقراء العرب، وإن اكتشافه لها بدأ عام 1995، حين صادف رواية "زمرة" أثناء حضوره معرض الكتاب فرانكفورت في ألمانيا.
ويضيف دسوقي سعيد أنه ترجم روايتي «زمرة» و«زنوبة» إلى العربية لأول مرة، وكتب سيرة ذاتية عنها، مؤكدا أنه الوحيد الذي يملك حقوق الترجمة والنشر باللغة العربية، ما يجعل جهوده الخطوة الحقيقية لتقديم أعمالها كاملة للقراء العرب، على عكس الملخص الصحفي النادر الذي اكتشفته «المصور»، والذي يظل توثيقا مبكرا مهما لأعمالها.
"زوجة عبد المجيد السابعة"
مأتم ..
غصت حجرة الاستقبال في منزل بدران أفندي بشارع محمد علي، كما غص السرادق المنصوب في الحارة المجاورة، بالأصدقاء والمعارف، الذين وفدوا للتعزية في وفاة السيدة الجليلة أم بدران أفندي، الموظف بدائرة الأوقاف.
لقد أبت زوجته إلا أن تقيم للفقيدة مأتماً لمدة ثلاثة أيام، وأصرت على أن تستأجر لإحياء المأتم أبرع النادبات في مصر، كيلا تلهج ألسنة السوء أنها لم تحزن على حماتها العزيزة!
وراحت النادبات يعددن مناقب الفقيدة، مؤكدات أنها فارقت الدنيا تاركة أطيب ذكرى، مخلفة لذويها الحزن والحسرة.
ولما نضب معين الندب في اليوم الثالث، اتجه النسوة النادبات إلى حديث آخر، فأخذن في سرد المصائب التي تكتنف البشرية المعذبة. قالت إحداهن:
ـ الويل الويل لمن ليس له ولد! الويل الغمرة للمسكين الذي لا يعقب ابناً!. إن نعشه سيحمله الأغراب، ولن يجد المعزون في بيته من يوجهون إليه عزاءهم!
والتفت الجميع إلى سيدة جالسة في ركن من القاعة، وعليها سيماء النبل والجلال: تلك السيدة هي أم محمود، زوجة الوجيه عبد الحميد من أعيان المطرية، وأم عبد المجيد التاجر المشهور، الذي يقال إن التراب في يده يتحول إلى ذهب!
إن عبد المجيد رجل خير كثير الإحسان، في وسعه أن يحقق جميع رغباته، بما أغدقه الله عليه من نعم. ولكن الله ضن عليه بالنعمة الكبرى، فلم يرزقه ولداً من نسائه الست! ففي بيته الفسيح أربع زوجات وجاريتان، وجميعهن ولدن له بناتاً. ولم تلد له واحدة منهن ابناً..!
وترقرقت الدموع في عيني السيدة الجليلة، واستأنفت النادبات مهمتهن، فقالت أخرى:
ـ ما أتعس البيت الذي ليس فيه ولد! إن البنات فضل من الله، ولكن الابن لابد منه لتسلم مقاليد الأسرة من أبيه!
وهكذا استمر النسوة في ندب حال الأسرة المحرومة من الأبناء، أو التي حلت بها مصيبة. والمصائب كثيرة متوالية بين الأسر: فهذه زوجة فقدت زوجها، وهذه أم احتسبت وحيدها، وهذه سيدة تعالج نفسها من مرض عضال لا يرحم، وهذه أبليت بزوج بخيل.. أو متلاف!
وعلى كل سيدة من الحاضرات أن تنفح النادبة بما فيه النصيب من المال، حسب العادة المتبعة في مثل هذه الحال.
واسترعى انتباه النادبات وجود سيدة بدينة، كانت جالسة على مقربة من أم محمود، وعرفن أنها إحدى قريبات بدران أفندي. وزوجها تاجر صغير من تجار الموسكي. ولم تكن النادبات يعرفن شيئاً خاصاً عنها، ولكنهن انطلقن يندبن حظ الفتيات غير الموفقات في الزواج، فقالت إحداهن:
ـ إن دخول الجحيم أهون على المرأة من دخولها في حرمة رجل رديء شرير!
وقالت أخرى: « ما أتعس الفتاة الجميلة التي لا توفق بجمالها إلى الحصول على زوج صالح..!»
وقالت ثالثة: « كان خيراً لها لو أنها كانت زنجية، ووفقت في زواجها! »
وكانت السيدة قريبة بدران أفندي تصغي إلى هذا الندب باهتمام ما لبثت أن تحول إلى حزن ثم إلى بكاء. فسألتها بعض السيدات:
ـ ما بالك تبكين يا أم حسن؟ إننا نعلم جميعاً أن بناتك غير متزوجات.
فقالت أم حسن:
ـ نعم! ولكن النحس يلاحق ابنتي زنوبة!.. إنها فتاة رائعة الجمال!.. غزالة لم تجاوز السادسة عشرة من عمرها بعد! ماذا فعلت هذه البريئة لتحل بها هذه المصيبة؟!.
وسكتت النادبات، وأنصت الجميع استعداداً لسماع القصة التي بدا على أم حسن أنها تتأهب لسردها. ودخل الخدم يحملون أطباقاً عليها الأرز واللحم المشوي والباذنجان المحشى، وغير ذلك مما يقدم عادة للمعزين في المأتم، وكان عدد السيدات المعزيات قد تضاعف بمن وفد منهن على القاعة، فجلسن كيفما استطعن الجلوس!
ومضت أم حسن تروي قصة ابنتها زنوبة:
ـ كان زوجي السيد عبد الفتاح في الموسكي ذات يوم يبتاع أحذية من هناك، فلقيه الحاج علي خليل، تاجر القطن المعروف، وصديقه القديم الذي لم يره من زمن بعيد. وجعل الرجلان يتحدثان ـ والثرثرة ليست عيباً محصوراً في النساء دون الرجال ـ وفي أثناء ذلك كان زوجي قد اختار ثلاثة أزواج من «الشباشب الحريمي» وردية اللون، وزوجاً رابعاً أخضر.
وسأله علي خليل لماذا يشتري ثلاثة أزواج من لون واحد، فأجاب عبد الفتاح بأنه يبتاعها لبناته الثلاث، وكبراهن في السادسة عشرة، والصغرى في الثانية عشرة. أما «الشبشب الأخضر» فهو لزوجته.
« وقبل أن يفترقا، قال علي خليل لزوجي إنه سعيد بلقائه، وأنه سيزوره في منزله مساء ذلك اليوم. وهذا ما حدث. فما أقبل الليل حتى كان تاجر القطن يطرق بابنا، ثم خلا إلى زوجي، وامتدت بهما السهرة حتى أويت إلى فراشي. فلم أستيقظ إلا حين أيقظني عبد الفتاح ووضع بين يدي كيساً للنقود به ثلاثمائة قطعة ذهبية، وعلبة فيها عقد من اللؤلؤ الوردي! فسألته: هل عثرت على كنز؟ فكان جوابه أنه عثر على كنز حقاً، هو أن ابنتنا زنوبة ستصبح زوجة للحاج علي خليل، الذي يملك ألفي فدان بالسنبلاوين.. وهذه هديته الأولى!
«وعبثاً حاولت إقناعه بأن زنوبة لن ترضى بأن تتزوج رجلاً على عتبة الشيخوخة، ومن الصعيد. فظل مصراً على رأيه، مؤكداً أن ثروة التاجر ستضمن الهناء لابنتنا، فهو رغم أن له زوجتين، لم يرزق ابناً إلى الآن!
«وهكذا تمكن عبد الفتاح من إقناعي، فرضيت بهذا الزواج.. وتم عقد القران.
