أكثر من خمسين عامًا قضاها عالم الآثار اليابانى ساكوجى ياشيمورا وسط آثار مصر، جاءها وقلبه مولع بعشق تاريخها ولم يغادرها، بل عاد يحمل فى جعبته بعثته العلمية لمواصلة رحلة البحث والتنقيب عن كنوز مصر القديمة، حتى أصبح مؤسس علم المصريات فى بلده الأم اليابان، وإن ظل هو اللاعب المؤثر والرئيسى فى توطيد علاقات التعاون والشراكة بين مصر واليابان، بعدما نجح فى العثور على مركب الشمس الثانى، الذى يخص الملك «خوفو»، المعروض اليوم بشكل مختلف داخل المتحف المصرى الكبير.
عند هضبة الإله «سوكر»، لم يتمالك نفسه، ترك دموعه تنسل على وجنتيه، لم يبالِ بمَنْ حوله من عمال وأخذ يبكى كطفل صغير، كانت دموع فرح لم يشعر بها من قبل، لحظة لم ينسَها طوال حياته عندما نجح فى تحقيق أول اكتشافاته داخل مقبرة أحد النبلاء بمنطقة سقارة الأثرية، تلك بعض من ذكريات عالم الآثار اليابانى ساكوجى ياشيمورا، الذى خاض رحلة شيقة للبحث فى فلسفة الحياة والموت فى الحضارة المصرية القديمة، وقرر بعدها أن يكون أحد علماء الحفائر الأثرية أسوة بالأوروبيين الذين طالما احتكروا مجال التنقيب الأثرى فى مصر، تلك قصة حقيقية لا تختلف كثيرا عن قصص مملوءة بالتفاصيل جمعت بين الحضارتين المصرية واليابانية من أجل التعاون على بناء المتحف المصرى الكبير.
الكل تأثر بفرحة «ياشيمورا» عندما تلقى دعوة حضور حفل افتتاح المصرى الكبير، فهى فرحة تعبر عن فخر عالم آثار عشق البحث والتنقيب عن الكنوز الأثرية وسط رمال الصحراء المصرية، ويعتقد عن قناعة أن الحضارة المصرية تملك الإجابات الشاملة عن الحياة البشرية، ويشعر بالمرارة لأن المستكشفين الأوروبيين سبقوه إلى المناطق الأثرية بما يزيد على 200 عام، لكنه لم يستسلم، وقام بتأسيس قواعد علم المصريات فى بلاده، وقام بأعمال التنقيب برفقة بعثته العلمية وسط عدد من المواقع الأثرية فى سقارة ودهشور وطيبة.
قصة «ياشيمورا» بدأت باهتمامه بالحضارة المصرية منذ شبابه، وقتها قرر دراسة علم المصريات حتى أصبح أحد أشهر الباحثين اليابانيين، أسس البعثة الأثرية اليابانية العاملة فى سقارة بالتعاون مع جامعة «واسيدا» فى طوكيو، وهى من أقدم وأهم البعثات الأجنبية التى تعمل فى مصر حتى اليوم، وأشرف على عدد كبير من الحفائر والاكتشافات الأثرية المهمة فى منطقة سقارة، خاصة مقابر الدولة القديمة ومقابر كبار الموظفين والنبلاء، وهو معروف بدقته وحبه للعمل الميدانى واعتماده على التكنولوجيا الحديثة فى توثيق المواقع الأثرية.
لذا كان طبيعيا أن تتشابك قصته بقصة علاقة الشراكة التى جمعت الوكالة اليابانية للتعاون الدولى «الجايكا» بالدولة المصرية، والتى تؤمن بأهمية الدور الذى تقوم به كشريك أساسى فى بناء المتحف المصرى الكبير، فالدعم المالى والعلمى الذى أسهمت به فى مشروع البناء لا تعتبره مجرد دعم خارجى، بل تنظر إليه على أنه مشاركة استراتيجية فى رؤية المتحف كمنارة للحضارة المصرية، وللبحث، وللتبادل المعرفى.
صحيح أن تلك القروض جعلت البناء ممكنا، لكن برامج التدريب كانت على نفس القدر من الأهمية، خاصة أنها شاركت فى تدريب عدد من الكوادر المصرية القادرة على إدارة التراث وفق معايير عالمية، وهو الأمر الذى جعل المتحف بعد الافتتاح قادرا على التشغيل الفعلى، الذى يتطلب استدامة البناء، والتطوير المستمر، وهو ما يجعل الشراكة المصرية - اليابانية نموذجا يُحتذى فى مشاريع التراث والتنمية.
