رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انهيار المشروع الصهيونى (20)


16-10-2026 | 14:03

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

انهارت «الرواية» الصهيونية، واستيقظ «الضمير» العالمي، فـ«التاريخ» لا يمكن خداعه إلى الأبد. لقد انهارت أسطورة «الكراهية الأبدية» أمام شهادة التاريخ الإسلامي المشرق، وسيبقى الجرح الفلسطيني مفتوحًا كشاهد ملك على زيف السردية، وشهادة حية على أن الاحتلال لا يمكن أن يتحول إلى «وطن»!

في نهاية هذه الرحلة الفكرية الشاقة والمعقدة، وفي خضم تشريحنا المتأني لآراء (أرندت وسعيد وليبوفيتش وتشومسكي وفانون والمسيري)، وتفكيكنا الدقيق لأدوار «الصهاينة الوظيفيين» و«الصهاينة الوظيفيين اللغويين» و«الأمساخ الأخلاقية» في تجلياتهم المتعددة، وكشفنا لـ«البيت من الداخل» و«اضطهاد المسيحية» و«فضح المسيحية الصهيونية»،

 

وتقديمنا لـ«المرافعة التاريخية» التي تستحضر «العصر الذهبي» لليهود في ظل الإسلام، واستخلاصنا لعبر التاريخ وسنن الاجتماع، يجب أن نتوقف برهة لنتذكر حقيقة أساسية قد تضيع أحيانًا في خضم التجريد الفلسفي والتحليل البنيوي. وبذلك نصل إلى خاتمة الدراسة، فإلى التفاصيل.

الخاتمة: الحقيقة التي لا تقبل المحو واستعادة معنى الإنسانية

إن «الاعتلال البنيوي» الذي شخصناه، و«الخطيئة الأصلية» التي تحدث عنها (بابي ورودنسون)، و«الفصام الأخلاقي» الذي حلله (أسد وكانط)، و«التضليل اللغوي» الذي فككناه، و«الأمساخ» التي شرحنا آليات اشتغالها، و«الانهيار الوجودي» المحتوم، ليست مجرد مصطلحات أكاديمية باردة نتبادلها في قاعات المحاضرات المكيفة أو على صفحات الكتب الفاخرة.

إن هذا الاعتلال، في حقيقته المرة، يُترجم يوميًا، بل لحظة بلحظة، إلى «لحم ودم»، وإلى آلام بشرية حقيقية، وحيوات مسحوقة، وأحلام مؤجلة، وطفولة مسروقة، ووجود كامل معلّق بين المنفى والعودة.

إن هذا الاعتلال البنيوي، وهذه الأمساخ الأخلاقية، وهذا التضليل اللغوي، هي التي تبرر لجندي مدجج بأحدث ما أنتجته التكنولوجيا العسكرية العالمية أن يرى في عيني طفل فلسطيني يحمل حجرًا أو حتى كرة قدم «تهديدًا وجوديًا» يستوجب القنص بالرصاص الحي. إنها ذلك التشوه العميق في الإدراك الأخلاقي الذي يجعل من الممكن تحويل طفل يلعب أمام منزله إلى «هدف عسكري مشروع» أو «بيانات» على شاشة حاسوب.

إنها التي تجعل مستوطنًا، مسلحًا بنصوص دينية محرفة وسردية تاريخية مزيفة، يقتلع شجرة زيتون ضاربة جذورها في التاريخ منذ مئات السنين، شجرة شربت من عرق الفلاح الفلسطيني وصبره وأمله، ليغرس مكانها وهمًا أيديولوجيًا لا جذور له في الأرض ولا في التاريخ، إنها التي تحول الأرض الفلسطينية، ببياراتها وجبالها ووديانها، إلى مجرد «عقار» في سجل «صندوق قومي» لا يعترف إلا بالغاصب. إنها التي تجعل حاخامًا يحرض أتباعه على البصق على القساوسة والرهبان، وتجعل إنجيليًا يصلي من أجل «هرمجدون» التي تبيد اليهود.

إن «فوبيا الزمن» التي شخصناها، وهذا الخوف المرضي من المستقبل، وهذا اللهاث المحموم لوقف عقارب الساعة، تتجسد في جدران الإسمنت الشاهقة التي تخنق القرى والمدن الفلسطينية، وتحولها إلى سجون كبيرة مفتوحة على السماء.

ويتجسد ذلك في الحواجز العسكرية التي تحول رحلة الطالب إلى مدرسته أو جامعته، ورحلة العامل إلى حقله أو مصنعه، ورحلة المريض إلى المستشفى، ورحلة العاشق إلى حبيبته، إلى قطعة من العذاب الوجودي اليومي، وإلى ساعات من الانتظار المهين تحت الشمس الحارقة أو المطر الغزير، على أهبة الاستعداد لمواجهة جنود أو أفراد أمن لا يرون في الفلسطيني إلا «رقم هوية» مشبوهًا أو «خطرًا أمنيًا» محتملًا. هذا هو «الاعتلال البنيوي» عندما يتحول إلى جغرافيا، وإلى زمن معطل، وإلى حياة مسروقة لحظة بلحظة.

إن جوهر المأساة، في أعمق مستوياتها، يكمن في أن هذا المشروع، في محاولته الفاشلة والميؤوس منها لـ«تطبيع» وجوده المغتصب بالقوة الغاشمة، و«شرعنة» خطيئته الأصلية بالسرديات المزيفة والترجمات المضللة، قد صنع عالمًا لا مكان فيه للإنسان الحقيقي، بكل ضعفه وقوته، وبكل تناقضاته وأحلامه.

لقد صنع عالمًا تحول فيه الفلسطيني إلى «مشكلة ديموغرافية» أو «تهديد أمني» أو «بيانات» أو «أهداف»، وتحول فيه اليهودي نفسه، كما حذر (ليبوفيتش وبتلر)، إلى «ذات استعمارية» فقدت جوهرها الأخلاقي، وإلى «مسخ أخلاقي» فقد إنسانيته. إنه عالم مقسم بين «نحن» المطلقة الحقوق، والتي تعاني بدورها من تمزقات داخلية قاتلة، و«هم» المسلوبة إنسانيتهم. إنه عالم ينهار فيه المعنى الأخلاقي للحياة نفسها.

فالصهيوني الوظيفي الذي يجلس في مختبراته ومكاتبه، ويبرمج الخوارزميات لقمع الحقيقة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو يكتب التقارير المضللة للمؤسسات الإعلامية، أو السياسي الذي يمنح صوته في مجلس الأمن لـ«الفيتو» الذي يصمت على المجزرة ويمنع إدانة القاتل، لا يدركون، في غفلتهم الأخلاقية واغترابهم الوجودي، أنهم لا يحمون «دولة» ولا يدافعون عن «قضية عادلة».

إنهم، ببساطة، يغذون «ثقبًا أسود» يبتلع القيم الكونية التي قامت عليها الحضارة البشرية عبر آلاف السنين: العدالة والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية. إنهم يشاركون، بوعي أو بغير وعي، في بناء عالم لا مكان فيه لهذه القيم، عالم يسوده منطق القوة والغاب، ويكون فيه الفلسطيني اليوم، وغدًا أي إنسان آخر، مجرد «فائض» يمكن التخلص منه. إنهم شركاء في صناعة الأمساخ التي ستنقلب عليهم وعلى العالم.

خلاصة أخيرة: استعادة معنى الإنسانية وضرورة الهندسة اللغوية الجديدة

إن سقوط هذا النموذج المعتل، وهذا «المشروع الإحلالي» القائم على الإنكار والقوة والإقصاء والتضليل اللغوي، و«المختبر السلوكي» الذي ينتج الأمساخ الأخلاقية، و«البيت المنقسم» الذي يأكل نفسه من الداخل، ليس قدرًا سياسيًا محتومًا فحسب، وليس مجرد نتيجة حتمية لموازين القوى المتغيرة أو للديموغرافيا أو للتحولات الجيوسياسية. إنه، في العمق، ضرورة أخلاقية لاستعادة معنى «الإنسانية» ذاته.

إنه ضرورة لاستعادة فكرة أن الإنسان، أي إنسان، هو غاية في حد ذاته، لا وسيلة لمشروع استعماري، ولا أداة لنبوءة دينية، ولا بيدق في لعبة جيوسياسية كبرى، ولا مجرد «بيانات» على شاشة حاسوب!

إنه ضرورة لاستعادة فكرة أن «الحق لا يموت بالتقادم»، وأن «العدالة لا تسقط بمرور الزمن»، وأن «العلة لا تُشفى بالتجميل»، وأن «المسخ الأخلاقي لا يمكن أن يكون أساسًا لمستقبل»، وأن «التعايش الحقيقي لا يُبنى على الجدران والأسلاك الشائكة، بل على العهد الإلهي والمواطنة الأخلاقية».

إن استعادة الكلمات الحقيقية والصادمة في آنٍ واحد، مثل: (اغتصاب، وإحلال، ومحو، وإبادة، واستيلاء، واقتلاع، وسطو)، هي «الفعل الهندسي الأول» والضروري في إعادة بناء «جدار الوعي» العربي والإنساني. إنها معركة تحرير اللغة قبل تحرير الأرض؛ فلا يمكن أن نحرر أرضًا ونحن نستخدم لغة من اغتصبها ليصف لنا جريمته.

إننا بحاجة ماسة إلى «هندسة لغوية جديدة» تعيد تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، وتكون مرجعًا للأجيال القادمة، وتكسر قيود «الاستلاب اللغوي» الذي مارسه «الصهاينة الوظيفيون اللغويون» لعقود طويلة. وهذه الهندسة اللغوية جزء لا يتجزأ من معركة استعادة الوعي والهوية والكرامة.

إن الحقيقة التي يراها العالم اليوم، بكل وضوح، خلف غبار المعارك وركام المنازل المدمرة وأكوام الجثث، هي أن «الرواية» الصهيونية قد انهارت، وأن «الضمير» العالمي قد استيقظ، وأن «التاريخ» لا يمكن خداعه إلى الأبد. لقد انهارت أسطورة «الكراهية الأبدية» أمام شهادة التاريخ الإسلامي المشرق.

سيبقى الجرح الفلسطيني مفتوحًا كشاهد ملك على زيف السردية، وشهادة حية على أن الاحتلال لا يمكن أن يتحول إلى «وطن»، وأن الاستعمار لا يمكن أن يتحول إلى «تحرر»، وأن القوة لا يمكن أن تخلق «حقًا».

سيبقى هذا الجرح مفتوحًا حتى تعود الحقوق إلى أصحابها، وحتى تتحرر «الذات الإنسانية»، فلسطينية كانت أم يهودية، من فخ الاستعمار والاستلاب والكراهية، ومن آلة إنتاج الأمساخ الأخلاقية. وسيبقى مفتوحًا حتى نستعيد جميعًا، ضحايا وجلادين، معنى أن نكون بشرًا، وحتى نستعيد «لغتنا» التي سُرقت كما سُرقت «أرضنا»، وحتى نستعيد «تاريخنا» المشترك الذي شوهته الصهيونية.

«وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» (الإسراء: 81).. (يتبع)

الاكثر قراءة