«غير أن بيتنا كانت فيه حية سامة!.. فقد اعتزمت شقيقتا زوجي إفساد هذا الزواج، وفي أثناء عقد القران اختبأتا في حجرة مجاورة، ومعهما خيط ومقص.. وكلما سمعتا كلمة تتلى من كلمات العقد، أخذتا تلفان بالخيط مرة حول المقص، وما أتمتا عقد الخيط على المقص حتى سارعتا إلى إلقائهما معاً في النيل. وقد نجحت هذه العقدة السحرية، فأصبح الرجل الذي رضينا به زوجاً لابنتنا مربوطاً ربط الخيط بالمقص!..
«وبرغم أن الزواج تم، كانت ليلة الدخلة ليلة شؤم.. فقد قصت علينا زنوبة في اليوم التالي أن زوجها لم يوجه إليها كلمة واحدة، وأنه تركها تنام وحدها وقضى ليلته ممدداً على مقعد طويل.. وعندما أقبل الصباح لم تجده في حجرتها.. بل تلقت ورقة الطلاق مع خادم زنجي!.. وقد دفع علي خليل مؤخر الصداق ونفقة لزوجته المطلقة لمدة ثلاثة أشهر.. وهكذا انتهت المأساة!»
وكانت الدموع تنهمر من عيني أم حسن وهي تقص قصة زنوبة.. وأصغت إليها السيدات الحاضرات باهتمام.. وفي الوقت نفسه أتين على كل ما كان مكدساً في الأطباق من طعام!.. ثم انصرفن واحدة في أثر واحدة!.
"مشروع زواج"
فكرت أم محمود طويلاً وهي في القطار عائدة إلى بيتها بالمطرية. وكانت زنوبة موضوع تفكيرها: فلماذا لا تشير على ابنها عبد المجيد بأن يتزوج هذه الفتاة التي طلقها زوجها قبل أن يدخل بها؟..
ولازمتها هذه الفكرة وهي في العربة التي نقلتها من المحطة إلى الدار الفسيحة التي تعيش فيها مع ابنها ونسائه وخدمه، وسط حدائق غناء فيها كل ما لذ وطاب.
طافت السيدة ببطء بين الأشجار حتى دخلت الدار.
فتوجهت رأساً إلى المطبخ، حيث وجدت الجاريتين المختارتين اللتين تزوجهما عبد المجيد: جوليسار ونرجس. فصاحتا مرحبتين:
ـ أهلاً وسهلاً.. نورت الدار!
وعلمت منهما أم محمود أن ابنها قد دعا لفيفاً من أصدقائه إلى العشاء في السلاملك، وأن الزوجتين الجاريتين تشرفان على إعداد الطعام. فقال لهما:
ـ إن عبد المجيد على حق في دعوة أصدقائه كل يوم. فلعل في هذا ما يدخل السلوى على نفسه، أنه محروم من البنين.. وهذا البيت سيقفل بعد موته.. بعد عمر طويل!
قطبت جوليسار جبينها ولم ترد.. ولكن نرجس لم تسكت على الإهانة وقالت:
ـ لماذا تلوميننا دائماً على أننا لا نلد غير البنات؟ وهل تعرفين نساء يلدن البنين حسب إرادتهن؟ لقد تزوج عبد المجيد أربع نساء غيري أنا وجوليسار ولكنه لم يرزق ابناً.. وفي وسعه أن يتزوج عشر نساء أخريات إذا أراد!..
وقالت أم محمود بكل هدوء: «وهذا ما أظن أنه سيفعله!»
فقالت نرجس: «وأنا أرجو له أن يرزق من كل منهن توأمين من الصبيان!»
فهزت أم محمود رأسها قائلة: «إن شاء الله!».. وانتهت المناقشة بضحكة عالية، لأن روح الوئام والسلام كانت تسود العلاقات بين أم محمود وزوجات ابنها. فضلاً عن أن نرجس كانت داراً بأنها وفيرة طيبة القلب، فكانت محبوبة من جميع أهل الدار.
وكانت جوليسار شركسية بدينة، أقل نشاطاً وخبرة من نرجس. ولهذا كانت تستشيرها في معظم الشؤون. هذا، إلى أن الجاريتين كانتا قد جاوزتا سن الشباب، ورضيتا بما قسم لهما من الحياة.
تفقدت أم محمود المطبخ وما يعد فيه من ألوان الطعام والحلوى، وبينما هي منهمكة في هذا دخلت عليها المطبخ صبيتان تضحكان، هما: نعيمة، وعلية ـ أصغر حفيداتها ـ فراحت تداعب شعرهما المسترسل، في حنان كبير. وكانت ـ نظراً إلى وفاة أمهما ـ تخصهما بكثير من العطف والتدليل، دون أخوانهما الخمس اللواتي رزقهن ابنه عبد المجيد من الجاريتين جوليسار ونرجس..
إنها ولا شك تحب حفيداتها، ولكن بقدر ما يمكن أن تحب جدة ذرية ابنها من البنات!
وهي لا تنسى أن ليس لها حفيد.. وهذا فظيع!.. وقد تزوجت فتحية كبرى حفيداتها تاجراً في الصاغة. وتزوجت خضرة ـ التالية لها ـ أحد علماء الأزهر.. وليس في بيت عبد المجيد ابن يلبس عمة أو طربوشاً!..
واستعادت أم محمود في ذهنها كلمات الندابات: «الويل لمن ليس له ولد، فإن نعشه سيحمله الأغراب!».. وراحت تحدث نفسها: «هل حلت نقمة الله على بيت عبد المجيد.. حتى إن زوجاته الست لم ينجبن له ابناً واحداً؟!».. إن ثلاثاً من أولئك الزوجات غادرن البيت: فالأولى، وهي نفيسة أم فتحية، ماتت منذ عهد بعيد، والثانية: نبيهة ـ أم نعيمة وعلية ـ ماتت أيضاً.. ماتت وهي توصيها خيراً بصغيرتيها. أما الزوجة الثالثة، فائقة، فقد طلقها عبد المجيد في ظروف مؤلمة!
وهكذا لم يبق في البيت من نساء عبد المجيد سوى جوليسار ونرجس، وهما في الواقع محظيتان لا زوجتان.. ثم الزوجة الأخيرة، واسمها ما شاء الله!..
وتذكرتها أم محمود فسألت الجاريتين:
ـ أين ما شاء الله؟
فتبادلت نرجس وجوليسار نظرات لها معانيها البعيدة.. فإنهما لا تحبان هذه الزوجة التي جاء بها عبد المجيد إلى بيته وأحلها فيه المكان الأول. فأسكنها أجمل جناح فيه، واحتفظ عندها بكل ملابسه، ثم جعل في خدمتها ثلاث نساء، فأصبحت لا تدخل المطبخ. وراحت تنظر إلى الجميع بعين الكبرياء والغطرسة، لأنها من أسرة كبيرة، ولأنها الزوجة المختارة.
وكان جميع من في البيت يكرهونها ـ لهذا السبب ـ ما عدا عبد المجيد.
سكتت الجاريتان لحظة، ثم ردت نرجس على سؤال أم محمود عن تلك الضرة، فقالت:
ـ إنها باقية في حجرتها في الدور الأعلى، مثل الغراب على الشجرة!
وقالت جوليسار:
ـ إنها لم تتناول معنا العشاء مرة واحدة، ولم تساعدني في إعداد نوع واحد من الحلوى!
فسألت أم محمود:
ـ وهل زارها أحد؟
ـ إنها تستقبل جميع قريباتها وصديقاتها من الصباح إلى المساء!
وعلمت أم محمود فوق هذا أن نرجس ذهبت إلى ما شاء الله في حجرتها، وانهالت عليها لوماً وتأنيباً بسبب ما تبديه من عجرفة في حديثها.. واعترفت نرجس أمام أم محمود بأنها لم تتورع عن سبها وشتمها بأقذع العبارات!