«حضارة خالدة وجب على كل إنسان زيارة أرض مصر لمشاهدة جمال آثارها ولو مرة واحدة فى العمر»، تلك هى رؤية السفير اليابانى لدى مصر إيواى فوميو بالقاهرة عندما تحدث عن عظمة الحضارة المصرية، قائلا: «كنوزها ما زالت تُلهم الشعب اليابانى»، قصة العشق والولع بالحضارة المصرية القديمة نتج عنها بناء أعظم مشروع ثقافى حضارى خلال القرن الحادى والعشرين، تفاصيلها ترويها كل قطع أثرية نراها اليوم تقف وسط قاعات المتحف المصرى الكبير، بل قد نجد أهم تفاصيلها داخل المخازن والمعامل المتحفية، والتى تعتبر هى الأكثر حداثة على مستوى العالم، ودوما يكون السؤال: من أين بدأت، وكيف استمرت لأكثر من عشرين عامًا؟
كل مَنْ تابع قصة بناء المتحف المصرى الكبير يعلم جيدًا أن المشروع العملاق قام على تعاون «مصرى- يابانى» يشمل عدة مناحٍ علمية وأثرية ومالية أيضا، وهنا يطلّ اسم «الجايكا» التى باتت ملء السمع والبصر نظرا لدورها التى قامت به، وشاركت الدولة المصرية فى بناء متحفها ضمن مجموعة من المشاركات الأخرى فى مجالات التعليم والصحة والزراعة والتكنولوجيا، لكن ما يعنينا اليوم هو الدور المهم الذى قامت به كى يكتمل بناء المتحف الذى لا يضاهيه أى من متاحف العالم.
وكى يكتمل البناء الذى يمثل أحد أهم رموز التعاون الثنائى بين مصر واليابان، قدمت «الجايكا» الدعم المالى من خلال قرضين ميسرين للمساعدات الإنمائية الرسمية بقيمة إجمالية تصل إلى حوالى 800 مليون دولار أمريكى، البداية كانت فى أبريل عام 2008 عندما وقّعت «الجايكا» مع وزارة الثقافة، ممثلة فى المجلس الأعلى للآثار التابع لها آنذاك، اتفاقية تعاون مادى وفنى، كان الغرض منها إقامة مركز متخصص فى الحفظ والترميم ملحق بالمتحف، والذى يقوم بأعمال حفظ وترميم وتغليف ونقل القطع الأثرية، إلى جانب نقل خبرات متعلقة بإدارة وتشغيل المتحف والمعارض لدعم التجهيزات اللازمة لافتتاح المتحف، بالإضافة إلى القيام بأعمال التنقيب والترميم لمركب الشمس الخاصة الملك «خوفو» الثانى، الذى نجح «ياشيمورا» فى اكتشافه عام 1987، وقام باستخراجه بعدما ظل مدفونًا تحت الرمال عند سفح الهرم الأكبر، ونقل فريق البعثة المصرية اليابانية المشتركة أخشاب المركب الثانى ليلحق بقاعة عرض متحفى ذات الطبيعة الخاصة، حيث يمكن للزائرين اليوم مشاهدة عملية ترميمه بشكل مباشر داخل مبنى متحف مراكب الملك «خوفو» الملحق بالمتحف المصرى الكبير.
وبلغت تكلفة المشروع وقتها، نحو 550 مليون دولار، منها 100 مليون دولار مقدمة من المجلس الأعلى للآثار كتمويل ذاتى لتغطى المرحلتين الأولى والثانية للمشروع، إلى جانب 150 مليون دولار يتم تجميعها من خلال حملة لجمع التبرعات.
ثم أسهمت «الجايكا» فى بناء البنية التحتية والنواة العلمية المطلوبة للعرض المتحفى، التى تتوافق مع البحث العلمى الأكاديمى؛ إذ تضمنت الاتفاقية منح مصر فى عام 2016 قرضًا ماليًا ميسرًا ثانيًا بقيمة 34,8 بليون ين يابانى (392 مليون دولار) من أجل استكمال المرحلة الثالثة من المشروع، والتى تتضمن تمويل الجزء الأكبر من إنشاءات مبانى المتحف، قاعات العرض، التصميم الداخلى، المناظر الطبيعية، التصميم الحضرى ونظم تكنولوچيا المعلومات والاتصالات ICT.
وبفضل هذه الشراكة، تم نقل المهارات والخبرات اليابانية فى مجال الحفظ والترميم وإدارة المتاحف، وهو الأمر الذى عزز مكانة مصر الدولية بعدما باتت تمتلك مؤسسة بحثية علمية ثقافية حضارية وليس مجرد متحف عرض، وأسفر التعاون المشترك عن توفير قاعدة بيانات حديثة، وتجهيز القطع للعرض، ونظام حوكمة وإدارة أفضل، كلها عوامل مهمة ضمنت ألا يكون المتحف مجرد مساحة عرض، بل منصة بحثية وتعليمية.
