لأن هذا الكتاب طُبع أكثر من مرة فى أكثر من قطر عربي، لذلك أكتب أن الطبعة التى اعتمدتُ عليها مطبوعة عام 2024، علَّق عليها ووضع حواشيها الدكتور باسم مروان فليفل.
ويعترف فى مقدمته لهذه الطبعة أن إعجابه بها وحماسه لها سببه أنه كان قد اطّلع قبل سنوات على مذكرات نجيب الريحاني، ولفته ما فيها من معلومات لم يكن يعلمها حينها عن الحياة الفنية فى مصر، وعن حياة «الريحانى» نفسه خارج نطاق الشاشتين الكبيرة والصغيرة.
ويكتب أن المُطَّلع على مذكرات بديعة مصابنى يجد نفسه مسافرًا عبر التاريخ فى مراحل زمنية مختلفة، حدودها واضحة، يستشعرها القارئ، وتتكون فى ذهنه صورة ذلك الزمان وتبدُّله التاريخي. شهدت صاحبة المذكرات تبدُّل أحوال الدنيا وتغيُّر ما جرى بالبلاد فى شرقنا العربى فى ذلك الزمان البعيد.
وتكمن أهمية هذه المذكرات فى أنها تؤرخ لأحداث المنطقة على الصعيدين السياسى والفني، فقد عاصرت بديعة ما تبقى من حياة الدولة العثمانية، بما فيها السنوات السبع عشرة الأخيرة من عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ثم السنوات التسع من حكم حزب الاتحاد والترقي، وشهدت الحرب العالمية الأولى وويلاتها وسقوط الدولة العثمانية، وحلول الانتدابين البريطانى والفرنسى مكانها، وتقسيم بلادنا العربية والإسلامية إلى كيانات سياسية جديدة.
لا شك أن لصاحبة المذكرات فضلًا وبصمة على الساحة الفنية العربية، لكثرة من انطلقوا من عامر مسرحها فى مجال الطرب والتمثيل والرقص، وكانت بداياتهم معها، من فريد الأطرش وإسماعيل ياسين إلى تحية كاريوكا وسامية جمال، وهذا ما يظهر جليًّا فى الربع الأخير من المذكرات.
ولا يخفى على المُطَّلعين مدى شُحِّ ونُدرة المصادر التى تكشف ثنايا هذا المجال الدراسي، لقلة ما جرى توثيقه من حياة رواد الطرب والموسيقى والتمثيل المسرحى العربى الحديث منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلاديين، ولكثرة ما تناقلته وسائل الإعلام من أخبار عن هذه الفترة، لهذا فإن هذه المذكرات تسد ثغرة للباحثين والمؤلفين ومن يحاولون التأريخ لهذه الفترة.
المصادر التى اعتمد عليها من كتب هذه المذكرات أغلبها كتب ودوريات أكاديمية ومجلات ثقافية، وعندما كانت تعز عليه المصادر الإلكترونية، كان يلجأ إلى المصادر الورقية الموثوقة. ولعل أبرز مصدرين اعتمد عليهما كانا مذكرات نجيب الريحانى خلال الفترة المشتركة من حياة هذين الفنانين، وما تلاها من توابع وأحداث نتيجة انفصالهما.
ويعترف أن ما ذكرته صاحبة المذكرات قد يتناقض مع ما قالته سابقًا فى أحيان قليلة، ورغم أن القارئ سيلاحظ ما يبدو من مغالاة أو مبالغة فى وصف بعض الأحداث وإخراجها بطريقة سينمائية، فإنه لم يُشر إلى ذلك لاستحالة معرفة دقة هذا الوصف أو صحته، لأن كل من تتكلم عنهم المذكرات صاروا اليوم ترابًا وعظامًا.
لقد نُشرت الطبعة الأولى من هذه المذكرات وصاحبتها ما زالت حية تُرزق، ولذلك كانت فيها صور كثيرة لم توجد فى الطبعات التالية. ومع هذا، فإن المذكرات تحتوى على تاريخ نادر لهذه الفنانة. وللعلم فقط، وُلدت بديعة مصابنى يوم 25 فبراير 1892، وهى دمشقية، ووالدها من الأراضى التى عُرفت فيما بعد بلبنان، وهى تكتب مذكراتها بدرجة عالية من الصدق والموضوعية، بقدر الإمكان.
يكتب باسم مروان فليفل فى الخاتمة أن بديعة عاشت فى شتورا بلبنان أربعًا وعشرين سنة بعد نشرها مذكراتها، وأنها لم تعانِ أمراضًا ومشكلات صحية، ولكنها صارت تتوكأ على عكاز فى سنواتها الأخيرة، وفى أواسط عام 1974 وقعت على درجات السلم، فنُقلت إلى المستشفى فى تل شيحا فى زحلة، حيث فارقت الحياة يوم 23 يوليو 1974، ونُقل جثمانها إلى بلدة البترون، ووُرى الثرى هناك.
وبهذا اختُتمت سيرة هذه الفنانة التى كان لها بالغ الأثر فى الفنون المسرحية والأدائية فى الوطن العربي، لكثرة من تخرَّج من تحت يديها من أعلام ذاعت شهرتهم من المحيط إلى الخليج خلال أواسط القرن العشرين الميلادي.
والمنشور للقارئ ليس هو ما كتبته بديعة مصابنى بنفسها، ولكن الدكتور باسم مروان فليفل علَّق عليه وصاغه ووضع حواشيه الكثيرة، والتى تكاد تخلو صفحة منها، لدرجة أنه عندما يكتب عن ميدان رمسيس يسميه باب الحديد، وهو اسم مصرى صميم لا يعرفه إلا من أقام فى بر مصر المحروسة.
لقد استمتعت بقراءة هذا العمل أيما استمتاع، رغم أن صاحبته دوَّنته قبل كل هذا السيل الرهيب من الروايات والقصص العربية وكتب المذكرات العربية التى ملأت حياتنا تمامًا.
إنه كتاب يقع فى أكثر من أربعمائة صفحة من القطع الكبير، وكاتبه باحث ومؤرخ لبنانى معروف، له الكثير من الكتب والأعمال التى تؤرخ لزمنه بطريقة غير عادية.