غير أن أم محمود نصحت للجارية الحبشية بألا تحدث في البيت شغباً.. ثم صعدت إلى غرفها حيث بدلت ثيابها. وبعد لحظة قيل لها: إن ابنها عبد المجيد قد عاد من الخارج، فأسرعت تنبئه بأنها وجدت له زوجة جديدة!
وقال لها عبد المجيد:
ـ لقد تزوجت ست مرات.. وولدت نسائي اثنتي عشرة مرة.. وكان المولود في كل مرة بنتاً.. وقد عاشت بعض بناتي وماتت الأخريات.. أفلا يكفي هذا، وقد بلغت الآن الستين من العمر؟!
ـ أنت أقوى وأجمل من الشبان.. وقد وجدت لك الضالة المنشودة.. وهي زنوبة ابنة السيد عبد الفتاح من درب المغاربة!
وقصت الأم على ابنها قصة الفتاة كما سمعتها في ليلة المأتم.. وظلت تلح عليه حتى أقنعته، فكلفها أن تذهب إلى بيت عبد الفتاح وتمهد السبيل لدى زنوبة لكي يجعل منها زوجته السابعة!
"زواج"
وقفت ثلاث عربات مقفلة على ضفة النيل، أمام الذهبية التي أعدت لإحياء حفلة الزواج. ونزلت من الأولى أم محمود وابنتها فاطمة.. ومن الثانية زنوبة وأختاها فائقة وعزيزة، ثم زهرة ابنة فاطمة.. ووصلت بقية المدعوات، أم حسن ووالدتها العجوز ست حبيبة..
لم تكن زنوبة قد رأت بعد الرجل الذي أعدوها زوجة له. وكل ما عرفته عنه أنه متقدم في السن ولكنه يمتاز بصفات كثيرة لم تتوافر لكثيرين من الرجال.. على أنها لم تكن تزعج نفسها بالتفكير الطويل في موضوع ليس من شأنها التفكير فيه، ما دام أبواها قد أرادا لها ذلك الزواج.
وتحركت الذهبية وانطلقت على سطح النيل، فقد أرادت أم حسن أن يجرى عقد القران في ذلك البيت العائم.. وأسرعت أم محمود فجلست بجانب زنوبة وراحت تتحدث إليها. وتذكرت الفتاة ذلك اليوم الذي زارتها فيه السيدة الجليلة، قبل أسبوعين، وعلقت على صدرها حلية من الذهب، بينما كانت تقدم لها القهوة..
ومنذ ذلك اليوم أصبحت زنوبة لعبد المجيد. فقد تقرر أن تتزوج التاجر الكبير، وقال لها الفقيه الذي استشارته مع أمها، والذي عرف بقدرته على قراءة المستقبل، إنها سترزق ابناً وتسميه عبد الكريم.. لتكن إذن مشيئة الله!
وتمت مراسم الزواج حسب المعتاد.. وتقرر أن تنتقل زنوبة إلى بيت فاطمة أخت عبد المجيد بالعباسية، حيث تقيم مع زوجها، ريثما يعد لها جناح خاص في الدار الكبيرة بالمطرية.
وودعت زنوبة أهلها، وذهبت في عربة إلى البيت الجديد، مع أمها وجدتها. وظلت المرأتان طول الطريق تتبادلان الآراء في هذا الزواج، فوصفتا عبد المجيد بأنه جميل كأحسن الشبان، وبأنه وافر الغنى، في وسعه أن يشتري القاهرة كلها إذا أراد! كما أنه رجل صالح حكيم حتى إن محافظ القاهرة ذهب إليه يستشيره في موضوع خطير!
ورحبت فاطمة بالعروس ترحيباً حاراً. وكانت تسكن في ذلك البيت مع ولديها، منذ بناه لها زوجها قبل سفره إلى السودان حيث قتل في إحدى المعارك.
وكانت فاطمة قد أعدت لزوجة أخيها الجديدة حجرتين جميلتين: إحداهما للنوم، والأخرى للاستقبال.
ووصل عبد المجيد إلى بيت أخته، وللمرة الأولى رأت زنوبة زوجها، فاقتربت منه وأخذت يده لتقبلها. وأدركت أم حسن أن ابنتها قد نالت حظوة في عيني عبد المجيد، لأن ابتسامة هادئة قد ارتسمت على شفتيه. وقدمت إليه الست حبيبة قدحاً من شراب البرتقال، هو في الواقع إكسير الحب، لأنه ممزوج بماء مر على قدم زنوبة، وبسكر وضعته الزوجة في فمها من قبل!
وقال عبد المجيد:
ـ لقد قدموا لي هذا الشراب خمس مرات قبل اليوم، ولكني أشربه الآن للمرة الأولى، لأنني أدرك أن زوجتي الجديدة هي أجمل النساء وألطفهن.
وبكت زنوبة من التأثر، عندما فارقتها أمها وجدتها، وتركتاها مع زوجها!.
"الفجر"
كان فجر اليوم التالي كفجر جميع الأيام السابقة!
ووقف عبد المجيد في شرفة حجرته، وجعل ينظر إلى القاهرة تبرز من ظلام الليل.. فاحس أن هذا الفجر ليس كفجر كل يوم.. أن الفرح لم يملأ قلبه هكذا فيما مضى.. وأن عينيه لتقع، من خلال الباب، على ذلك الشعر الأسود المسترسل على السرير حيث تنام زوجته الشابة زنوبة.. فتمتم عبد المجيد قائلاً:
ـ شكراً لك يا رب على هذا النعيم الذي أوجدتني فيه.. إن الأمل يفتح لي الآن ذراعيه!.. وتذكر أيام شبابه، فصعدت إلى شفتيه أغنية طالما ترنم بها في الزمن الماضي..
نعم، جعل عبد المجيد يغني، ولم يكن أحد قد رآه في مثل هذه الحالة من الفرح منذ أعوام عديدة.
وطلعت الشمس من وراء جبل المقطم، ودوى في الفضاء صوت الأبواق منبعثاً من ثكنات الجيش بالعباسية.. وعاد عبد المجيد إلى الحجرة، وراح ينظر بحنان وإعجاب إلى زنوبة وهي ممددة في سريرها مستغرقة في نومها، فملأ عينيه منها، متزوداً قبل ذهابه إلى عمله..
وشعر في تلك اللحظة بأن الغبطة والسعادة تملآن قلبه.
"ما شاء الله"
زنوبة في المطرية
ـ لا يمكن أن تدوم هذه الحالة يا ابنتي.. هل فاتحت زوجك في الموضوع؟
ـ كلا.. تحدثت مع فاطمة فقط، وهي تقول إنه لا يوجد مكان لي في المطرية.
ـ قالوا إنهم سيبنون مكاناً للحريم.
ـ لم يفعلوا بعد.. وهناك امرأة رديئة حسود يحسن أن أبقى بعيدة عنها.
ـ هذه أعذار واهية. ولا يعقل ألا تكوني قد ذهبت بعد إلى منزل زوجك بعد مرور عشرة أشهر على زواجك. فهل ندم زوجك على ما فعل؟
ـ عبد المجيد طيب جداً، وأنا سعيدة معه.
ـ ولكن هذا لا يكفي. ولا يليق أن تعامل الزوجة الشرعية معاملة الخليلة فتبقى بعيدة عن بيت زوجها وأسرته.. وليس عبد المجيد أول رجل تزوج أربع نساء.. فعليه أن يكبح جماح تلك الزوجة الغيرة الحسود.. سأكلمه أنا إذا لم تكلميه أنت.
ـ أرجو يا أمي أن تتركيه يفعل ما يتراءى له.
لم تكن هذه أول مرة تحدثت فيها أم حسن مع ابنتها في هذا الموضوع، متدخلة في شؤونها الزوجية الخاصة، معترضة على عدم نقلها إلى البيت الذي تقيم فيه ما شاء الله.. ولم تكن زنوبة لتوافق على هذا الاعتراض لأنها سعيدة بإقامتها ببيت فاطمة أخت زوجها بالعباسية. وهي ترى أن الزوج حر في أن يحل زوجاته في المكان الذي يريد..
