رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

كنوز المصوّر| أحمد شوقى بك .. ابتهاج عالم الأدب بصدور الشوقيات


16-10-2026 | 13:59

.

طباعة
يقـدمـــها: أشــرف التعـلبى

أحمد شوقى.. الاسم وحده يكفى بلا مقدمات، أو تعريف؛ يكفى أن نقول إنه «أمير الشعراء» ونصمت، لسنا هنا بصدد تقديم هذه القامة الرفيعة، بل نعيد احتفاء مجلة «المصور» بنشر «الشوقيات» فى عددها الصادر يوم 23 أبريل 1926.

وتزامناً مع ذكرى ميلاده التى تواكب 16 أكتوبر من كل عام، فضلنا أن نزين هذه السطور بصور نادرة، وأن نقدم بين يدى القارئ شهادة فكرية رفيعة بقلم الأديب والسياسى الكبير الدكتور محمد حسين هيكل؛ لنشهد معا كيف يكتب الأكابر عن بعضهم.

 

أصدر أمير الشعراء أحمد شوقى بك الجزء الأول من شوقياته، فكان ذلك أعظم حادث فى عالم الأدب، ولقد حلينا صدر «المصور» لهذه المناسبة بصورة لشوقى بك، ونشرنا قطعة شائقة للدكتور محمد حسين هيكل بهذا الصدد.

صدر الجزء الأول من الشوقيات، وقد أثبتنا فى الصفحة الأولى رسم أمير الشعراء وملك البيان، وخير ما نفعله الآن هو أن نستعير فصاحة الأستاذ الدكتور محمد حسين هيكل بك وننقل إلى قراء «المصور» الجزء الخاص بنشأة شوقى بك وحياته من مقدمة الشوقيات:

وسط هذه العوامل السياسية والاجتماعية وُجد أحمد شوقى بك، وُلد «بباب إسماعيل» وشب فى جواره ونشأ فى حماه، فكان طبيعياً أن تتأثر نفسه بالبيئة الاجتماعية والسياسية، وأن تكون أكثر تأثراً بها لقربها من المسرح الذى تشتبك فيه أصول هذه العوامل وأسبابها وتضطرب فيه اضطراباً يخفيه ما تقتضيه حياة القصور ثم تصدر إلى الحياة بعد أن تكون قد نظمت وهُذبت، وشوقى خُلق شاعراً، والشاعر يتأثر أضعاف ما يتأثر سائر الناس، لذلك كان لكل هذه العوامل أثر باد فى شعره وفى حياته.

ومع أن شوقى درس فى مصر ثم أتم دراسته فى أوروبا وتأثر بالوسط الأوروبى وبالحياة الأوروبية وبالشعر الأوروبى تأثراً كبيراً فقد ظل تأثره بالبيئة التى وصفنا ظاهراً فى حياته وفى شعره كما ظل تأثره بالبيئة الأوروبية ظاهراً فيهما كذلك، وإنك لتكاد تشعر حين مراجعتك أجزاء ديوانه (بعد أن يتم نشرها جميعاً) كأنك أمام رجلين مختلفين جد الاختلاف لا صلة بين أحدهما والآخر إلا أن كليهما شاعر مطبوع يصل من الشعر إلى عليا سمواته، وأن كليهما مصرى يبلغ حبه مصر حد التقديس والعبادة، أما فيما سوى هذا فأحد الرجلين غير الرجل الآخر، أحدهما مؤمن عامر النفس بالإيمان، مسلم يقدس أخوة المسلمين ويجعل من دولة الخلافة قدساً تفيض عليه شئونه وحوادثه وحى الشعر وإلهامه، حكيم يرى الحكمة ملاك الحياة وقوامها، محافظ فى اللغة يرى العربية تتسع لكل صورة ولكل معنى ولكل فكرة ولكل خيال، والآخر رجل دنيا يرى فى المتاع بالحياة ونعيمها خير آمال الحياة وغاياتها، متسامح تسع نفسه الإنسانية وتسع معها الوجود كله، ساخر من الناس وأمانيهم، مجدد فى اللغة لفظاً ومعنى، وهذا الازدواج ظاهر فى شعر شوقى من أول شبابه إلى هذا الوقت الحاضر، وإن كان لتأثره بالقديم الغلبة اليوم، وكانت آثار الرجل الآخر لا تظهر اليوم فى شعر شوقى إلا قليلا.

ولا تقل إن الازدواج النفسى شأن الشعراء، وإن أبا نواس الذى كان يقول: ألا فاسقنى خمراً وقل لى هى الخمر ولا تسقنى سراً إذا أمكن الجهر.