وقتها، المشروع كان قائما بالأساس على التعاون الفنى، حيث قام بتطوير قاعدة البيانات الأثرية، ثم بدأ فى تكوين فريق وحدة قاعدة البيانات الأثرية (ADD) من خلال اختيار مجموعة من الأثريين المصريين لتدريبهم على النظم والإجراءات المناسبة والمطلوبة لإنشاء قاعدة البيانات التى كان قد تم إنشاؤها من قبل.
كذلك نظمت «الجايكا»، بالتعاون مع معهد الدراسات الثقافية القومى بطوكيو، برنامجا لعقد دورات تدريبية فى مجال حفظ وترميم الآثار داخل مصر وخارجها فى اليابان، وكان الهدف الرئيسى للمشروع هو إنشاء مركز ترميم وبحوث، وفقا للمعايير العلمية العالمية.
ومن خلال مشروع الترميم المشترك، قام الفريق المصرى – اليابانى بتنفيذ كل أساليب الترميم (فحص الحالات، الإسعافات الأولية، التعبئة، وسائل النقل، التحاليل، الترميم مع وضع تصورات العرض المتحفى، كما شاركت «الجايكا» فى أعمال ترميم عدد من القطعة الأثرية خاصة الخشبية، ومنها ترميم خمس عربات تخص الملك توت عنخ آمون وثلاثة من أسرّته الجنائزية المذهبة، والتى تعد من أهم مقتنيات الملك الصغير، وهى مزينة برءوس أسد وفرس النهر وثور، إلى جانب الإسهام فى ترميم عدد من اللوحات الجدارية والأحجار ومنها رسومات الملك «سنفرو» الجدارية؛ إذ تعرضت تلك اللوحات للقطع من موقع اكتشافها بمنطقة دهشور ونقلها إلى المتحف المصرى بالتحرير خلال القرن الماضى، وعرضها فى إطارات خشبية مثبتة بالحائط وبشكل منفصل، وأصبح من الصعب فهم محتوى اللوحات، وبالتالى التقليل من قيمة تلك اللوحات، علاوة على أنها عانت من وجود رواسب ملحية على سطحها، لذا خضعت اللوحات لعملية نقل وترميم شاملة كى يتم عرضها داخل المتحف الكبير بشكل يحترم تاريخها ويعرضها كحالتها الأصلية وقت اكتشافها، وبشكل يسهل فهم القصة الأصلية لها.
كما قدمت «الجايكا» منحة قدرها 3 ملايين دولار لاستكمال أعمال الترميم النهائية لمركب الملك «خوفو» الثانى، بالإضافة إلى المنحة التى تم تقديمها فى عام 2013 وقدرها مليونا دولار، وشملت أعمال التنقيب واستخراج القطع الخشبية للمركب من الحفرة الخاصة به وإجراء أعمال الترميم الأولى؛ إذ قامت البعثة الأثرية المصرية اليابانية برئاسة «ياشيمورا» باستخراج جميع القطع الأثرية لمركب الملك «خوفو» الثانى من الحفرة الذى تم اكتشافه بجوار الهرم الأكبر بمنطقة أهرامات الجيزة؛ إذ تم استخراج ما يقرب من 1700 قطعة خشبية من 13 طبقة داخل الحفرة، ونقل 1343 قطعة منها إلى المتحف المصرى الكبير، والبدء فى تجميع وإعادة تركيب المركب وعرضه بجوار المركب الأول داخل مبنى مراكب الملك «خوفو» الجديد.
يذكر أن مشروع ترميم مركب الملك «خوفو» الثانى بدأ عام 2009 بالتعاون بين المجلس الأعلى للآثار وفريق جامعة «واسيدا» برئاسة «ياشيمورا»؛ إذ قام الفريق بتنظيف حفرة المركب من الحشرات ودراسة حالة ألواح المركب داخل الحفرة التى وجدت فى 13 طبقة تحت الأرض. وفى عام 2010 بدأت البعثة أعمال رفع الألواح وترميمها تمهيدا لإعادة تركيبها مثل مركب الملك “خوفو” الأول، واليوم أصبح جزءا من العرض داخل مبنى متحف مراكب الملك «خوفو» بشكل غير مسبوق، حيث سيتمكن الزوار من مشاهدتها خلال خضوعها لعمليات الترميم بشكل مباشرة للمرة الأولى فى عالم المتاحف.