صدرت «خرائط الوحدة» عن هيئة قصور الثقافة ضمن سلسلة إبداعات، ومدير تحريرها الشاعر المبدع سعيد شحاتة. وفى تلك المجموعة القصصية تتضح براعة الكاتب فى التنقل بنا من الفن إلى العبث، ومن السخرية إلى الانتحار الواعى، كمن يُمسك بمغزل حرير ليعيد تشكيل الحياة على طريقته الخاصة.
وكان من الصعب رسم «خرائط الوحدة» لأنها خرائط معقدة ودقيقة للغاية، إلا أنه نجح فى ذلك، منذ أن اختار ذاك الاسم لمجموعته، وهو العتبة الأولى للنص، جمع فيه بين المكان والعزلة، بين الجغرافيا الداخلية والفقد والحزن.. ونفس الحال مع أسماء القصص التى تضمنتهم المجموعة «كلمات متقاطعة – أقنعة العبث- حافة الأرصفة- ألم- أذن- خرائط الوحدة – شان عائلى- دوائر النمل- غرفة التدخين- لقاء- كاتب إعلانات النعى- لاصق طبى – بعض يوم- ملصقات مكتملة».
فغالبية القصص تحمل تأملات إنسانية متشابكة، ودلالات ورمزية، فمثلاً «كلمات متقاطعة» توحى باللعب بالحروف كأنها محاولة لتفكيك الواقع، أما عن «أقنعة العبث» فتسخر من الحياة برمتها، و«حافة الأرصفة» توحى بالهامش، و«ألم» عنوان مكثف لا يحتاج إلى زينة لغوية، و«أذن» عضو جسدى يربك المعنى ويفتح المجال للتأويل، وغيرها من الأسماء التى تمزج بين الحياة اليومية والمفارقات الوجودية.
وأول المجموعة قصة «كلمات متقاطعة» وهى ليست مجرد لعبة ذهنية بالحروف، بل أخذنا الكاتب فى دوامة من التكوين والتركيب، حتى غصنا فى حيوات وعوالم أبطاله، وتنكشف أمامنا قدرته المدهشة على اللعب بالكلمات، حتى إننى وجدت نفسى أغير القواعد، أبدل الحروف لأرى إلى أين يمكن أن أصل، ولشدة متعتى بها، شاركت صغيرتى «فريدة» فى هذه اللعبة المثيرة، فمثلاً كلمة من ثلاثة أحرف ربما تكون «حضن» وربما تكون «موت».
أما فى قصة «أقنعة العبث» ففيها ترتدى الفتاة نصف دستة من الأقنعة، حتى تنسى وينسى الناس أنها أزالت القناع السادس وأصبحت بلا أقنعة، قصة تقترب من الواقع حد الوجع، فغالبًا ما يخفى الناس وجوههم خلف قناع أو اثنين، لكن أن تمتلك ستة أقنعة فذلك جنون وعبث لا نتخيله.
وإذا كان «عبدالدايم» يسكن فى دائرة خاصة به ولا يزاحمه فيها أحد وهى الدائرة التى صنعها بنفسه إلا أن «حافة الأرصفة» تكشف بعضًا من حدود هذه الدائرة، وهى حكايات من قلب المواصلات العامة، تنبض فيها الحياة بأصوات الناس وهمومهم، أكانوا فى الأتوبيسات أو المترو، فتلك الحكايات تتجاوز المقاعد لتصل إلينا رغمًا عنا، نقرأها فى الوجوه، فى الأحذية، فى العيون التى تفضح أكثر مما تقول، هنا وفى تلك القصة اختار الكاتب مواجهة هؤلاء القابعين على الهامش، حيث الرصيف هو العالم، والموت هو الشريك المحتمل للحياة، ولأنه لا يرى الهامش إلا امتدادًا للوجود، جعل بطله يسير نحو الموت، كأنه يبحث عن هامش أوسع فى الزاوية الأخرى.
وبعيدًا عن ضجيج الصالونات الزاعقة والأفكار العبثية لبعض المثقفين إلا أن قصة «أذن» فيها الكثير من الألم، حيث يعيش البطل أسير أذنه الكبيرة، تلك العلامة التى رافقته كقدر شخصى، ينظر إليها فى المرآة لتخبره بما لا يسمعه سواه.
وتأتى قصة «خرائط الوحدة» لتكون قلب المجموعة، واختيار اسمها لم يكن عبثيًا، فالوحدة هى التى جمعت أبطالها الثلاثة: أمينة، وكمال، والكلب المجهول.. فأمينة التى فقدت روحها بموت والدها، بدأت البقع تنتشر على جسدها كخرائط، حتى قالت: «سيقبلنى العالم كما أنا، أو أرفضه كما هو».