نعم إنها لا ترى عبد المجيد كل يوم وكل ساعة، ولكنه يتردد على بيت أخته كثيراً فيعطي زوجته الصغيرة ما يروق له من وقته. فيمكث أحياناً بضع ساعات ثم ينصرف، وأحياناً يقضي الليل كله ثم يذهب في الصباح. وأدركت زنوبة أنه يخفي أمر زواجه بها عن زوجته «ما شاء الله»، ولكنها شعرت أيضاً بأنه يحبها أكثر من تلك المرأة، وما كان أشد فرحه عندما زفت إليه البشرى بأنها حامل!.. لقد ضمها إلى صدره فرحاً، ثم خرج وعاد إليها بعد ساعة حاملاً جوهرة ثمينة. وتوالت عليها هداياه منذ تلك اللحظة بلا انقطاع.
وظل عبد المجيد يخفي خبر الزواج عن ما شاء الله. ولكن أم محمود باحت بالسر إلى جوليسار ونرجس، ففرحتا كثيراً على أمل أن تحل زنوبة محل ما شاء الله المكروهة.
وحدث أن امتنع عبد المجيد عن زيارة زوجته الجديدة بضعة أيام، فقلقت وبثت شكواها إلى فاطمة أخته. فأسرعت هذه إلى بيته لاستطلاع حقيقة الأمر، ثم عادت تقول لزنوبة: « لا داعي للقلق والاضطراب، فإن عبد المجيد يشكو من داء المفاصل وهو في حاجة إلى الراحة والعلاج بضعة أيام». وكانت فاطمة تحمل من أخيها خاتماً جميلاً هدية لزوجته.
لكن الأيام مرت، دون أن ينهض من فراشه. واتضح أن الداء سيضطره إلى ملازمة حجرته بضعة أسابيع، فتضاعف قلق زنوبة، وجعلت تلح على أم محمود وفاطمة في أن تأخذاها معهما إلى بيت المطرية.
وفي النهاية، أجابتها أم محمود إلى رغبتها فصحبتها إلى منزل زوجها حيث دخلته للمرة الأولى.
كان عبد المجيد مستلقياً على سريره في حجرة «ما شاء الله»، فهرعت إليه زنوبة وأمسكت يده وقبلتها، فحياها عبد المجيد قائلاً:
ـ أهلا وسهلا .. إن مجرد رؤيتك يعيد إليّ الصحة!
ولكن صوتاً ارتفع خلفها صائحاً بغضب:
ـ من هذه المرأة؟.. اسدلي الحجاب على وجهك أمام الرجل يا قليلة الحياء!
وقالت زنوبة: « شكراً لك يا سيدتي، ولكن يحق لي أن أكون سافرة أمامه ! »
فالتفت عبد المجيد إلى ما شاء الله الغاضبة وقال:
ـ هذه زنوبة.. زوجتي!
وتقدمت جوليسار ونرجس وقبلتاها قائلتين:
ـ أهلا وسهلا!.. أهلا وسهلا! ولكن ما هذه الجلبة المفاجئة؟
إن « ما شاء الله » تلقت الخبر في بادئ الأمر بشيء من الدهشة، ثم ثار ثائرها، فأرغت وأزبدت وسقطت على الأرض مغشياً عليها. وحملتها نرجس والخادمات إلى الحمام حيث مددتها على البلاط، ووضعت لها في شعرها بعض الدبابيس، وفي فمها قطعة من الفحم، لكي تشفى من الغيرة، كما وضعت على صدرها قطعة من السكر لكي يرق قلبها! ثم أفرغت على رأسها « جردلاً » كان مليئاً بالماء!
وعادت نرجس تقص على جوليسار ما فعلت، فضحكت الجاريتان وانصرفتا إلى الاهتمام بزنوبة. وأعربتا لعبد المجيد عما يخالجهما من فرح لأنه وجد زوجة جميلة مثلها!
لكن ما شاء الله ما لبثت أن أفاقت من غشيتها. ولعل هذا نتيجة للماء الذي أفرغته نرجس على رأسها.. وعادت إلى الحجرة وقد تبدل حالها من الثورة إلى الهدوء، فأخذت ترحب بزنوبة وتقبلها، معتذرة عما بدا منها بدهشتها من زيارتها المفاجئة، لأن أحداً لم يخبرها بقدومها.
وتحيرت زنوبة، وخالجها الشك في صحة ما سمعته عن غطرسة ما شاء الله وكبريائها وسوء أدبها.. تحيرت لأن الابتسامة الرقيقة ظلت بعدئذ ترتسم على شفتي ما شاء الله كاشفة عن ثناياها الناصعة البياض!
وأحاط من في الدار بالزائرة الجديدة العزيزة مرحبات. وتقرر أن تبقى زنوبة معهن حتى يمن الله بالشفاء على عبد المجيد. واختير لإقامتها الجناح الذي تسكنه أم محمود، إلى أن ينظر في أمر توفير مكان خاص لها
"صنع الخبز"
صحت زنوبة من نومها متثاقلة لتتساءل أين هي. وسمعت صوت أمها وأختيها، ولكنها فطنت في الحال إلى أنها ليست في بيت أبيها في درب المغاربة، بل في بيت زوجها عبد المجيد في المطرية، وفي حجرة أم محمود بالذات. وجالت بنظرها في الحجرة متأملة في كل ما تحويه من أثاث وتحف وفراش. وأدركت أنها وحدها في الحجرة، وأن جميع نساء البيت وبناته قد خرجن مبكرات إلى المخبز الملحق بالدار حيث يصنع مرة كل أسبوع ما يحتاج إليه سكان الدار من خبز.. إنه يوم مشهود. وهذه هي تسمع صوت النساء والجواري يتصاعد من المخبز حيث يعملن بهمة ونشاط!
وأرادت أن تلحق بهن لتأخذ نصيبها من العمل المشترك، فنهضت وارتدت ثيابها ثم أسرعت مهرولة من السلم إلى حيث مصدر الأصوات..
وصاحت النسوة جميعاً:
ـ زنوبة؟ أهلاً بك يا زنوبة! واتجهت الأنظار إليها من كل صوب. فنادتها أم محمود قائلة:
ـ تعالي يا ابنتي.. تعالي وانظري كيف نصنع خبزنا..
وأضافت نرجس قائلة:
ـ نرجو قريباً إن شاء الله أن نصنع خبز العيد يوم تُرزقين ابناً! ما أروع ذلك المنظر، وما أبعده أثراً في النفس!.. فالنساء يتسابقن إلى العمل وكل منهن تتفنن فيه؛ وبينما كن منصرفات إلى معالجة الدقيق وعجنه، أو إلى وضع أرغفة الخبز في الفرن، قالت أم محمود لزنوبة:
ـ تعالي يا ابنتي.. سنلتقط بضع حمامات نشويهن في الفرن.
وما كادت زنوبة تبتعد حتى أصبحت موضوع الحديث بين النساء الباقيات في المخبز. وقد أجمعن على أنها آية في اللطف والجمال. وتمنين أن تلد ابناً لعبد المجيد.. ولكن صوتاً ارتفع قائلاً:
ـ من يدري إذا كانت لا تفعل ما فعلته الست فائقة من قبل!
وكانت المتكلمة خديجة، خادمة ما شاء الله. فقوبلت بأصوات الاعتراض والاستنكار: هذه تقول لها: « أما أعطاك الله لساناً إلا للطعن ؟ ». وأخرى تصفها بأنها عقربة خبيثة، وثالثة تستنزل عليها وعلى أمها لعنة الله! أو تسألها: كم قبضت ثمناً لبذر بذور الشؤم في هذا البيت؟
وأخيراً اقتربت منها المخبزة النوبية وأمسكت بشعرها وبصقت في وجهها. واختلط الحابل بالنابل وسط الصياح والعويل، ولكن الهدوء عاد إلى المكان بعودة أم محمود، فافترقت المتقاتلات، وسألت السيدة الجليلة:
ـ ماذا حدث في غيبتي؟
ولم يجبها أحد، لأن النساء أبين أن يذكرن أمامها اسم فائقة، تلك المرأة التي طردت من البيت قبل ذلك اليوم بخمس عشرة سنة، والتي أمر عبد المجيد بألا يتحدث أحد عنها على الإطلاق.