والذى كان يقول : دع عنك لومى فإن اللوم إغراءُ وداونى بالتى كانت هى الداءُ،

هو أبو نواس الذى كان يقول : إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو فى ثياب صديق،

فليس هذا من أبى نواس ازدواجاً فى الروح، وما الحكمة الزاهدة عنده إلا فتور نفس أجهدتها اللذة فأضعفتها فأخافها الضعف فألجأها إلى حمى الحكمة والزهد وإلى استغفار الله والتوبة إليه، لذلك لا تلبث نفسه أن تعاودها القوة حتى تعود إلى نعيم الترف والإباحة، وذلك هو السر فى أنك لا ترى الزهد فى شعر أبى نواس إلا عرضاً واستثناء، وذلك شأن الشعراء جميعاً إلا قليلا منهم، وشوقى من هذا القليل، ففى شعره صورتان من صور الحياة تقوم كل منهما مستقلة كأنما صاحبها غير الآخر، فأنت تقرأ : حف كأسها الحَبَبُ فهى فضة ذهب

أو تقرأ : رمضان ولى هاتها يا ساقى مشتاقة تسعى إلى مشتاق، فتراك فى حضرة شاعر مغرم بالحياة وبمتاعها ونعمتها، شاعر تختلف روحه جد الاختلاف عن صاحب نهج البردة التى مطلعها : ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمى فى الأشهر الحرم، وصاحب الهمزية النبوية الذى يقول : ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء، وهذان الروحان أو هاتان الصورتان من صور الحياة تتجاوران فى نفس شوقى وتصدران عنها وهى فى كل قوتها وسلطانها. وأنت لذلك...

حين تقرأ القصيدتين الأوليين تمتلئ إعجاباً بالحياة ومتاعها ولذتها، وحين تقرأ الثانيتين تكون أشد إعجاباً بكلمة الإيمان وروح الحق ورسالته، وأنت لا تشعر فى أى الحالين بضعف نفسانى عند الشاعر دفع به إلى لبوس روح غير روحه، بل أنت فيهما جميعاً يبهرك شوقى بقوة شاعرية الممتلئة حياة وخيَالاً والتى تفيض بمتاع العيش فيضها بنور الإيمان، كيف كان هذا الازدواج؟ كيف جمع شوقى فى نفسه بين هذين الشاعرين: شاعر الحياة العربية بحضارتها الإسلامية وبما فيها من قدم وإيمان، وبين شاعر الحياة الغربية الخاضعة لحكم العلم وما يكشف عنه كل يوم من جديد؟، مسألة تبدو للنظرة الأولى دقيقة معقدة، فقد يزدوج فى نفس واحدة حياتان بينهما من الصلة ما يبيح الازدواج، فيكون الرجل الواحد فيلسوفاً وشاعراً كما كان المعرى أو كما كان فولتير، فأما أن يكون الرجل شاعراً وحدة حياته الشعر ثم تكون نفسه مقسمة مع هذه الوحدة قسمة ازدواج على نحو شوقى فذلك عجب فى شاعر مطبوع يفيض عنه الشعر كما يفيض الماء من النبع، وكما ينهمر المطر من الغمام، على أن لهذا الازدواج سبباً لم يكن مفر من أن يؤدى إليه، ذلك أن شوقى كان فى طبع شبابه رسول الحياة، كان شاعر حف كأسها الحَبَب فهى فضة ذهب، لكن هذا الشباب لم يكن فى ملك نفسه، وقد بعث به المغفور له الخديو توفيق باشا ليتم علومه فى أوروبا، وكان من قبل ذلك شاعراً متفوقاً، وكان فى تفوقه ككل شاعر شاب يرسل القول كما تلهمه إياه نفسه، فلما عاد إلى مصر اتصل بالأمير الشاب عباس حلمى باشا وصار كلمته، ورأى يومئذ صنوا لها على العرش جعلته روحه الشابة مقداماً لا يهاب، ومع ما فوجئ به أول ولايته فى حادث عرض الجيش فى السودان مما اضطره للاعتذار، قد بقى شبابه يدفعه إلى ما كان يدفع إليه جده إسماعيل من مغامرة، لكن قيام الاحتلال الإنجليزى فى مصر جعل الخصومة بينه وبينهم وليست بينه وبين الأتراك، بل لقد كان منظوراً إليه أكثر الأحيان بشيء غير قليل من العطف فى بلاط آل عثمان، لذلك كانت عواطفه متفقة وعواطف المسلمين الذين كانوا بعد انتصار الأتراك يرون فى الخليفة الموئل الأخير لأمم الإسلام جميعاً، اتصل الشاعر الشاب بالأمير الشاب فحتم عليه ذلك أن يكون المعبر عن الميول والآمال الكامنة فى نفوس المسلمين جميعاً لا فى نفوس المصريين وحدهم، وبذلك اجتمع فى نفسه من أول حياته ميله للحياة وحبه إياها وحرصه على المتاع بها مع إيمان المسلمين جميعاً وحرصهم على وحدتهم وعلى كيانهم بإزاء الأمم الغربية التى كانت تنظر إليهم بعين صليبية بحتة، وكانت هذه الناحية التى تمثلها نفسه من ظروف الحياة ومن البيئة المحيطة به أكثر استحاء لشعره من الناحية الأولى التى هى طبيعة نفسه فكان بذلك كالرجل القوى الذى يرى وطنه فى خطر، يصبح جندياً، وجندياً باسلًا، ويتفوق فى كل مواقف الحرب، ويصبح القائد الأعظم، ولو أن وطنه لم يكن فى خطر لرأيته صديق النعمة السعيد بها غاية السعادة.

 

الاكثر قراءة