رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

التنمر الصامت... الوجه الآخر للانضباط اليابانى


16-10-2026 | 14:00

.

طباعة
رسالة اليابان: إيمان السعيد

فى اليابان، إذا استيقظت مبكرًا وقررت الخروج فى الصباح، ستجد هدوءًا غريبًا لا يقطعه سوى صوت الغربان اليابانية الشهيرة. ستنظر حولك، فتجد النظام حاضرًا فى كل التفاصيل؛ عاملة ترتدى كمامة وقبعة تحميها من الشمس، وتنشغل بمهمة تبدو بسيطة لكنها ضرورية، تلميع سور أحد المتاجر. ورجل فى الثمانين يجلس فى الحديقة مستمتعًا بكوب من الماتشا الدافئ. لكن أكثر ما لفت انتباهى فى تلك المشاهد الصباحية كان الطلاب.

 

زىّ موحد، شعر مرتب، وحقائب مدرسية يحملها أطفال صغار. بعضهم يقف فى انتظار القطار، فى مجموعات صغيرة، من دون أب أو أم يمسك بيده أو يرافقه إلى المدرسة. يقفون بهدوء، يعرف كل منهم أين يذهب ومتى يعبر ومتى ينتظر. فى البداية، بدا لى المشهد واحدًا من أكثر الصور التى تختصر ما نعرفه عن المجتمع الياباني: النظام، الاستقلالية، والالتزام بقواعد الجماعة. لكننى مع الوقت اكتشفت أن وراء هذه الصورة حكاية أخرى.

عندما تحدثت مع صديقتى اليابانية التى لديها طفل صغير فى المدرسة، كان سؤالى كيف يترك الأهالى الأطفال للذهاب للمدرسة فى هذه السن وحدهم، فقالت صديقتى إن الأطفال يتجمعون فى الصباح فى مجموعات صغيرة ويكون بينهم أطفال أكبر سنًا، ثم يسيرون معًا فى طريق محدد إلى المدرسة. فى البداية، يحرص الأهل على تدريب الطفل على الطريق ومراقبته، وقد يرافقونه فى الأيام الأولى، ثم يبتعدون تدريجيا ويتركون له مسئولية الذهاب بنفسه.

فالأمر بالنسبة لليابانيين ليس مجرد ترك الطفل يذهب إلى المدرسة وحده؛ إنه جزء من منظومة كاملة تعلمه كيف يتحرك داخل المجتمع، وكيف يلتزم بالقواعد، وكيف يكون جزءًا من الجماعة. ولكن عندما سمعت ردها جاء سؤال آخر إلى ذهني: ماذا يحدث للطفل الذى لا يستطيع أن يندمج مع قواعد المجتمع فى اليابان؟

وجدت الإجابة حين تحدثت مع إحدى طالبات الجامعة هنا فى اليابان، أخبرتنى أنها عانت فى طفولتها من صعوبة الاندماج مع زملائها، وهو ما عرضها لما يعرف باليابانية باسم «إيجيمي» (Ijime – いじめ)، وهو نوع من التنمر الصامت، وعلى عكس الصورة النمطية الغربية عن التنمر -والتى غالبا ما ترتبط بـ«متنمر» أقوى بدنيًا يمارس العنف أو يبتز زملاءه - يظهر الـ«إيجيمي» فى اليابان بصورة مختلفة؛ إذ يستند بالأساس إلى الممارسة الجماعية، حيث تتحول الفصول المدرسية أو المجموعات بأكملها ضد فرد واحد. كما يعتمد بشكل أكبر على الإيذاء النفسى بدلاً من العنف الجسدي؛ من خلال التجاهل الممنهج موشى «mushi» والاستبعاد، ونشر الشائعات، والإذلال العلني.

وعندما قمت بالبحث عن هذه الظاهرة، وجدت أن «إيجيمى» تحولت إلى قضية اجتماعية بارزة فى اليابان فى الثمانينيات، ومن أشهر القضايا المرتبطة بها انتحار الطالب هيروفومى شيكاوا، البالغ من العمر 13 عاما، فى فبراير عام 1986. ووفقا للدراسات التى وثقت القضية، تعرض الطالب لأشهر من التنمر، شملت الإذلال وإجباره على القيام بأفعال مهينة أمام زملائه، حتى أن بعضهم أقام له جنازة وهمية داخل الفصل، ووضعوا صورة وزهورًا وبطاقة تعزية على مكتبه، ووقّع البطاقة عدد من الطلاب وأربعة معلمين.

أثارت هذه القضية تحركًا رسميًا مبكرًا؛ ففى عام 1986، عقدت وزارة التعليم اليابانية اجتماعًا طارئًا لبحث مشكلة التنمر، بعدما أصبحت القضية موضع اهتمام واسع. وفى نوفمبر من العام نفسه، صدرت توجيهات حكومية لتعزيز التعامل مع المشكلة. لكن التنمر ظل قضية متكررة، وعادت إلى الواجهة بقوة بعد انتحار طالب يبلغ من العمر 13 عاما فى مدينة أوتسو فى أكتوبر 2011، بعدما تعرض لسلسلة من الاعتداءات والمضايقات على يد زملائه. أثارت القضية غضبًا واسعًا فى اليابان. وفى يناير 2013، خلصت لجنة تحقيق مستقلة إلى أن التنمر كان عاملاً مباشرًا فى وفاته. وفى العام نفسه، أُقر قانون مكافحة التنمر، ولم يحصر القانون التنمر فى الاعتداء الجسدى، بل شمل الأفعال التى تسبب للطفل معاناة نفسية أو جسدية، بما فيها التنمر عبر الإنترنت، وإلزام المدارس بالعمل على الوقاية منه واكتشافه مبكرًا والتعامل مع الحالات المشتبه فيها. لكن ما وجدته فى الأرقام الحديثة أكد أن أزمة التنمر لا تزال مستمرة. فبحسب نتائج المسح الحكومى اليابانى للعام الدراسى 2024، رُصدت 769 ألفًا و22 حالة تنمر فى المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية ومدارس ذوى الاحتياجات الخاصة، بزيادة نحو 5 فى المائة عن العام السابق. وهو رقم لا يزال مرتفعًا.

فخلال إقامتى فى اليابان وجدت فجوة بين الصورة التى نعرفها عن كوكب اليابان والتفاصيل التى اكتشفتها. فخلف بعض الممارسات اليومية التى تبدو عادية، كانضباط الطلاب فى طريقهم للمدرسة، توجد أسئلة أكبر عن طريقة عيش الناس، وعلاقاتهم ببعضهم، وما تفرضه قواعد المجتمع على الفرد. وفى كل مرة، كنت أكتشف أن فهم اليابان لا يتوقف عند ملاحظة ما يميزها، بل يبدأ أحيانًا من السؤال عما لا نراه فى المشهد الأول.

الاكثر قراءة