ولكن أم محمود ألحت في السؤال فأجابتها النوبية قائلة:
ـ إن هذه الملعونة تدعي أن ست زنوبة ليست حاملاً، وأنها تتظاهر بذلك كما فعلت من قبل تلك السيدة التي ذكرت اسمها!
وصاحت خديجة:
ـ هذا كذب.. أنا لم أقل هذا!
وأصرت الخادمة النوبية على قولها وأيدتها الباقيات. فطلبت أم محمود من خديجة أن تخرج فخرجت!
تجلت أمام عيني أم محمود صورة فائقة.. تلك المرأة التي تزوجها عبد المجيد، فادعت أنها حامل، وكادت تخدعه وتخدع أهل البيت جميعاً، إذ مثلت دورها بإتقان عظيم، فلم يتطرق الشك إلى ذهن أحد ممن كانوا يرونها ويراقبون تطور حالتها!. إلى أن ذهبت إلى بيت أبيها لتضع مولودها فيه جرياً على العادة المتبعة. وذهبت أم محمود وابنها عبد المجيد يوم الحادث السعيد، فإذا بالمولدة تقدم لهما الطفل، وإذا بأم يوسف ـ أم فائقة ـ تشرح لهما كيف حدثت الولادة بالتفصيل.. ثم اتضحت الحقيقة لأم محمود!.. فعلمت أن فائقة لم تكن حاملاً. وأن «الداية» جاءت لفائقة بطفل ولدته فلاحة ساذجة قبل ذلك بأيام، لتدعي أنه مولودها. كما جاءت بالفلاحة الأم الحقيقية للطفل، فأقامت بالبيت لإرضاع الطفل بحجة أن فائقة لم يدر لبنها بعد!
استطاعت أم محمود تمزيق هذا السر بما أبدته من فطنة ونشاط، فانفضح أمر الزوجة الكاذبة، وطلقها عبد المجيد وطردها طرداً، ومنذ ذلك الوقت لم يذكر أحد اسمها في داره بالمطرية.
وكانت الصدمة قاسية على عبد المجيد، وعلى أمه التي لم تنس ذلك الطفل المكتمل التكوين، القوي البنية، الذي لو كان ابن عبد المجيد حقاً، لغير وجوده حياة الرجل وحياة أسرته التي تتلهف إلى ابن يرث أباه!
وقالت أم محمود لنفسها:
ـ لو كان ذلك صحيحاً، لكان حفيدي اليوم في الخامسة عشرة من العمر!
ولكنها طردت من ذهنها تلك الذكرى المؤلمة، وراحت تتحدث إلى زنوبة العائدة من الحديقة وبيدها حمامة واحدة التقطتها..
وسألتها زنوبة أن تروي لها قصة حياة جوليسار ونرجس، الجاريتين المحبوبتين، فقالت أم محمود:
ـ لقد اشتريت نرجس بنفسي من «وكالة الجلابة» في أواخر عهد الوالي سعيد باشا. وهي حبشية لم تكن بعد قد بلغت الثانية عشرة من عمرها. فأهديتها إلى عبد المجيد يوم بلغ العشرين!. أما جوليسار، فإن قصتها أكثر تعقيداً.
فقد كان زوجي عبد الحميد يلعب النرد ذات يوم مع مراد باشا في قصره الكبير، فخسر الباشا في اللعب، وقبل أن يفترق الصديقان، قال لزوجي: « لقد جاءتني أمس من استانبول جارية شركسية بارعة الحسن. وأنا أعرض عليك أن تلعب دوراً جديداً، فإن غلبتني فالجارية لك. وإن غلبتك أعدت إليّ ما ربحته مني ! »
« وخسر الباشا. وأخذ عبد الحميد الجارية ـ وهي جوليسار ـ وجاء بها إلى البيت. ولما كان قد بلغ السبعين، فقد أهداها إلى ابنه عبد المجيد ! »
وسألتها زنوبة: « ألم تدب الغيرة إلى نفس نرجس ؟ »
فقالت: « لقد حدث هذا أول الأمر، فدبت الغيرة لا في نفس نرجس وحدها، بل في نفس الزوجة الثانية أيضاً، نفيسة! ولكن الوفاق عاد إلى البيت سريعاً، وقامت بين الجاريتين صداقة متينة.. إن جوليسار أجمل من نرجس. ولكن نرجس أذكى من جوليسار ! »
ـ ولكن لماذا تحبين نرجس أكثر من غيرها ؟
ـ لا أخفي عليك هذا.. فقد جئت بها طفلة إلى هذا البيت. وهي تعنى بي عناية خاصة.. ولكن لا تنسي يا ابنتي أن ابني عبد المجيد يضع آماله كلها فيك أنت، ويرجو أن يُرزق منك بالابن الذي يتوق إليه..
ـ هذا ما أرجوه أيضاً. ولعل الله يستجيب إلى رجائي، فإنني أتضرع إليه في كل ساعة!
وصعدت زنوبة إلى غرفتها، وهي تشعر بثقل في أحشائها، حيث استقرت آمالها وآمال زوجها!
الغيرة ..
اعتكفت ما شاء الله في حجرتها زاعمة أنها متوعكة المزاج. ولكنها في الواقع لم تكن تعاني سوى آلام الغيرة القاتلة. وأرسلت في طلب عمتها نفيسة وأفضت إليها بآلامها وأحزانها. وحاولت العمة أن تهدئ قلقها ولكن ما شاء الله لم تستمع لنصائحها. نعم إن عبد المجيد كان قد تزوج نساء أخريات غيرها، ولكن هذه الزوجة الجديدة قد ملكت مشاعره واحتكرت حبه. ولو حدث أن ولدت له ابناً، فإن هذا سيكون القضاء المبرم على ما بقى لها هي ـ ما شاء الله ـ في البيت من نفوذ وسلطان!
وتم الاتفاق بين المرأتين على أن ترسل نفيسة إلى ما شاء الله امرأة سودانية تعرف أعشاباً سحرية إذا أحرقت على مقربة من الحامل، أجهضت بكل تأكيد!
وقررت ما شاء الله أن تبعد الخطر عن نفسها باتباع هذه الطريقة مع زنوبة فتفقد حملها قبل أن تلده، سواء أكان ذكراً أم أنثى!
وجاءت السودانية، واسمها «بخيتة»، فأفضت إليها ما شاء الله برغبتها. وفي اليوم التالي حملت إليها المرأة طائفة من الأعشاب، وعلمتها كيف تعالجها، وفي أي ظروف تحرقها.. فاستعدت ما شاء الله للعمل بإرشادها، واحتفظت بالأعشاب لاستعمالها في بدء الشهر التاسع، عندما تعتزم زنوبة الانتقال إلى بيت أمها لتلد فيه!
"السعادة"
شفي عبد المجيد من مرضه. وسره أن تحدثه ما شاء الله دائماً عن زوجته الجديدة وتثني عليها. لقد رأت المرأة الشريرة أن تمثل دورها وتتقنه، فتتظاهر بغير ما تضمر لكي تبعد عنها كل ارتياب وكان أول ما أقنعت به زوجها أن يترك زنوبة تلد في داره، بدلاً من أن تلد في بيت أهلها. مؤكدة له أنها ستكون سعيدة بالعناية بزنوبة المحبوبة عند ولادتها!