وكمال الذى فقد خطيبته اختار أيضًا العزلة عن المواجهة، يقبع بغرفته باكيًا ضعفه أمام صاحب العينين المتلصصتين من خلف الأبواب المغلقة على جسد زوجة المستقبل التى فضلت الانتحار عن العيش مع خذلان أمها فى حمايتها من زوجها.
أما الكلب ذو البقعة البيضاء على أنفه، فهو طرف أصيل فى هذا الثالوث المحطم، ضحية قسوة البشر، تلاحقه الأحجار، وتطارده الحكومة التى قتلت أمه من قبل.
ثم ننتقل عبر الزمن، فى قصة «دوائر النمل» وفيها يغمرنا المبدع «عبدالدايم» فى عالم مليء بالأسرار والتفاصيل الدقيقة عن عالم النمل، الذى يضم 12 ألف نوع، وتستطيع النملة الواحدة حمل 20 ضعف وزنها.. فمن الطفولة كانت عادة حرق سرب النمل ممارسة شائعة، إلا أن والدة الصغير تنصح طفلها قائله: «النار لخالقها، لا تلمسها مرة أخرى»، كأنها تحاول كشف معالم القوة فى كل كائن مهما صغر.
ومع مرور السنوات، يرى الصغير وهو يكبر رجال الحكومة فى القرية يحاولون القضاء على أسراب النمل بعد أن سيطروا على القرية، فيبدو الجيش ضخمًا ومهيبًا بشكل يفوق الخيال، والنص يسلط الضوء على مشهد سلطوى ينقله موظفو المركز: «سنأكل نمل قريتكم قبل أن يلتهمكم»، وتتكرر معارك البطل مع النمل حتى عندما كبر.. لتنتهى القصة بعبارة بليغة: «سيأتى يوم وأخرج من دائرة النمل.. ربما» وهى عبارة تلخص رحلة البطل نحو فهم قوانين النمل.
حتى بعد الموت يأخذنا «عبدالدايم» ابن قرية الدير بإسنا، فى قصة «كاتب إعلانات النعي» إلى زاوية قاتمة من الصحف، الصفحة التى نقلب عادة عندما تصادفنا، دون أن نفكر فى كاتبها، وهو كاتب يبدو أنه يعيش فى عالم خاص، يصوغ فيه الحزن كما لو كان فنًا، ويمتلك له قاموسًا ثرى بمفردات الرثاء والفقد، يكتب لكل راحل نعيه الخاص كأنه ولد به سواء كان النعى لشيخ أو امرأة، شابًا أم طفلاً، ويبدو أنه متواطئ مع الموت، يغلفه كما نغلف الهدايا.. وفى نهاية تلك القصة كنت أنتظر «نص النعى» الخاص بالكاتب، لكنه تركنا بدون تدوينه ربما رغبة فى إعطائنا مساحة للخيال.
لتكتمل صور الموت فى قصة «لاصق طبى» عندما قالت سيدة لطفلها يومًا: الصمت ذهب.. فوضع الطفل لاصقًا طبيًا على فمه، ومع الأيام أصبح اللاصق جزءًا من حياته، وتحمل تنمر زملائه فى المدرسة، وعندما كبر وجد الحب لكنه كان حبًا صامتًا أيضًا، وفى زواج صامت، أنجب ابنًا، حاول أن يورثه اللاصق الطبى، لكن الابن شعر بالاختناق، فانتفضت الأم، وطلبت الطلاق فى صمت، وحصلت على ما أرادت.
فكل مرحلة من حياته كانت تقتضى لاصقًا جديدًا، حتى وجدوه ميتًا وحيدًا ضمن حدود خرائط الوحدة، ولم يجد من يحمله إلا البواب وثلاثة آخرين حملوه لمدافن الصدقة، ثم اكتشف ابنه بعد رحيله شرائط الكاسيت التى احتفظ بها الأب.. كان صوته يتحدث بها، يتحدث لحبيبته ولابنه..إذن لم يكن صامتًا كما اعتقد الجميع.
هذه المجموعة «خرائط الوحدة» هى استكمال لمشروع أدبى للكاتب، ربما هذا يكون غير معلن أو مقصود، لكنه ظاهر للغاية إذا ما تتبعتم وقرأتم مجموعته القصصية «خمورجى يروى التاريخ» أو مجموعته»نون الفتنة»، وأخيراً «خرائط الوحدة» فالمجموعات الثلاث تتحدث عن هامش الحياة بكل ما فيه من تفاصيل عميقة تخص حيوات الناس.