وكان شوقى قد أوصى أولاده الثلاثة (على وحسين وأمينة) بكتابة هذين البيتين من قصيدته (نهج البردة) فى مدح الرسول على قبره، وهما: (يا أحمد الخير لى جاه بتسميتى – وكيف لا يتسامى بالرسول سمى)، (إن جل ذنبى عن الغفران لى أمل – فى الله يجعلنى فى خير معتصم)، هكذا أكد ابنه (حسين) فى كتابه الوثيقة (أبى شوقى)، والذى نشرته (قصور الثقافة) برئاسة المخرج هشام عطوة، وإدارة نشر واعية للكاتب الحسينى عمران، ضمن سلسلة (ذاكرة الكتابة) برئاسة تحرير د. أحمد زكريا الشلق، ومدير تحرير السلسلة الكاتب عماد مطاوع.
والذى يعرفه نقاد الأدب، والشعر خصيصا، أن شوقى حاز إمارة الشعر العربى المعاصر عن تمكن واقتدار، وبايعته وفود شعراء المشرق والمغرب العربى عن رضا، وأولهم شاعر النيل حافظ إبراهيم، صديق شوقى المقرب، وخليل مطران شاعر القطرين، والذى قال فى تقديمه لكتاب (أبى شوقى):
(إن شوقى كان خليقا بالنعمة التى عاش فيها، من حيث هو رب بيت، ومن حيث هو وجيه قوم، وأنه جمع إلى عبقرية العقل، عبقرية القلب، فكان كبيرًا فى أصغر دعاباته، كما كان كبيرًا فى أسمى مبتدعاته).
وممن بايعوا شاعر لبنان الكبير بشارة الخورى، وكان صديقًا لشوقى، وكان يطيب لشوقى أن يقضى أيامًا فى ضيافة الخورى، ومن عشقه لجمال الطبيعة فى لبنان كتب رائعته (يا جارة الوادى)، والتى غناها عبدالوهاب تلميذه المحبب إليه، ثم غنتها جارة القمر فيروز.
وُلد شوقى لجد شركسى الأصل وفد إلى مصر فى عصر محمد على واقترب منه ضمن حاشيته، وترقى حتى صار أمينًا للجمارك المصرية فى عهد سعيد باشا، تزوج من فتاة شركسية فرُزق منها بوالد أحمد شوقى (على)، ومات تاركًا خلفه ثروة كبيرة، وجد شوقى لأمه من الأناضول، واسمه (أحمد حليم النجدة) كان من حاشية إبراهيم باشا، فأهداه جارية يونانية اسمها (تمراز)، وترقى فى المناصب حتى أصبح وكيلا خاصا للخديو إسماعيل، وكان إسماعيل يقول عنه: (لم أرَ أعفّ منه، ولا أقنع من زوجته، ولو لم يسمِه أبى حليما، لسميته عفيفًا لطهارته وعفته)، ترك ابنتين، عاشتا مع أمهما فى قصر الخديو، حيث كانت (تمراز) وصيفة به، إلى أن تقدم والد شوقى وخطب إحداهما، وانتقل بأسرته إلى منطقة (الحنفى)، إلا أن الجدة الوصيفة أخذت حفيدها شوقى معها ليسكن قصر عابدين وينشأ نشأة الأمراء.