وفي الليلة الموعودة، حرصت ما شاء الله على أن تتناول العشاء مع عبد المجيد وزنوبة حول سماط واحد. وظلت طول الوقت تضحك وتروي النوادر والذكريات، ثم أسمعتهما أغنية على «الفونوغراف» مطلعها: « الحلو مخاصمني .. شاهده يا أمه »
كانت سهرة جميلة مسلية. تمكنت ما شاء الله خلالها من التسلط على إرادة زوجها، وبالرغم من أن الحاجة قد أثار في نفسه الشكوك، فقد رضي في النهاية أن تقيم زنوبة عندها، بدلاً من أن تعود إلى بيت أمها.. وفي أوائل الشهر التاسع، يُعاد النظر في الأمر. فإما أن تبقى وإما أن تذهب..
وقالت زنوبة لنفسها مرة أخرى: « إن هذه المرأة ليست رديئة إلى الحد الذي سمعته ». وقبلت عن طيبة خاطر أن تنزل ضيفة عليها! وشعر الجميع بالسعادة!
"الليلة المشئومة"
رأت زنوبة النيران تندلع ألسنتها وتتصاعد دخانها في الفضاء.. ووصلت إلى أنفها رائحة شعر يحترق، ولم تعرف أنه شعر ما شاء الله!
وهناك في ركن الحجرة، كانت عينان مرهبتان تحدقان فيها!.. إنهما عينا إبليس! نعم إبليس اللعين!
وحاولت زنوبة أن تصيح مستنجدة فلم تستطع!.. ثم فتحت عينيها!.. وساءلت نفسها: أفي حلم هي أم في يقظة ؟ وأين ما شاء الله ؟.. وأين بخيتة ؟.. وأدركت أخيراً أنها تحلم، فإن ما شاء الله ذهبت في اليوم السابق إلى عمتها المريضة!.. وبخيتة نائمة في الممر!
ولكن الرائحة الخانقة بقيت تزكم أنفها!.. وحاولت أن تنهض فلم تستطع.. فصاحت.. وأسرعت بخيتة وبيدها شمعة مضاءة.. وجعلت تهدئ من روعها، قائلة إن حالتها تؤدي إلى مثل هذا الانزعاج المؤقت.. وأنه يجب أن تتقيأ في الحال..
وأسرعت المولدة فقالت إن حالة زنوبة خطيرة، وأن لا بد من الاستنجاد بالطبيبة!
وأسرعت نرجس من ناحيتها إلى عبد المجيد فأيقظته من نومه، فاستدعى الست شفيقة الطبيبة المشهورة. وأدركت هذه السيدة العالمة ألا أمل في نجاة الأم إلا بإخراج الجنين من أحشائها..
وأجريت لزنوبة الجراحة اللازمة، فطرحت وليدها قبل الأوان، ونجحت المكيدة التي حاكت ما شاء الله خيوطها بدقة وإتقان!
وأحاطت النساء بسرير زنوبة الحزينة الباكية. وصعقت أم محمود أمام هذه الكارثة. وولولت أم حسن. وتمتمت بعض النسوة بأن هذا الحادث لا يمكن أن يكون طبيعياً، وأن هناك يداً خفية لعبت في الظلام!
وكان الجنين ذكراً، وهذا ما ضاعف حزن عبد المجيد وجعله أقرب إلى اليأس!
فحمل الرجل طفله الميت إلى مدافن الأسرة، وأنزله بيده إلى الضريح الذي يحوي رفات أبيه قائلاً:
ـ يا أبي هذا حفيدك.. انتظرته ثلاثين سنة ولم أستطع المحافظة عليه!
وحنت الصدمة الشديدة ظهر عبد المجيد!
" العقاب داخل الحريم
التهمة"
مر أسبوع لم تر فيه زنوبة زوجها بعد أن عادت من المطرية إلى بيتها نزولاً على إلحاح أمها. وكانت تدهش كلما سمعت أحداً حولها يتكلم بالسوء عن ما شاء الله. فماذا صنعت ما شاء الله لكي يكرهها الجميع ويحقدوا عليها؟
إن أم حسن لا تتهمها جهاراً بأنها سببت إجهاض زنوبة، ولكنها تصرح بأن الحادث لم يكن طبيعياً، ويوافقها زوجها عبد الفتاح على هذا الرأي..
أرادت زنوبة أن تعود من تلقاء نفسها إلى بيت عبد المجيد، لكن أمها عارضت قائلة: « إن هذا لا يليق، وأن مسألة الإجهاض يجب أن تعرف على حقيقتها، وقبل أن يُمزق الستار عن هذا السر، فإن زنوبة ستبقى في بيت أبويها ! .. »
وأخيراً، أطلعت الأم ابنتها على ما تقرر نهائياً بين الأبوين: يجب على عبد المجيد أن يجمع نساء البيت كلهن، ثم تقسم كل منهن على أنها لم تعمد إلى الشعوذة أو السحر لإحداث الإجهاض في تلك الليلة. فإذا فعلت النسوة كلهن ذلك، فإن الله لابد أن ينزل العقاب بالمذنبة التي تقسم زوراً وبهتاناً!
وقالت الأم لابنتها: « لا تجزعي! فإن الحقيقة ستعرف. وسوف تعودين إلى زوجك معززة مكرمة ! »
"القسم"
وذهب إلى المسجد كل النساء في بيت عبد المجيد ليؤدين الصلاة استعداداً لحلف اليمين. ولكن ما شاء الله لم تذهب معهن بحجة أنها في حالة لا تسمح لها بأداء الصلاة في المسجد. وتبادل النسوة نظرات الدهشة والحنق. فقد لعبت بهن هذه المرأة مرة أخرى.
وكانت بخيتة خائفة مضطربة، فقد هالها أن تقسم كاذبة. غير أن ما شاء الله أقنعتها بأن القسم لن يكون كاذباً إذا لفظ الإنسان عباراته وهو يفكر في شيء آخر. فعلى بخيتة حين تقول ويدها على المصحف: « أقسم أنني بريئة من موت الطفل ! » أن يكون فكرها منصرفاً إلى الخروف!
غير أن ما شاء الله لم تكن من ناحيتها مطمئنة إلى عواقب ذلك القسم! وجعلت تفكر في الهرب، ولكنها عدلت عن فكرتها وعولت على مواجهة الزوبعة بقلب ثابت.
وتمت حفلة القسم في حجرة ما شاء الله نفسها، وتقدمت نساء الدار واحدة بعد الأخرى فأقسمن وأيديهن على المصحف على أنهن بريئات من حادث إجهاض زنوبة!
واعتذرت ما شاء الله بأنها في حالة لا تمكنها من أداء القسم. ولكنها وعدت بأن تؤديه في يوم آخر ..
وجاء دور بخيتة. فرددت مع الفقيه: « باسم الله العلي العظيم، والنبي الكريم والأولياء الصالحين، أقسم أنني ... » ولكن صوتها اضطرب، وتولتها رعشة عامة، ثم سقطت على الأرض قبل أن تتم القسم!
وجيء بالطبيب فقرر أن السودانية أصيبت بشلل جزئي في شقها الأيمن، وأن الأمل ضعيف في إنقاذها.
وقالت نرجس بصوت سمعه الجميع: « إن بخيتة لم تكن غير آلة في يد غيرها ! »
وساد الاعتقاد بأن ما شاء الله هي التي حرضت المرأة على استخدام السحر أو غيره من الأساليب لإجهاض زنوبة.. وهذا ما اعتقده أيضاً عبد المجيد، أمام تلك المظاهر المريبة، وأمام إصرار ما شاء الله على الامتناع من أداء القسم مثل غيرها من نساء البيت. ولهذا فقد طُلب منها أن تغادر داره ريثما ينظر في أمرها ويبت في مصيرها ..
