قادتني الظروف مؤخرا لحضور حفل دعيت له من احدي الصديقات بأحد الأماكن الكبري الشهيرة، كان الحفل تحت عنوان تسعيناتي، ومن العنوان يتضح تفاصيل الحفل، احتفالية رقيقة لمواليد التمانينات والتسعينات تضمنت أغاني لأشهر مطربي هذه الفترة هشام وحميد وإيهاب ومصطفي، ثم استعراض لمقتنيات الحاضرين من هذه الفترة، كنت أشعر بسعادة غامرة أثناء الحفل وكأني عدت فتاة في الثامنة عشر من العمر تحتضن الكلاسير في طريقها للجامعة، وقادني الفضول إلى أن أتلفت حولي فى وجوه الحاضرين، والذين بالمناسبة أيضا لهم نفس السمت وتقريبا نفس الملامح، فلاحظت شيئا غريبا على الوجوه، فعلى الرغم من الابتسامة الواسعة التي ارتسمت على وجوه الجميع بلا استثناء، فقد لاحظت أيضا قطرات من الدمع تترقرق في العيون، كانت العيون تلمع بفرحة حتى بانت واضحة رقرقات الدمع، وجدتني أتوقف طويلا متسائلة تري ما السبب في هذه الدموع؟، ما السر وراء أن جيلا كاملا يشعر بنوستالجيا وحنين لا يتوقف لمرحلة زمنية ما؟، ماذا حدث؟ هل أثقلتنا الهموم والأعباء حتى بتنا نشتاق لأيامنا في الزمن الماضي، هل توحش الزمن أو قست علينا الأيام؟ هل كبرنا لدرجة أن أصبحنا أكثر حساسية وهشاشة؟ والأهم هل كان الماضي بهذا الجمال والروعة حقا أم هو فقط اشتياق لشبابنا وزهرة عمرنا؟ هل نبكي براءتنا التي اغتالها الزمن "ليه يا زمان مسبتناش أبرياء" كما عبر الشاعر الرائع سيد حجاب؟ الحقيقة أنه لا إجابة محددة لدي، ولكن فقط افتراضات عدة استنتجتها بعد أن استمعت لاعترافات السيدات في حلقة نقاش سريعة كانت أشبه بجلسات العلاج السلوكي، فمن سيدة تعاني من عدم الأمان مع زوج لاه وغير مبال أو مهتم حتي بمرضها الشديد، إلى سيدة أخري تعاني من عقوق أبناء بعد أن أفنت كل لحظات عمرها من أجلهم ولهم فقط، وأخري تشعر بالغدر بعد هجر زوجها لها بعد عشرة العمر، وأخيرا من تعاني من جفوة الأبناء والأحفاد أيضا فلا زيارة ولا سؤال لفترات طويلة، تساؤلات عدة تقافزت إلى ذهني؛ متي مر كل هذا العمر وكيف؟ متي تسربت سنينا من بين أيدينا؟ ولماذا نشعر بكل هذا الحنين إلى ماضينا؟ ربما كانت ضربات الزمن أقوي من قدرتنا على الاحتمال، أو أن رقي تربيتنا وسمو أخلاقنا يرفض هذا الكم من القبح والبذاءة والتدني حولنا، في مدارس ونوداي وجامعات وحتى على الهواء مباشرة في الاعلام نري ونسمع ألفاظا يندي لها الجبين يدعون أنها من واقع المجتمع، ربما كل هذا الضغط المادي واللهاث ليل نهار لتوفير أبسط متطلبات المعيشة التي أصبحت لا تنتهي وكأن الحياة بأكملها فاترينة معروضات واغراءات حولنا في مأكولات ومشروبات وملبوسات ومتنزهات لا يقوي عليها المواطن العادي، كل ذلك جعلنا نشعر بانفصال واشتياق لوقت كنا لا نحمل هما ولا نعرف إلا النبرة الهادئة في الحديث والكلمات والأسلوب الراقي في المحادثات؟ ربما لأن فترة التسعينيات كانت بالفعل مرحلة انتقالية وحلقة وصل بين عالم من الهدوء والتقليدية والبداية الفعلية للانفتاح التكنولوجي وعالم الهواتف المحمولة والتواصل العالمي والعالم الذي أصبح قرية صغيرة بفضل الشبكة العنكبوتية العالمية، ربما أيضا نفتقد الونس، حيث لم يخلو وقت من أوقاتنا من تجمع أسري أو عائلي شامل، في مناسبة أو بدون مناسبة، حول مائدة طعام عامرة في المناسبات والأعياد، أو حول التلفاز لمشاهدة مسلسل اجتماعي راقي أو فوازير رمضانية، أو تجمع في سهرات صيفية وأحاديث سمر لا تنتهي وحلقات لعب مسلية لا يغيب عنها فرد، ربما هو رفض لحالة التكلف والتصنع التي آل إليها المجتمع ويتسم بها في الأغلب عالم الكبار، لم نعد نقوي على كل هذا الزيف والتمثيل في شتي مناحي الحياة لاظهار الصورة المثالية أمام كاميرات هواتفنا المحمولة، فلابد أن نلتقط صورنا في أفخم المطاعم وأشهر الكافيهات والكومباوندات الفارهة وأرقي المصايف، نشتاق إلى الجبنة بالخيار والشاي بالنعناع ولا نستسيغ الكرواسون بالتركي المدخن مع الآيس لاتيه، أسباب كثيرة قد تكون وراء شعورنا بهذا الحنين الخفي الحالم، ولكن المؤكد أننا استيقظنا فجأة ونحن نشعر أننا أرهقنا الزمن ولا نليق بعالم الكبار، يغمرنا شعور باللا انتماء، نريد فقط أن نعود لطفولتنا وشبابنا، نبكي عند ضعفنا وهشاشتنا ونجري لنختبئ في أحضان الكبار ووراء جلابيبهم، لقد أرهقتنا المسئوليات وغصت حلوقنا بشكوي لا نستطيع أن نبوح بها أو أن نئن حتى من وطأة ضغوطاتنا.
أسباب كثيرة وراء هذه المشاعر المختلطة تسيطر علينا تجعلنا دائما نشعر بالاغتراب النفسي والمجتمعي في عالمنا ونتمني ألا ليت الشباب يعود يوما.