رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«فيتو» الرئيس أوقف الانفلات.. و«صوت الشارع فى الصندوق».. دروس انتخابات «نواب 2025»


25-12-2025 | 17:20

.

طباعة
تقرير: محمد زيدان

لم تكن انتخابات مجلس النواب الأخيرة، استحقاقاً دستورياً عابراً بل تحولت إلى اختبار حقيقى لصلابة المسار الديمقراطى فى الجمهورية الجديدة، وكاشف دقيق لطبيعة العلاقة بين النظام الانتخابى، ودور المؤسسات، وسلوك السياسيين، وفى مقدمتهم الأحزاب والمرشحون والناخبون، وبين مشاهد الالتزام والانضباط فى عدد من الدوائر، ووقائع المخالفات والتجاوزات فى دوائر أخرى، برز تدخل الرئيس السيسى فى أوضاع الانتخابات بوصفه نقطة فارقة أعاد ضبط المشهد الانتخابى ومنع انحرافه.

 
 

فى هذا السياق، قال الدكتور حسام النحاس، أستاذ الإعلام بجامعة بنها والخبير الإعلامى: انتخابات مجلس النواب 2025 كشفت عددا مهما من الدروس المستفادة، خاصة على مستوى الإدارة والتنظيم، حيث إن التجربة أثبتت بما لا يدع مجال للشك أن التحضير للعملية الانتخابية يحتاج إلى وقت أطول، وإلى حزمة أوسع من الإجراءات والخطوات التمهيدية التى تسبق الإعلان الرسمى عن فتح باب الترشح أو بدء الاستحقاق الانتخابى.

«النحاس»، أضاف أن «أحد أبرز أوجه القصور التى ظهرت خلال الانتخابات الأخيرة، تمثلت فى غياب الإعداد المسبق الكافى، حيث فوجئت غالبية الأطراف المعنية بالعملية الانتخابية، وفى مقدمتهم الأحزاب السياسية، والمرشحون، والناخبون، وكذلك الوكلاء والمندوبون، ببدء الإجراءات الانتخابية دون وجود فترة زمنية مناسبة للاستعداد، الأمر الذى انعكس سلبًا على مستوى الجاهزية الإدارية والتنظيمية»، مؤكدًا أن «انتخابات مجلس النواب الأخيرة كشفت عن وجود عدة مسارات لهذا الوعى، يأتى فى مقدمتها ما ظهر بوضوح داخل عدد من الدوائر الانتخابية فى بعض المحافظات، خاصة الدوائر الساخنة والأكثر كثافة سكانية وتنافسًا، حيث إن هذه الدوائر أفرزت نمطا واضحا من السلوك الانتخابى الواعى، تمثل فى توجه الناخبين لاختيار المرشح القادر على تلبية احتياجاتهم الخدمية الحقيقية، والمرشح الذى يمتلك حضورا فعليا فى الشارع، وله تاريخ من التواصل المباشر مع المواطنين، وليس مجرد حضور موسمى مرتبط بفترة الانتخابات فقط».

وأوضح «النحاس»، أن «النتائج التى أسفرت عنها هذه الدوائر جاءت متسقة تمامًا مع هذا الوعى، حيث نجح المرشحون الذين يتمتعون برصيد شعبى حقيقى وثقة ممتدة لدى الناخبين، وهو ما يعكس درجة عالية من التماسك لدى الكتلة التصويتية فى هذه المناطق، وإصرار الناخب المصرى على الدفاع عن اختياره، والتمسك بمرشحه حتى النهاية، كما أن هذا التماسك تجسّد بوضوح فى قدرة الناخبين على دعم مرشحيهم بقوة، سواء بحسم المعركة الانتخابية من الجولة الأولى، أو بالاستمرار فى دعمهم خلال جولات الإعادة، إلى أن تمكنوا من الوصول إلى مقاعدهم تحت قبة البرلمان، وهو ما يؤكد أن وعى الناخب المصرى فى هذه الدوائر لم يكن وعيا عاطفيا أو مؤقتا، بل وعى قائم على التجربة والتقييم والمصلحة العامة».