ومن هنا نشأ شوقى منعمًا، ومقربًا من الأمراء، فعُرف فى أول عهده بالشعر بشاعر القصر، ثم اقترب من تيار الوطنية المصرية، وأزعج سلطات الاحتلال الإنجليزى فنفته إلى إسبانيا، وعاد من منفاه (شاعر الوطن) الأول، حيث انغمس لشوشته فى القضايا المصيرية التى يمرّ بها الوطن، وعبر عنها، ونادرًا ما تقع حادثة إلا وشعر شوقى كان حاضرًا فيها، لدعم الشباب، ودعم الحركة النسائية، ودعم نضال المصريين، وتسجل أيامه فى إسبانيا منفيا بعيدا عن مصر حر أشواقه إليها، حيث يقول فى شعره:
(أحبك مصر من أعماق قلبى – وحبك فى صميم القلب نامى)
(سيجمعنى بك التاريخ يوما – إذا ظهر الكرام على اللئام)
(وهبتك غير هياب يراعا – أشد على العدو من الحسام)
وفى قصيدة أخرى يقول:
(وسلا مصر، هل سلا القلب عنها – أو أسى جرحه الزمان المؤسى) حتى يصل إلى أن يقول أبياته الشهيرة:
(أحرام على بلابله الدوح – حلال للطير من كل جنس)
(نفسى مرجل، وقلبى شراع – بهما فى الدموع سيرى وأرسى)
(وطنى لو شغلت بالخلد عنه – نازعتنى إليه فى الخلد نفسى)
(شهد الله لم يغب عن جفونى – شخصه ساعة، ولم يخل حسى)
ولما حل بمصر بعد ثلاث سنوات من النفى، قال:
(ويا وطنى لقيتك بعد يأس – كأنى قد لقيت بك الشبابا)
(ولو أنى دعيت لكنت دينى – عليه أقابل الحسم المجابا)
(أدير إليك قبل البيت وجهى – إذا فهت الشهادة والمتابا)
عاد شوقى من منفاه سنة 1920م وحتى رحيله سنة 1932م شاعرا للشعب، تغنّى بالثورة، وللأهرامات، وللنيل، وقال فى شعره الثورى:
(زمان الفرد يا فرعون ولى – ودالت دولة المتجبرينا)
(وأصبحت الرعاة بكل أرض – على حكم الرعية نازلينا)
وأصبح بيته (كرمة ابن هانئ) مقصدًا لكبار أهل زمانه، زاره شاعر الهند الكبير طاغور، وزاره مفتى فلسطين أمين الحسينى، والتونسى السيد الثعالبى، وغيرهم.
كان شوقى قد سكن ضاحية حلوان بعد (الحنفى)، ثم المطرية ليكون إلى جوار صديقه الخديو عباس، الذى طاب له سكن (قصر القبة)، ثم انتقل إلى نيل الجيزة، وأسس بيته على النيل باسم (كرمة ابن هانئ)، على اسم الشاعر العباسى أبى نواس لأن شوقى كان معجبا به، كما كان معجبا بالمتنبى أيما إعجاب.
وفى آخر أكتوبر 1926م تجتمع لجنة من كبار مفكرى مصر لتكريم شوقى، ويجرى التكريم لمدة أسبوع فى دار الأوبرا فى 29 أبريل سنة 1927م، ويقف مطران، منشدا:
(يا باعث المجد القديم بشعره – ومجدد العربية العرباء)
(أنت الأمير ومن يكنى بالحجى – فله به تيه على الأمراء)
(اليوم عيدك وهو عيد شامل - للضاد فى متباين الأرجاء)
ويقف حافظ لينشد:
(أمير القوافى قد أتيت مبايعا – وهذى وفود الشرق قد بايعت معى)
شوقى بحر زاخر من الوطنية والفن، وتأثيره على الغناء باقٍ ليومنا، فقد صدح عبدالوهاب تلميذه، وأم كلثوم بقصائده، أما مسرحه الشعرى فيحتاج لدراسة مستقلة، (مجنون ليلى، وقمبيز، وعلى بك الكبير، والست هدى، والبخيلة)، فقد فتح بابًا للعربية كما فعل شكسبير فى الإنجليزية.
كان الشعراوى لا ينطق باسم شوقى إلا، وقال: (رضى الله عنه)، وذكر أن شيخ الأزهر آنذاك (الأحمدى الظواهرى) جاءه النبى فى الرؤيا أن شوقى يلفظ روحه، فذهب ولقنه الشهادة، وكان قريبًا من الإمام أبو العزائم، وقيل إنه منحه مفتتح قصيدة (ولد الهدى فالكائنات ضياء – وفم الزمان تبسم وثناء)، وقال له: اكتب على منواله.
أما ما كتبه طه حسين ضد شوقى فى كتابه، فقد اعترف فى شيخوخته بأنه كان شابًا يريد الشهرة فبحث عن أكبر قامة لينقدها!.. وهكذا حال العقاد والمازنى وشكرى لما نقدوا شوقى فى كتابهم (الديوان)، ويظل شوقى بحرًا زاخرًا، وقمة لا يطاولها أحد.