مؤشرات كثيرة تدعونا إلى التفاؤل بالعام الجديد فى قضايا الداخل، بداية انفراجة اقتصادية ومالية، لا أعباء إضافية على المواطن، وبرلمان جديد جاء أعضاؤه عبر معاناة فى الصناديق والانتخابات، جعلت الكلمة الأولى والأخيرة لصوت المواطن.
فى قضايا الأمن القومى العربى، ما زلنا فى توابع حرب غزة، التواجد الإسرائيلى ظهر فى إقليم أرض الصومال، على خليج عدن، والأمور فى السودان وليبيا وحضرموت باليمن وسوريا ولبنان تدعو للقلق.
الخميس أول أيام العام الجديد، حيث الترحيب دائما بالجديد والتفاؤل بما هو قادم، مع توقع الأفضل والأحسن، الاحتفاء بالعام الجديد، يعنى أن التفاؤل هو الأصل لدى الإنسان والمجتمع عمومًا، صدقًا تفاءلوا بالخير تجدوه.
والحق أن لدينا أسبابًا عدة للتفاؤل بالعام الجديد، ذلك أن عام 2025 كان صعبا للغاية، معظم شهور السنة، فى المجمل كان عاما قاسيا، ومن ثم فإن القادم لن يكون بهذه القسوة، فضلا عن ذلك أن رئيس مجلس الوزراء د. مصطفى مدبولى، عقد مؤتمرًا صحفيًا الأسبوع الماضى، وقدم بعض المعلومات التى تدعو للتفاؤل.. التفاؤل هنا ليس قائمًا على حسن النية فقط، وتوقع الأحسن، لكن هناك أسسًا أشار إليها د. مدبولى، مثل أن معدل التضخم حقق انخفاضا كبيرا، وأن سعر الصرف بدأ يستقر، بل إن الدولار يتراجع أمام الجنيه، صحيح أنه تراجع طفيف، لكنه تراجع يبشر بالخير.. وأكد د. مدبولى أن البطالة تراجعت بنسبة كبيرة.
وأكد عدد من الوزراء، كلٌّ فى اختصاصه، تحديدًا وزير الطاقة، أن العام القادم لن يشهد أعباء جديدة على المواطن..
بالجملة انتهى رئيس الوزراء إلى أن العام 2026 سوف يكون بداية الحصاد وقطف الثمار بالنسبة للمواطن المصرى، وحين يقول رئيس الوزراء ذلك وفى مؤتمر عام، يجب أن نصدقه، لأنه ذكر معلومات وأرقامًا، تلك المعلومات ليست فى الفراغ، ولكن تقارير المؤسسات الدولية حول الاقتصاد المصرى تؤكد ذلك وتدعمه.
وإذا أضفنا إلى ما سبق أن الملاحة تعود إلى قوتها فى قناة السويس، بعد تعثر لمدة عامين بسبب حرب الإبادة فى غزة، وكذا ارتفاع معدلات السياحة، خاصة مع افتتاح المتحف المصرى الكبير، حتى إن وزارة التخطيط تتوقع قدوم 15 مليون سائح، خلال موسم الشتاء الذى بدأ قبل أسبوعين، هنا لا بد أن نكون فى موقع التفاؤل.
وقد حاولت الحكومة، عبر توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى فى السنوات الأخيرة، التخفيف عن المواطن، وذلك بتدخل وزارتى الزراعة والداخلية وغيرهما بإقامة أكشاك وأسواق لتوزيع المنتجات الأساسية بأسعار مخفضة، كما حدث أيام ارتفاع أسعار اللحوم، ونجحت الدولة فى ذلك نجاحًا كبيرًا، يُضاف إلى ذلك رفع حدود الإعفاء الضريبى للمواطن مع الزيادة الدورية فى المرتبات والعلاوات، وكذا المعاشات، كل هذه الخطوات أسهمت إلى حد كبير فى تحمل المواطن للأزمة الاقتصادية.
يحتاج المواطن إلى ثبات مستوى الأسعار، وتبذل الحكومة جهدًا فى ذلك، ومع تحسن واستقرار سعر الصرف، يمكن أن نتوقع استقرارًا، بل تراجع الأسعار إلى الحدّ الذى يمكّن المواطن من التعامل بأمان مع السوق.