وأشار أستاذ الإعلام بجامعة بنها، إلى أن «المشهد الانتخابى لم يخلُ، للأسف الشديد، من عدد من الفجوات والإشكاليات التى لا تزال تؤثر على كل من الناخب المصرى والمرشح على حد سواء، حيث إن أبرز هذه الفجوات تتمثل فى غياب الوعى الانتخابى والثقافة الانتخابية لدى قطاع من المواطنين، وهو ما انعكس سلبًا على قدرة بعض الناخبين على التمييز بين البرامج الحقيقية والشعارات المؤقتة، وجعلهم أكثر عرضة للتأثير أو التوجيه غير الواعى خلال العملية الانتخابية»، مضيفًا أن «من بين الإشكاليات الخطيرة أيضًا استغلال بعض سماسرة الانتخابات، إلى جانب عدد من الوكلاء والمندوبين، لأدوات وأساليب غير مشروعة، تمس نزاهة العملية الانتخابية، سواء من خلال توجيه الناخبين داخل محيط اللجان، أو ارتكاب خروقات تتعلق بالدعاية الانتخابية فى نطاق يفترض أن يكون محايدا، فضلًا عن ممارسات أخرى تتصل بالرشاوى الانتخابية، واستخدام المال السياسى، وجمع البطاقات الانتخابية بطرق ملتوية، كما أن رصد هذه المخالفات، حتى وإن كانت فى نطاق محدود، يكشف عن وجود عناصر داخل المنظومة الانتخابية لا تؤمن بشكل كامل بحرية الناخب فى اختيار مرشحه الحقيقى، وتسعى إلى الالتفاف على الإرادة الشعبية لتحقيق مكاسب ضيقة».

«النحاس»، لفت إلى أن «الأخطر فى هذه الممارسات هو استغلال احتياجات المواطنين الاقتصادية فى بعض المناطق الفقيرة والشعبية، وتوظيف هذه الاحتياجات لتوجيه أصواتهم نحو مرشحين بعينهم، وهو ما يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الديمقراطى، ويستدعى ضرورة تكثيف الرقابة، وتعزيز الوعى، وتفعيل آليات الردع القانونية؛ حماية لحق المواطن فى الاختيار الحر، ودعمًا لمسار الديمقراطية فى الجمهورية الجديدة».

وأضاف: الهيئة الوطنية للانتخابات أثبتت عمليًا أنها هيئة مستقلة بالمعنى الكامل للكلمة، حيث اتخذت منذ اللحظة الأولى للعملية الانتخابية جميع الإجراءات اللازمة لحماية أصوات الناخبين، وضمان نزاهة وشفافية الاستحقاق الانتخابى، كما أنها حرصت على إدارة المشهد الانتخابى بمنتهى الوضوح، من خلال عقد مؤتمرات صحفية متتالية ومباشرة على الهواء منذ اليوم الأول لفتح باب الاقتراع، وهو ما أسهم فى تعزيز الثقة العامة، وإطلاع الرأى العام بشكل فورى على مجريات العملية الانتخابية، حيث إن اللافت فى أداء الهيئة الوطنية للانتخابات إعلانها الصريح والواضح عن وجود بعض المخالفات والخروقات التى تم رصدها، دون مواربة أو تأجيل، إلى جانب اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها، الأمر الذى ساعد على ضبط إيقاع العملية الانتخابية ومنع تفاقم التجاوزات.

وتابع: ذروة هذا الدور تجلت خلال المؤتمر الصحفى الخاص بإعلان نتائج الجولة الأولى من المرحلة الأولى للانتخابات، حين أعلنت الهيئة بوضوح إلغاء نتائج الانتخابات فى 19 دائرة ثبت بطلانها، وقررت إعادة الانتخابات فى هذه الدوائر وفقًا لآخر إجراء قانونى صحيح، فى خطوة عكست قدرا عاليا من الحسم والالتزام بتطبيق القانون، وهذه القرارات الحاسمة كان لها أثر مباشر فى إعادة الانضباط إلى المشهد الانتخابى، ومنذ ذلك التوقيت وحتى إعلان النتائج النهائية، اتسمت انتخابات مجلس النواب بدرجة أكبر من التنظيم والرقابة، بما يعزز مصداقية العملية الانتخابية، ويرسخ دور الهيئة الوطنية للانتخابات كضامن أساسى لنزاهة المسار الديمقراطى.

