تظل قصص رجال الصاعقة شاهدة على عقيدة قتالية لم تعرف المستحيل، وعلى أجيال خاضت المعارك بإيمان راسخ بأن التفوق لا يقاس دائمًا بعدد السلاح والعتاد، وإنما بإرادة المقاتل وقدرته على تحويل أصعب الظروف إلى لحظات فارقة فى مسيرة الوطن. ومن بين هؤلاء الأبطال، يبرز اسم المقدم معتز الشرقاوى، أحد أبرز رجال الصاعقة المصرية، الذى ارتبط اسمه ببطولات ومهام استثنائية، حتى أطلق عليه زملاؤه والأعداء لقب «الشبح»، لما عُرف عنه من قدرة على التسلل خلف خطوط العدو وتنفيذ مهامه بدقة، ثم الاختفاء قبل أن يدرك الخصم ما حدث.
وفى حوار مع «المصور»، فتح «الشبح» خزائن ذاكرته، ويستعيد تفاصيل من واحدة من أكثر الفترات حساسية فى التاريخ العسكرى المصرى، بدءًا من معركة «رأس العش»، مرورًا بكواليس حرب الاستنزاف وعمليات العبور، وصولًا إلى حرب أكتوبر التى توجت بسنوات من الإعداد والتدريب والقتال.
كيف كانت البداية قبل حرب أكتوبر؟
تخرجت فى الكلية الحربية عام 1966، وكان عمرى آنذاك حوالى 22 عامًا، والتحقت فورًا بسلاح الصاعقة، وتحديدًا بالكتيبة 43 صاعقة، والحمد لله وُفقت وتفوقت فى التدريبات القاسية، بل وكنت الأول على دفعتى فى سلاح الصاعقة، ولا زلت أحتفظ بشهادة التفوق هذه حتى اليوم، مغلفة بالبلاستيك ومعلقة على حائطي، ليس فخرًا شخصيًا، بل تخليدًا لذكرى جميلة، ولتشجيع أستاذى فى الكلية الحربية، النقيب آنذاك محمد حسين طنطاوى - رحمه الله -، الذى راهننى على تفوقي، وكان حريصًا على صقلى وتدريبي، لأكون عند حسن ظنه، وهذا الأمر كان له بالغ الأثر فى تكوينى العسكري.
ماذا عن الفترة التى سبقت حرب 67، أين كان تمركز وحدتك؟
كنت ضمن مجموعة كبيرة كان يقودها العميد سعد الشاذلي، والتى كانت تضم لواء مدرعًا، ولواء مشاة ميكانيكيًا، وكتيبة صاعقة، وبعض المدفعية. تمركزت فى ثلاثة مواقع رئيسية بسيناء: الشيخ زويد، ووادى لصان، ووادى معين، وكنا فى حالة تأهب قصوى ننتظر أى تطور، لكن الأحداث كانت أسرع من أى توقع.
لحظة انهيار الجبهة فى يونيو 67، كيف كانت تجربتكم كوحدة صاعقة وسط هذا الانسحاب المرير؟
فجأة، وبينما كنا فى مواقعنا، تلقينا نبأً صادمًا عبر الراديو بأن القوات المصرية تنسحب إلى خط الدفاع الثاني. وكنا فى حيرة، لكن قائد الكتيبة ورئيس العمليات كانا على دراية كاملة بطبيعة أرض سيناء، فقد تدربا فيها سنوات، وبدأنا ننسحب بتنظيم بعيدًا عن العين الإسرائيلية، عبر الوديان والطرق الوعرة، حتى وصلنا إلى قناة السويس.
وهناك أرسلت لنا القيادة ما يُعرف بـ«البرطونات»، وهى مراكب عائمة كبيرة، تنزل عليها العربات واحدة تلو الأخرى، وتُسحب بالحبال إلى الضفة الغربية، وتحديدًا على طريق الإسماعيلية - بورسعيد. فتحركنا فورًا إلى مدينة بورسعيد، ونزلنا فى المدرسة الثانوية هناك.
وكنا نستخدم مراكب الصيد فى البحر الأبيض المتوسط، وبالتحديد فى محاذاة بحيرة البردويل، وكنا نقوم بمهمة إنسانية ووطنية فى آن واحد، وهى إنقاذ الجنود المصريين المنسحبين من سيناء، والذين كانت الطريق تُسد عليهم عند بحيرة البردويل. وكنا نأخذهم فى مراكبنا وننقلهم إلى بر الأمان، ونسجل أسماءهم وبياناتهم لنُبلغ القيادة بهم. وكل ليلة كنا نجلس فى مدرجات المدرسة الثانوية نتبادل الحكايات، وكل جندى يروى ما حدث معه.
حدثنا عن معركة «رأس العش» الأسطورية التى غيرت مجرى التفكير فى الجيش المصرى؟
نعم، «رأس العش».. هذه الكلمة الصغيرة تحمل فى طياتها أعظم معانى البطولة، فقد كانت نقطة استراتيجية على بعد 14 كيلومترًا من مدينة بورفؤاد، تضم مبانى هيئة قناة السويس، وكانت مراقبة لحركة الملاحة البحرية.