غير أن التحدى الحقيقى هو العمل على زيادة الناتج القومى، وهذا ما تعمل عليه الدولة على المدى البعيد، بإقامة المشاريع الاقتصادية الكبرى، كما هو الحال فى المنطقة الصناعية بقناة السويس والمناطق الأخرى التى يجرى العمل على تأسيسها، خاصة فى الصعيد.
وهناك أيضا خطة الرئيس برفع الصادرات من الصناعات إلى مستوى مائة مليار دولار سنويًا، وفى الأشهر التسعة الأخيرة حققنا صادرات بمبلغ 44 مليار دولار، وهذا يعنى أنه رغم ذلك النجاح ما زال أمامنا شوط طويل يجب أن نقطعه.
تقوم الدولة بخطوات عديدة، لكن الطفرة الحقيقية التى تحتاجها هى بناء قلاع إنتاجية وصناعية ضخمة، تتيح لنا النفاذ إلى أسواق العالم، على نحو ما فعلت الصين وفيتنام وسنغافورة وكوريا الجنوبية.. تلك هى النقلة الحقيقية التى يعمل عليها الرئيس فى مشروع 2030، وإذا تحقق ذلك ولا بد أن يتحقق، تصبح مسألة ارتفاع الأسعار وقلة الدخول من الماضى.
فى هذا الملف نحن ندخل عام 2026 ولدينا تفاؤل أكبر، الأعباء على المواطن سوف تكون أقل بما كانت عليه فى سنة 2025، لن تكون هناك قفزات فى الأسعار، بل إن الأمور تتجه نحو الاستقرار، وفيما يخص المواد الغذائية، بدأنا نشهد منذ شهر سبتمبر تراجعًا فى أسعار بعض تلك المواد الأساسية، مثل البيض والدواجن ومشتقاتها.
وندخل العام الجديد مع مجلس نواب قيد التشكيل، من المقرر طبقا للهيئة الوطنية للانتخابات أن تعلن النتيجة النهائية للانتخابات وجولات الإعادة يوم 10 يناير، يبقى بعدها أن يعتمد الرئيس النتيجة، ثم يصدر القرار الجمهورى بتعيين العدد المقرر دستوريا من النواب، هذا المجلس يتميز أنه جاء بولادة عسيرة، دوائر أُلغيت بها الانتخابات خاصة فى الجولة الأولى، وهكذا، ويبقى هناك سيف مسلط على هذا البرلمان، يتمثل فى الطعون التى أحالتها المحكمة الإدارية العليا إلى محكمة النقض، وتقترب من المائة. هذه الولادة العسرة، باتت درسًا للنواب الجدد، بضرورة الاقتراب من المواطنين، والابتعاد عن الأبراج العاجية، الأهم أنها أثبتت أن العملية والدعم للنائب لا يكون من حزب بعينه، بل من الشارع وسط المواطنين.
ويبقى الفضل فى هذا الحراك الانتخابى للفيتو الرئاسى الذى اتخذه الرئيس عبدالفتاح السيسى لإنقاذ إرادة الناخبين، أكد الفيتو الرئاسى أن الرئاسة مُنحازة للمواطن أولا وأخيرا، لا لحزب معين ولا لاسم محدد، ومقولة إن حزبًا بعينه له حظوة لدى الدولة ثبت عدم دقتها.
المتوقع أننا سوف نكون بإزاء تجربة وممارسة برلمانية جديدة، يغلب عليها الاستماع لرأى المواطن وتلبية مطالبه ورغباته وهى ليست كبيرة.. الأهم من ذلك التدقيق فى التشريعات التى تصدر، حتى لا يضطر الرئيس لاتخاذ فيتو، كما وقع فى البرلمان السابق مع قانون الإجراءات الجنائية الذى أعاده الرئيس إلى مجلس النواب لدراسته، الأمر الذى يُؤخذ على المجلس، لكنه يُحسب للعملية الديمقراطية فى مصر.
عادة لا يمثل العام الجديد قطيعة تامة مع العام المنقضى، بل تستمر بعض المشاكل والقضايا، ويمكن القول إننا ندخل سنة 2026 بنفس الأزمات التى تهدد الأمن القومى المصرى والعربى، بل أضافت الأيام الأخيرة متغيرا جديدا، هو اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» أو «صومالى لاند»، كدولة ذات سيادة، ليس فقط اعترافًا، بل إقامة علاقات دافئة بينهما.