كما أوضح أستاذ الإعلام، أن «هناك عددا من الدوائر التى شهدت التزاما كاملا بالإجراءات والقواعد المنظمة للعملية الانتخابية، وهو ما انعكس إيجابًا على سلوك الناخبين ونتائج الاقتراع، حيث نجح فى هذه الدوائر المرشح الأجدر والأكثر قبولا وشعبية، والأكثر تواجدا وتواصلا مع المواطنين، الأمر الذى أسهم فى استعادة قدر ملموس من ثقة المواطن فى نزاهة الانتخابات وجدواها».

وأشار إلى أن «الصورة لم تكن بنفس الإيجابية فى جميع الدوائر؛ إذ شابت بعض الدوائر الأخرى خروقات ومخالفات مؤثرة، وللأسف وصلت فى بعض الحالات إلى مستوى المخالفات الجسيمة، التى أثرت بشكل مباشر فى مسار العملية الانتخابية، رغم التصدى لها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها، حيث إن خطورة هذه التجاوزات لا تتوقف عند حدود وقوعها، بل تمتد إلى ما أفرزته من نتائج انتخابية فى بعض الدوائر، حيث أسهمت فى وصول اختيارات قد لا تعكس بشكل حقيقى إرادة الأغلبية من أصوات الناخبين، وهو ما يمثل تحديا حقيقيا أمام استكمال مسار بناء الثقة بين المواطن والعملية الانتخابية، حيث إن معالجة هذه الإشكاليات تتطلب مزيدا من الضبط والرقابة، إلى جانب تعزيز الوعى الانتخابى، بما يضمن أن تكون الانتخابات القادمة أكثر قدرة على التعبير عن الإرادة الشعبية، وترسيخ الثقة الكاملة فى المسار الديمقراطى للجمهورية الجديدة».

وفيما يتعلق بواقع الأحزاب السياسية فى مصر، شدد «د. حسام» على أن «هذا الواقع يحتاج إلى مراجعة شاملة وتعديل جذرى»، موضحًا أن «الانتخابات الأخيرة كشفت بوضوح عن أوجه قصور كبيرة فى أداء معظم الأحزاب السياسية، باستثناء حزبين أو ثلاثة على أقصى تقدير، حيث إن الدور الحقيقى للأحزاب فى نشر الوعى الانتخابى والسياسى، والمساهمة فى تغيير ثقافة الناخبين، كان غائبًا إلى حد بعيد، كما أن غالبية الأحزاب لم تكن مستعدة بالقدر الكافى لخوض هذا الاستحقاق المهم، سواء على مستوى التنظيم أو التواصل أو الحضور فى الشارع السياسى».

كما شدد على أن «عددا من الأحزاب لم يظهر على الساحة الانتخابية إلا بشكل محدود للغاية منذ اليوم الأول لفتح باب الترشح وإعلان أسماء المرشحين، الأمر الذى أضعف فرصها فى المنافسة على المقاعد الفردية، ودفع بعضها إلى الاكتفاء بالانضمام إلى التحالف الوطنى فى نظام القوائم، بهدف الحصول على مقاعد شبه مضمونة دون خوض معركة انتخابية حقيقية، كما أن هذا التوجه انعكس أيضًا فى عزوف بعض رؤساء الأحزاب عن خوض المنافسة على المقاعد الفردية، إدراكًا منهم أن الانتخابات الفردية تمثل الاختبار الحقيقى لشعبية المرشح وثقة الناخبين فيه، وهو اختبار لم تكن العديد من الأحزاب مستعدة لتحمله».