"الطلاق"
فوجئ عبد المجيد ذات يوم بزيارة صديقه محافظ القاهرة على غير انتظار. وما لبث أن أدرك أن ما شاء الله موضوع الزيارة، نظراً إلى العلاقات الطيبة بين المحافظ وأسرتها. ولم يكن عبد المجيد مخطئاً في ظنه. فقد طلب إليه صديقه أن يطلق زوجته ما شاء الله لأنها ترى أن الجو الذي أصبحت تعيش فيه سيجعل حياتها لا تطاق. وكان عبد المجيد قد رفض إجابتها إلى طلب الطلاق أكثر من مرة، تجنباً للقيل والقال، ولأنها من أسرة كبيرة معروفة، وقد يثير طلاقها الإشاعات والشكوك.
وكانت ما شاء الله قد رفضت بدورها العودة إلى بيت زوجها بعد أن طردها منه عقب حادث القسم.. وإذن، فلابد له من وضع حد لهذه الحال.
فكر الرجل طويلاً، ورأى أن الطلاق ـ كما يقول صديقه المحافظ ـ خير حل للخروج من هذا المأزق.. فلفظ يمين طلاقها أمامه وأمام شاهدين آخرين من الجيران، ثم ألقى بين يدي صديقه المحافظ تسعين جنيهاً ذهبياً، هي مؤخر الصداق، ومبلغاً من المال نفقة للزوجة المطلقة لمدة ثلاثة أشهر.
واستعد للذهاب إلى حلوان حيث استأجر داراً لإقامة زنوبة وأمها ..
"عودة زنوبة"
عادت زنوبة وأمها إلى درب المغاربة، تأهباً للانتقال إلى حلوان. وأقبل الجيران والأصدقاء على أم حسن يهنئونها بشفاء ابنتها، ويستطلعون أخبار عبد المجيد وكيف يعامل زوجته وما يقدمه إليها من هدايا. وكانت الأم تجيب عن جميع الأسئلة بزهو ومباهاة ..
وذهبت أم محمود بنفسها إلى درب المغاربة لتعود بزنوبة إلى بيت ابنها عبد المجيد، في عربة يجرها جواد!
ونُحرت الذبائح على عتبة الباب ابتهاجاً بهذا الحادث السعيد، وأقبلت النساء على تحية زنوبة والترحيب بها، وفي مقدمتهن جوليسار ونرجس. وحلت زنوبة في الجناح الذي كانت تقيم به ما شاء الله. ولكن عبد المجيد كان قد بدل كل شيء، في ذلك الجناح، بحيث لا تبقى فيه قطعة واحدة من الأثاث تذكر زنوبة بتلك الليلة التي حدث لها فيها ما حدث!
وتباحثت أم محمود وأم حسن في طريقة توزيع الاختصاص بين نساء الدار من جديد، ما دامت زنوبة قد أصبحت، بعد ذهاب ما شاء الله إلى غير عودة، صاحبة الكلمة الأولى في بيت زوجها. وتم الاتفاق على كل كبيرة وصغيرة بدون أن يؤدي ذلك إلى خلاف أو جدال ..
" العقم"
المغاوري
كانت زنوبة قلقة مضطربة، تساورها الهواجس بعد تلك الحوادث التي مرت بها. وكانت تخشى ألا تحمل وتلد بعد ذلك. أما بسبب ما حدث لها، وإما بسبب الفارق الكبير بين سنها وسن زوجها. وراحت النسوة يتبادلان الآراء ويتباحثن في الوسائل الناجعة لمكافحة العقم عند الزوجات، والأساليب الشائعة عند الناس في ذلك الوقت، بصرف النظر عن البيئة التي كانوا يعيشون فيها.
وخرجت زنوبة ذات يوم، بعد استئذان زوجها، مع أمها وجدتها في عربة قصدت بهن إلى القلعة، ومنها إلى قبة المغاوري التي هي مقصد كل زوجة عاقر، ترغب في أن يمن الله عليها بابن تقر به عينا أبويه!
وصلت النساء الثلاث إلى القبة حيث وجدن نساء أخريات جئن للغرض ذاته، ووجدن بعض الدراويش يصلون وعلى رأس كل منهم « قاووق » طويل.
ودارت زنوبة حسب الطقوس المفروضة سبع دورات حول ضريح الولي المدفون هناك، ودفعت الرسم الذي طلبه الدراويش، وهي تردد بلا انقطاع: « ولد يا رب .. ولد يا رب !. . » ثم انبطحت على الأرض وراحت تتمرغ دائرة حول نفسها.. وأخيراً عادت مع أمها وجدتها إلى المنزل، واثقة من أن الله سوف يستجيب دعاءها ويرزقها ابناً يكفل السعادة لعبد المجيد ولها ..
حمام محمد علي
وفي طريق العودة، عرجت النساء الثلاث على حمام محمد علي والحدائق المحيطة به. وحمام محمد علي من الأماكن التي تقصدها أيضاً الزوجات العاقرات طلباً للشفاء من العقم. ولهذا، فإن زنوبة نزلت أيضاً على رغبة أمها وجدتها، فوقفت على حافة الحوض في الحمام، وغسلت وجهها وقدميها، ثم هبطت وصعدت سبع مرات ـ وهو العدد المفروض في مثل هذه الحالات، كالطواف حول قبة الأولياء ..
والحت الأم والجدة عليها أيضاً في أن تمر تحت بطن جاموسة من جواميس الخديو في الحديقة، لأن هذا أيضاً من أنواع علاج العقم.
وكذلك دارت زنوبة سبع مرات حول الساقية في وسط الحديقة، إذ قيل لها: إن هذا يطرد الأرواح الشريرة ويجعل العاقر قابلة للحمل في أقرب فرصة!
وشاءت المصادفة، حين خرجت النساء الثلاث من الحديقة، أن يمر الخديو في موكبه الرائع، بين صفين من الجند، وقد وقف المارة على جانبي الطريق لتحيته والهتاف له. فصاحت أم حسن قائلة:
ـ إن الله يشمل زنوبة بعنايته، لأن رؤية سيد البلاد، بعد تلك المراسم التي قامت بها، فال حسن. ولا بد أن تلد الزوجة الشابة في المستقبل القريب ويكون مولودها ذكراً ! »
"الأهرام"
وانطلقت النساء الثلاث فيما بعد إلى زيارة أهرام الجيزة، لأن فيها قوة سحرية عجيبة، ولا بد للمرأة التي تدخل جوف الهرم الأكبر، من أن تحمل وتلد ابناً، لأن في جوف ذلك البناء الضخم قوة تقضي على العقم وتنقذ العاقر من حالتها المزعجة.
ودخلت زنوبة جوف الهرم الأكبر، ووصلت إلى غرفة فرعون، وألقت نظرة على التابوت الخاوي الملقى هناك. ولكنها رفضت الذهاب إلى أبعد من هذا، للوقوف أمام ضريح فرعون، لأنها شعرت بضيق في صدرها فألحت في طلب التعجيل بالخروج من ذلك المكان المظلم الرهيب!
غير أن الأم والجدة حثتا عليها في أن تطوف سبع مرات حول الأهرام الثلاثة، وسبع مرات مثلها حول أبي الهول! لأن ذلك كله جزء لا يتجزأ من « العلاج » الذي يشفيها من القلق الذي ينتابها، ويضمن لها الفرج في المستقبل، فترزق طفلاً تكتمل به سعادتها وسعادة زوجها!
وانقضت الأيام الخمسة التي سمح بها عبد المجيد لزوجته، لكي تزور أهلها وتمكث عندهم وتخرج معهم في نزهة بمصر. ولم يكن الزوج يدرى أن زنوبة قضت هذه الأيام الخمسة في الطواف على قباب الأولياء والحمامات والأهرام وغيرها من الأماكن المعروفة بقوتها السحرية. وقد عادت زنوبة إلى بيت زوجها واثقة من أنها ستلد له الابن الذي يتوق إليه.
"المولود السعيد"
زنوبة حامل !
صحت نساء البيت على هتاف أم محمود: « الله! الله! زنوبة حامل ! ». وامتلأ الجناح الذي تقيم به الزوجة الشابة بجميع ساكنات البيت، وراحت كل منهن تقبلها وتهنئها وتطلب لها الخلاص القريب، على أمل أن يكون المولود القادم ذكراً مثل المولود الذي شاءت الأقدار ألا يرى النور!
وأجمعن على وجوب اعتكافها في حجرتها بعد ذلك، فلا تهتم بشأن من شؤون البيت، ولا تتجشم أي نوع من أنواع التعب، وتبتعد عن جميع الأعمال الكبيرة والصغيرة، محافظة على صحتها، ووقاية لحملها العزيز.
ولما علمت أم حسن بالنبأ المفرح، أسرعت إلى ابنتها قائلة: « أرأيت كيف أننا قد تمكنا من مكافحة الأرواح الشريرة، وفك عقدة المشاهرة والتغلب على العقم ؟ »
وأحيطت زنوبة بأنواع العناية والرعاية. وقرأت لها عرافة مشهورة فنجان القهوة فأكدت لها أن المولود القادم سيكون ابناً ذكراً ولاشك. وجعلت النساء يتناقشن في اختيار الاسم الذي سيطلق عليه!
وارتفعت الأصوات بالغناء، وتحركت الأكف بالتصفيق، وقضت نساء الدار ساعات كلها فرح وغبطة ومرح. وغرقت زنوبة في بحار من الأفكار الهادئة، وتخيلت زوجها يعانقها وينظر إليها بحنان؛ ثم يرمق وليدهما بعينين دامعتين!
وأعدت أم حسن بمعاونة ست حبيبة حجرة لزنوبة في بيت أبيها، استعداداً لاستقبال الوليد.
وتضاعفت عناية النساء بالزوجة وتزايدت يوماً عن يوم. وأبت أم حسن وست حبيبة إلا أن يقمن حفلة زار في دار عبد المجيد، ولكنها حفلة صامتة غير مصحوبة بصياح ودق طبول: فلا بد من طرد الأرواح الشريرة حتى لا تقدم على التدخل في مصير الزوجة وابنها المنتظر ..
وانحصر هم النسوة جميعاً في سؤال العرافات وقراءة الغيب وحرق البخور وغير ذلك مما كان شائعاً في ذلك الوقت، وكانت كل منهن تفسر ما تراه وما تسمعه تفسيراً يتفق مع الأمل الذي يخامر صدور الجميع.. أن زنوبة ستضع ابناً، وكل البوادر والظواهر تدل على هذا بصورة لا تقبل الجدل.
أما زنوبة، فإنها كانت تصغي إلى أقوال النساء والمخاوف تساورها. كانت تسائل نفسها: أيمكن أن يعرف الإنسان الغيب؟. وكان الجواب دائماً أن الحقيقة لن تُعرف إلا بعد أن تضع مولودها. وهي واثقة أن الله سبحانه وتعالى لن يحل نقمته بعبد المجيد، الزوج الطيب، ويجعل الحزن والأسى من نصيب أسرتين كريمتين. وطردت زنوبة من ذهنها الأفكار السوداء ووضعت أملها في الله.
أما ابنها المنتظر فقد اختارت له الاسم اللائق به: فريد!
"الولادة"
جاء رسول من بيت عبد الفتاح ينبئ عبد المجيد وأم محمود بأن زنوبة جاءها المخاض وتوشك أن تلد في هذه الليلة. فأسرع الزوج السعيد مع أمه وقد تلاطمت في صدره مشاعر الفرح والقلق في آن واحد: أتلد زنوبة بنتاً أم ابناً؟
وكانت أم حسن وست حبيبة وجميع النساء في بيت عبد الفتاح في انتظار قدوم الزوج وأمه. وكلهن يتكهن بأن البوادر تدل على أن المولود ذكر لا شك فيه!
وتعذبت زنوبة كثيراً، وحاولت المولدة قدر استطاعتها أن تخفف من ذلك العذاب. وكان عبد المجيد وعبد الفتاح ينتظران بفارغ الصبر في الدور الأسفل من الدار. ونزلت أم محمود وليس على وجهها شيء من أمارات الفرح والحبور. وقالت بلهجة هادئة:
ـ بنت !
ونظر عبد المجيد إلى عبد الفتاح نظرة لا غضب فيها ولا دهشة وقال:
ـ لتكن إرادة الله !
وصعد الزوج إلى حيث زنوبة تبكي وتنتحب. فأخذ يدها بيديه، وجعل يلاطفها بلهجة كلها حنان. وقرر عبد المجيد أن يقيم حفلة «الأسبوع» وأن تكون الحفلة رائعة، إذ أنه يشعر بأن هذه البنت هي آخر طفل من ذريته!
وجعل عبد المجيد يتحدث عن ولادة البنت كأنها الحادث السعيد الذي طالما انتظره. وكان جميع من في البيت مكفهرة وجوههم ما عداه هو، فقد استسلم لإرادة الله. وكانت زنوبة أشد النساء حزناً وكآبة. فقد خابت آمالها، وأيقنت أنها باقية في بيت أبيها مع البنت ثمرة أحشائها!
مر أسبوع على ولادة البنت! وسميت فريدة!
وبقيت زنوبة في حجرتها، ملازمة فراشها، حيث كانت النساء يزرنها ويتبادلن النصائح والإرشادات، وكل منهن تخفي حزنها وتتظاهر بأنها فرحة راضية.
وفتحت النوافذ للمرة الأولى في اليوم السابع، لأن عبد المجيد أراد أن يكون ذلك اليوم يوم احتفال بانقضاء الأسبوع الأول بعد الولادة جرياً على العادة المتبعة. وكان كل شيء قد أعد لهذا الغرض في الحجرة الفاخرة: الماء، والمكسرات، والحلوى، وشمعتان مغروستان في كومة من الرمل!
وجاءت « الداية » في الموعد المحدد. وحملت النساء هداياهن إلى المولودة الصغيرة، ونفحن المولدة أيضاً بما فيه النصيب. وحملت المرأة الطفلة بيدها اليمنى، ونثرت في الحجرة حفنات من الملح، لأن الملح يحفظ الأطفال من عيون الحساد. وراحت المولدة تغني الأغنيات المألوفة وبقية النسوة يرددنها فرحات.
وبعد الانتهاء من هذه المراسم وغيرها مما لا حصر له، نهضت زنوبة من سريرها، واتكأت على ذراع أمها والمولدة، وخرجت من الحجرة ثم عادت إليها سبع مرات متواليات. ومرت كذلك سبع مرات فوق المنخل الذي وضعت فيه المولدة الطفلة. وبهذه الحركة أبعدت زنوبة عن نفسها النحس، وأصبحت في مأمن من خطر العقم لمدة سبعة أعوام ! ..
واقتربت الأم الشابة من طفلتها الصغيرة، وحملتها بين ذراعيها. وضمتها إلى صدرها، وقدمت إليها ثديها. وارتفعت أصوات النساء بالغناء.. أنهن ينسدن أنشودة الأم التي لم ترزق غير بنات ! ..
وفكرت زنوبة في ذلك الزوج متسائلة: ألا أراه وقد مر أسبوع كامل على ولادة الطفلة ؟ ..
ثم استلقت على ظهرها، وضمت وليدتها من جديد إلى صدرها وأغمضت عينيها..
ثم فتحتهما.. ويا لروعة المنظر الذي تراءى لها.. إن عبد المجيد جالس هناك.. في مكان بعيد.. قد يكون الجامع.. رافعاً يديه إلى السماء يصلي: لقد ظهر عليه الكبر، وتغضن وجهه، وارتعشت شفتاه.. وغارت عيناه..
وتساقطت دموع زنوبة على وجه وليدتها المسكينة!.




