إقليم أرض الصومال أو صومالى لاند، يضم نحو 6 ملايين نسمة، يطلّ على خليج عدن ويتحكم فى باب المندب، طول الساحل على خليج عدن أكثر من سبعمائة كيلومتر، وكان الإقليم محمية بريطانية، ثم تخلت عنه بريطانيا سنة 1960، ومن يومها هناك مطالبات بالانفصال عن الصومال، وأُعلن ذلك سنة 1991، وبعد سنة 2000 جرى استفتاء داخل الإقليم على الانفصال عن الصومال وكانت النسبة الكبيرة موافقة، أكثر من 97 فى المائة من السكان، لكن العالم لم يعترف بهذا الانفصال.
ومنذ سنوات، رصدت مصر نشاطًا كبيرًا للموساد فى الإقليم، وعلاقات متنامية، إسرائيل تبرر الاعتراف بأن أرض الصومال على استعداد لاستقبال سكان غزة، من جهة أخرى تريد إسرائيل أن تكون قريبة من اليمن والحوثيين، للرد عليهم، لكن التواجد الإسرائيلى فى مدخل البحر الأحمر، يعد مصدر قلق لدول المنطقة، مصر واليمن والسودان، وقبل ذلك المملكة العربية السعودية.
هذه المشكلة سوف تترتب عليها تداعيات كثيرة خلال العام، باختصار إسرائيل، عبر بعض الفرقاء العرب، تتسلل إلى المواقع الحساسة بالمنطقة، الأمر الذى يشكل تهديدًا للأمن العربى كله، وليس مصر وحدها، ولا السعودية بمفردها.
مشكلة ما يجرى فى إقليم أرض الصومال والعلاقات الدافئة فى مختلف المجالات مع إسرائيل؛ يتم فى وقت الأمور فيه ليست طيبة فى اليمن، حيث انقسام بين حكومة شرعية وأطراف أخرى، الجنوب يسعى للانفصال عن الشمال، وغير ذلك هناك جماعة الحوثيين، وكذلك جماعة إخوان البنا ولديهم ميليشيا مسلحة، انتزعوا القرار السيادى من الدولة، فتعرضت البلاد لغارات إسرائيلية كثيفة، وأعطت إسرائيل مبررًا للتواجد العسكرى قريبا جدا من حدود اليمن.
ألاعيب سياسية صغيرة، تجرى وتتم، ويكون الحصاد النهائى لصالح إسرائيل بأن تتواجد وتصبح لاعبًا وطرفًا أساسيًا فى مدخل قارة إفريقيا والبحر الأحمر، نعرف أن إسرائيل بحاجة لذلك التواجد، ليس فقط من أجل الحوثيين بل وكذلك إيران، وربما يكون ذلك التواجد موضع رضا أمريكى لقطع الطريق على العلاقات الروسية - الإيرانية أو محاولة التواجد الصينى فى إفريقيا، ناهيك عن الضغط على مصر وعلى السعودية ودول الخليج، لعبة جيوسياسية مصغرة للغاية، حسابات صغيرة لأطراف غير مسئولة بالمنطقة، تتحول إلى ذرائع ومكاسب إسرائيلية على طول الخط، يحقق لها ما لم تستطِع الوصول إليه عبر قرابة الثمانين عاما من عمرها.
هذه القضية سوف تكون لها تداعيات شديدة خلال العام وربما الأعوام القادمة، وهى كلها من توابع حرب الإبادة فى غزة وعملية السابع من أكتوبر 2023، وقد نجحت مصر وجهود عربية وإقليمية، فضلا عن دور الرئيس الأمريكى ترامب فى وقف الحرب، لكن لم نصل إلى السلام بعد، الأسباب التى أذاعتها القناة 13 الإسرائيلية لتعجّل نتنياهو بالاعتراف بدولة أرض الصومال وإقامة علاقات كاملة معها، يؤكد أن الحكومة الإسرائيلية مُصرة على إخلاء غزة ليس فقط من حماس وسلاح حماس، بل من أهلها وشعبها.. هذا الملف برمته هو مجرد مشكلة أو قضية من جملة قضايا أخرى تحيط بنا.
فى الجنوب الأمور مشتعلة، وقد أعلنت مصر خطوطها الحمراء بالنسبة للسودان وهى رفض تقسيم السودان أو المساس بمؤسساته، وهذا جيد، لكن الحرب والكراهية بين أطراف النزاع سوف تستمر وتتواصل، بما يهدد الحياة فى السودان الشقيق، بما يشكل عبئا كبيرا على مصر، سواء على المستوى الديموجرافى أو الجغرافى، هناك أصابع كثيرة تعبث، بقايا الإخوان الذين زرعهم ومكّن لهم حكم الرئيس السابق عمر البشير، الأحزاب القديمة تضعف، أطراف دولية وإقليمية تتدخل لزيادة حدة الصراع والوقوف بالسودان على حافة التقسيم -لن يقع التقسيم وفق خطوط مصر الحمراء، لكن السودان القوى والموحد المتماسك ما زال بعيدا.
على حدودنا الغربية، الأمور فى ليبيا ليست فى أفضل أحوالها، وربما تتعقد بعد سقوط طائرة رئيس الأركان التابع لحكومة الدبيبة، سقطت الطائرة فى أنقرة، وهناك شكوك حول هذه العملية، تذهب الشكوك إلى أطراف عديدة متورطة ولا تريد أن يعود الاستقرار والسلام إلى ليبيا، لا يجب أن ننسى أن هناك دعوات انفصالية فى ليبيا، بين منطقة الغرب ومنطقة الشرق أو بين طرابلس وبنى غازى.
فى سوريا الأمور تنذر بسوء كبير. هناك مشاكل لم تُحل فى إقليم السويداء، ولدى إسرائيل مطالب عديدة فيه، ومشاكل فى الساحل السورى، حيث ميناء اللاذقية، فضلا عن مشاكل مع الأكراد وأخرى فى حلب - داعش تنشط هناك وخلايا أخرى تعود إلى تنظيمات مشابهة.. المؤكد أن الحكم الجديد فى سوريا لم يبسط يده على كل سوريا، والواضح أن النظام الجديد مهموم فقط بتطوير علاقاته مع الولايات المتحدة متجاهلا الداخل السورى.
وفى لبنان هناك أزمة تتعلق بـ«حزب الله» وسلاحه، الأزمة تأتى من رغبة الدولة اللبنانية أن لا يكون هناك سلاح خارج سيطرة الدولة، كى لا يقدم ذريعة لإسرائيل لتمارس إرهابا يوميا فى الجنوب اللبنانى.
وليست هذه كل الهموم والمشكلات، ما زال الملف الإيرانى مفتوحا، وهو مُعرض للانفجار فى أى لحظة.
باختصار المنطقة كلها تعيش على فالق زلزالى ضخم، يمكن أن ينفجر أو يتحرك فى أى لحظة، وهذا يجب أن يكون مصدر قلق لمصر، الدولة والمواطنين.
علينا أولا الحفاظ على الدولة المصرية قوية وقادرة، بالاصطفاف مع الدولة والحفاظ على التماسك الوطنى والاجتماعى، الأمر المؤكد أن هناك مَن يريد أن يعبث سواء من دعاة الفوضى أو من أولئك الذين يعملون على القفز فى الظلام، وتجربة السنوات الأخيرة، منذ 30 يونيو 2013، تؤكد أن الوعى موجود والتماسك أيضا قائم وقوى، لكن لا يجب أن نرتكن إلى ذلك وحده؛ إذ لا بد من عمل دائم للحفاظ على تلك اللُّحمة الإنسانية والوطنية المصرية.
الحفاظ على الحالة والمشروع الوطنى المصرى يقتضى العمل الدءوب على إطفاء النيران حولنا وتلك مهمة صعبة، فى سنة 2025 حققت مصر نجاحًا فى غزة ونجاحًا فى السودان يوقف التداعى والانهيار، لكن تحتاج إلى حلول كبرى، تتمثل فى بناء الدولة الوطنية التى اهتزت حولنا.
إذا كنا ندخل العام متفائلين ومستبشرين بأوضاعنا المالية والاقتصادية، فإن الأمر ليس كذلك فى القضايا المتعلقة بالأمن القومى العربى، لكن ليس لنا أن نفقد الأمل والعمل.