كذلك، أوضح «د. حسام»، أن «هذه الأحزاب خرجت من الانتخابات بنتائج يمكن وصفها بالنتائج الصفرية، وبمعادلة خاسرة بالكامل، حيث لم تحقق أى حضور يُذكر داخل البرلمان، لافتا إلى أن عدد الأحزاب التى تمكنت من تحقيق نتائج ملموسة لا يكاد يتجاوز أصابع اليد الواحدة، مع استثناء حزبين أو ثلاثة من الأحزاب الكبرى التى دفعت بعدد كبير من المرشحين على مختلف المقاعد، ونجحت فى حصد عدد معتبر من المقاعد، سواء من الجولة الأولى أو بعد جولات الإعادة، حيث إن هذا الواقع يؤكد أن الأحزاب السياسية فى مصر باتت فى حاجة ماسة إلى إعادة هيكلة حقيقية، سواء على مستوى التنظيم الداخلى أو آليات اختيار القيادات والمرشحين أو أساليب التواصل مع الشارع».

وأشار أستاذ الإعلام، إلى أن «هناك أحزابا لم تشارك من الأساس فى العملية الانتخابية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى وجودها داخل المشهد السياسى، موكدًا أن استمرار هذه الكيانات دون دور فعلى يضعف الحياة الحزبية ويربك المشهد الديمقراطى، حيث إن إعادة التقييم الشامل لتلك الأحزاب بات أمرا ضروريا، خاصة بعد مرور عدة استحقاقات انتخابية متتالية، شملت الانتخابات الرئاسية، وانتخابات مجلس الشيوخ، ثم انتخابات مجلس النواب، دون أن تتمكن هذه الأحزاب من تحقيق أى حضور أو تمثيل حقيقى»، مضيفًا أن «الأحزاب التى عجزت عن المنافسة، أو فشلت فى الحصول على مقعد واحد فى مجلسى الشيوخ والنواب، ينبغى تجميد نشاطها مؤقتًا، وعدم السماح لها بالعودة إلى العمل السياسى إلا بعد تقديم ما يثبت قيامها بنشاط جاد وفعلى داخل الحياة السياسية المصرية، لافتا إلى أن العدد الكبير للأحزاب فى مصر، دون تأثير حقيقى على الأرض، يمثل عبئا على التجربة الديمقراطية بدلًا من أن يكون إضافة لها.

من جانبه، أوضح الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن «التدخل الرئاسى لم يكن نمطا متكررا عبر التاريخ السياسى المصرى، وإنما جاء فى فترات محدودة ومتباعدة، ويمكن اعتباره استثناء أكثر منه قاعدة، حيث إن العقود الماضية شهدت بعض المحطات التى طرح فيها تدخل رئاسى فى سياق العملية الانتخابية، ارتبطت كل منها بظروف سياسية وتشريعية مختلفة، وهذه التدخلات كانت دائما محل نقاش فى الأوساط السياسية».

وأضاف «هاشم»: تقييم تدخل الرئيس السيسى فى الشأن الانتخابى إجراء هدفه تصحيح المسار وضبط العملية الانتخابية وحماية نزاهتها، خاصة فى الحالات التى تشهد مخالفات أو تجاوزات واضحة.

نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أكد أن هذا التدخل يمكن اعتباره تدخلا إيجابيا فى مجمله، حيث إن أهم ما يميزه أنه لم يتضمن توجيها مباشرا أو أوامر صريحة للهيئة الوطنية للانتخابات، ولم يمس استقلالها الدستورى أو اختصاصاتها.

وأوضح «ربيع»، أن «ما قامت به الهيئة الوطنية للانتخابات اتجه فى مجمله نحو محاولة إصلاح المشهد الانتخابى قدر الإمكان، فى حدود الصلاحيات المتاحة والإطار القانونى القائم، حيث إن هناك بعض الإشكاليات التى لا يمكن معالجتها أو تصحيحها بالكامل فى هذه المرحلة، مثل إعادة فتح باب الترشح من جديد، أو إعادة ترتيب القوائم، أو معالجة أوضاع المستقلين المتصدرين لبعض القوائم، وهى أمور تتجاوز قدرة الهيئة على التدخل بعد بدء العملية الانتخابية، كما أن الهيئة الوطنية للانتخابات تعاملت بجدية، وسعت إلى تصحيح عدد من الأخطاء والإجراءات بعد تدخل الرئيس السيسى، بما ساعد على تحسن نسبى لمسار العملية الانتخابية».

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة