فى كل عام، ومع نهاية شهر نوفمبر، يتجدد صوت العالم لمناهضة أحد أخطر الانتهاكات التى تهدد حياة النساء، العنف بجميع صوره، وتأتى حملة الـ16 يومًا لمناهضة العنف ضدّ المرأة لتشكل منصة عالمية موحدة، لتعيد تسليط الضوء على قضية لا تزال تشغل المجتمعات رغم التطور الذى شهدته التشريعات وخطط الحماية، وتتحول هذه الحملة، التى تربط بين اليوم العالمى لمناهضة العنف ضد المرأة فى 25 نوفمبر واليوم العالمى لحقوق الإنسان فى 10 ديسمبر، إلى مساحة واسعة لطرح الحقائق، وكشف التحديات، وإبراز الجهود المبذولة من الحكومات والمنظمات والمجتمع المدنى من أجل بناء بيئة آمنة وعادلة للمرأة.
قالت الدكتورة سوزان القلينى، رئيسة لجنة الإعلام بالمجلس القومى للمرأة، إن «حملة الـ16 يومًا تأتى هذا العام امتدادًا لمسار دولى راسخ يدعو لحماية المرأة وصون حقوقها»، موضحة أن «الحملة تنطلق سنويًا فى 25 نوفمبر، وهو اليوم الذى اعتمدته الأمم المتحدة رمزًا عالميًا لمناهضة العنف ضدّ المرأة، وتستمر حتى 10 ديسمبر، الموافق لليوم العالمى لحقوق الإنسان».
وأضافت أن «اختيار هذين التاريخين لم يأتِ من فراغ، بل يعكس ارتباطا مباشرا بين حماية المرأة وتعزيز حقوق الإنسان، فالقضاء على العنف بكافة أشكاله يمثل أحد أهم الأعمدة التى تقوم عليها منظومة الحقوق والحريات فى أى مجتمع»، وأكدت أن هذا الإطار الزمنى يوفر مساحة عالمية موحدة لتسليط الضوء على القضية، وتنسيق الجهود لمواجهة أشكال العنف التى لا تزال تعانى منها النساء فى مختلف الدول.
وأشارت رئيسة لجنة الإعلام بالمجلس القومى للمرأة، إلى أن الحملة هذا العام تشمل باقة واسعة من الأنشطة والبرامج التى تمتد إلى مجالات عدة، هدفها الأساسى رفع مستوى الوعى المجتمعى بخطورة العنف ضد المرأة وضرورة التصدى له، مؤكدة أن «هذه الفعاليات تعمل على ترسيخ فكرة أن للمرأة الحق الكامل فى أن تعيش حياتها بهويتها الحقيقية، دون أن تتعرض لأى نوع من الضغوط أو الإيذاء، سواء كان نفسيا أو جسديا أو اجتماعيا؛ إذ إن جوهر الحملة هو حماية حق المرأة فى الأمان والاحترام، وضمان قدرتها على التعبير عن ذاتها بحرية دون خوف».
وأضافت أن «برنامج الحملة يتضمن أيضًا مجموعة من الورش التدريبية الموجهة لمناقشة ما يُعرف بالعنف الإعلامى، وهو أحد أشكال الإساءة التى قد تُمارس عبر المحتوى المُقدم فى وسائل الإعلام، أحيانًا بوعى وأحيانًا أخرى دون إدراك»، موضحة أن «هذه الورش تهدف إلى رفع مستوى الوعى لدى العاملين فى القطاع الإعلامى والجمهور على حد سواء، والتنبيه إلى خطورة الرسائل السلبية أو الصور النمطية التى قد تسهم فى تكريس العنف ضد المرأة»، ومؤكدة أن «تصحيح الخطاب الإعلامى يعد خطوة أساسية فى بناء مجتمع أكثر احترامًا للمرأة وحقوقها».
وفى سياق الحديث عن العنف الرقمى، شددت «د. سوزان»، على أن «هذا النوع من الانتهاكات بات من أكثر أشكال العنف خطورة فى العصر الحديث، مع توسع استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعى، حيث إن العنف الرقمى لم يعد يقتصر على المضايقات البسيطة، بل يشمل أشكالاً متقدمة من الإساءة مثل التنمر الإلكترونى، والتحرش عبر الإنترنت، والابتزاز بأنواعه المختلفة، وهو ما يستدعى زيادة الوعى المجتمعى وتعزيز أدوات الحماية الرقمية للنساء».
وأشارت إلى أن «الدولة المصرية قطعت شوطا مهما فى مجال رفع الوعى المجتمعى، من خلال البرامج التوعوية المكثفة التى ينفذها المجلس القومى للمرأة، وما يصاحبها من ورش تدريبية ودورات مستمرة تستهدف فئات مختلفة داخل المجتمع، كما أن جهود الدولة لم تتوقف عند التثقيف فقط، بل امتدت إلى تعزيز منظومة الإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية عبر مباحث الإنترنت، وهو ما أسهم فى رفع مستوى الحماية للفتيات والسيدات».
وثمنت «د. سوزان»، الدور الفاعل لوزارة الداخلية فى متابعة البلاغات والتعامل معها بسرعة وجدية، مشيرة إلى أن هذا التكاتف بين مؤسسات الدولة يمثل خطوة أساسية نحو توفير بيئة أكثر أمانا للمرأة فى مصر.
وأضافت: فعاليات هذا العام تتضمن أيضًا جلسة مخصصة للتصدى للعنف الإلكترونى الموجه للنساء داخل المجال الرياضى، وذلك فى ظل تزايد موجات التعصب التى كثيرًا ما تتحول إلى هجمات لفظية وإساءات عبر منصات التواصل الاجتماعى؛ إذ إن هذا النوع من العنف بات حاضرًا بقوة فى المشهد الرياضى، ويحتاج إلى تدخل واعٍ للحدّ من تأثيره على اللاعبات والعاملات فى هذا المجال، وإرساء ثقافة احترام المرأة فى كل القطاعات، بما فيها الرياضة.
من جانبها، قالت الدكتورة هناء أبو شهبة، أستاذ علم النفس الإكلينيكى، عميد كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر سابقًا: إن مواجهة العنف ضد المرأة جزء أصيل من قيمنا الدينية والإنسانية، ومن واجبنا أن نعيد إحياء هذه القيم فى سلوكنا اليومى وممارساتنا الاجتماعية، كما أن الأديان السماوية الثلاث منحت المرأة مكانة رفيعة، ووفرت لها تقديرا وتعظيما يليقان بدورها الإنسانى والاجتماعى.
وأضافت: أقدر هذه المبادرة وأدعمها بقوة، وأرى أنها خطوة مهمة فى مسار حماية المرأة وتعزيز حقوقها، لكن ما أتمناه حقًا هو أن تصل هذه الجهود إلى القرى والنجوع والكفور والمجتمعات البعيدة التى لا تزال تفتقر إلى الوعى الكافى بثقافة مناهضة العنف ضد المرأة، فهذه المناطق بحاجة أكبر إلى التوعية، وإلى نشر المعرفة العلمية حول أسباب العنف وآثاره النفسية والاجتماعية، وكيف يمكن للأسرة والمجتمع أن يواجهاه، كما نحتاج إلى تعميق الفهم بهذه المبادرة، وشرح آليات تفعيلها على أرض الواقع حتى لا تظل مجرد شعارات، بل تتحول إلى ممارسة يومية تحمى المرأة وتدعمها فى حياتها.
وذكرت «د.هناء»: أتمنى أن يكون للمؤسسات الكبرى دور أكثر فاعلية فى نشر التثقيف وزيادة الوعى لدى المواطن البسيط، فهو الأكثر احتياجا لمثل هذه الدعامات الثقافية المهمة، فالتصدى للعنف ضد المرأة لن يكتمل إلا عندما تمتد حملات التوعية إلى كل طبقات المجتمع، وخاصة الفئات التى لا تصل إليها المعلومات بسهولة، لذلك فإن وجود برامج مستمرة تقدم المعرفة، وتشرح الحقوق، وتدعم التغيير الإيجابى، هو ضرورة لا يمكن تجاهلها إذا كنا نريد مجتمعا واعيا يحترم المرأة ويصون كرامتها.