وفى تلك الأثناء، كنا نتحرك نحن كتيبة الصاعقة على الطريق الضيق المحاذى لقناة السويس من الشرق، والطريق لا يتسع إلا لصف واحد من العربات، وعرضه لا يزيد على 30 إلى 50 مترًا، وعلى يميننا قناة السويس، وعلى يسارنا «سهل الطينة»، وهى أرض طينية غادرة لو وطأتها دبابة لغاصت فيها حتى جنزيرها، وفجأة، وبينما كنا نسير، فوجئنا بالدبابات الإسرائيلية تتقدم فى وجوهنا. وكانت الدبابات تشق طريقها، تحاول الوصول إلى بورفؤاد والسيطرة عليها. كان المشهد مرعبًا، ولكن ليس بالنسبة لرجال الصاعقة؛ فكنا نعلم أن أرض سهل الطينة هى خير حليف لنا، وأنها فخ للمدرعات الثقيلة.
فقاد الفصيلة الأولى الملازم البطل فتحى عبد الله - الله يرحمه -، ومعه الشاويش البطل حسن سلامة، وكان معهم أيضًا ضابط مدفعية اسمه «الجزار». وقواتنا كانت مسلحة بأسلحة خفيفة: بنادق آلية، ورشاشات خفيفة، وقذائف «آر بى جى» - وهى من العيار القديم، وليست القذائف المتطورة التى استعملناها فى حرب أكتوبر. وبكل هذا السلاح المتواضع واجهنا المدرعات الإسرائيلية، بدأت المعركة، ورجالنا كانوا يتمركزون على جانبى الطريق، وعندما حاولت بعض الدبابات الإسرائيلية الالتفاف حول الفصيلة الأولى لتحاصرها، نزلت فى سهل الطينة، وهنا حدثت المعجزة: غرزت الدبابات فى الطينة الوحلية، وأصبحت أهدافًا ثابتة سهلة، وكنا نصطادها واحدة تلو الأخرى.
والنتيجة، بفضل الله ثم بفضل براعة رجال الصاعقة، تم تدمير ثمانى دبابات إسرائيلية وإحدى عشرة عربة مدرعة، وتم إيقاف الزحف الإسرائيلى تمامًا عند رأس العش، ولم يتمكنوا من احتلال بورفؤاد أبدًا، وظلت هذه الجبهة صامدة حتى حرب أكتوبر 1973.
ما الدروس المستفادة من معركة رأس العش؟ وكيف أثرت على مسار الحرب؟
للأسف، بعض الناس يظنون أن الحرب بالإمكانيات فقط، لكن معركة رأس العش أثبتت العكس، بأن العقيدة القتالية والروح المعنوية هما السلاح الأهم. ونحن فصيلة صاعقة وبأسلحة خفيفة أوقفنا زحف المدرعات التى يفترض أنها «لا تُقهر»، وهذه المعركة كانت بمثابة البلسم لجرح الأمة، لقد قالت للعالم كله: «الجيش المصرى لم يمت، لم يُهزم، بل خسر جولة، وسيعود أقوى».
والبعض يظن أن حرب 67 هى الهزيمة النهائية، لكننى أرى الأمر كالملاكمة؛ فالملاكم قد يخسر جولة يُضرب فيها بقوة ويقع، لكنه يقوم بعدها ويستعد ويدرس نقاط ضعف خصمه، ويضربه فى الجولات التالية. الجولة الأولى كانت 67، ثم جاءت جولات حرب الاستنزاف، ثم الجولة الحاسمة فى أكتوبر 1973، التى كانت الضربة القاضية.
بعد انسحابكم من بورسعيد، انتقلتم إلى جبهة السويس. حدثنا عن مرحلة «حرب الاستنزاف»، وما الدور الذى لعبته الصاعقة فيها؟
انتقلنا بعدها إلى قطاع الجيش الثالث فى السويس، وقضينا هناك الفترة من 1967 حتى 1973. وهناك بدأنا نُعد العدة، ونستطلع ونخطط.
فحرب الاستنزاف كانت مدرسة قتالية لا مثيل لها، وكان أهم هدف لدينا هو إثبات أن خط بارليف ليس حصنًا منيعًا، وأن العدو يمكن اختراقه. وقمنا بعمليات لا حصر لها؛ فكنا ننفذ عمليات استطلاع لأعمق نقاط العدو، ونزرع الألغام فى الطرق التى تمر بها عرباتهم وقوافل الذخيرة، وكنا ننصب الكمائن لأتوبيسات الجنود الإسرائيليين ونهاجم مواقعهم.
والأهم من ذلك هو عمليات العبور، حيث كنا نعبر قناة السويس ونضرب الأهداف ونعود سالمين. وإحصاءات العمليات التى نُفذت خلال سنوات الاستنزاف بلغت حوالى 4800 عملية، وهذا يعنى أن هناك عدة عمليات فى اليوم الواحد، كل يوم طيلة السنوات الست، وهذا دليل واضح على الروح الهجومية التى تمتع بها الجيش المصري.
ما السر وراء نجاح هذه العمليات المتتالية؟
السر بسيط: يكمن فى التدريب الواقعى والاعتماد على الله والروح الجماعية. فكنا نتعامل مع القناة كأنها مجرد شارع نعبره، وكنا نستغل كل ثغرة وكل نقطة ضعف فى العدو.
ومع كل عملية ناجحة، كانت تزداد ثقة الجندى المصرى فى نفسه، وتتضاءل هيبة جيش العدو الذى كان يُروَّج له بأنه لا يُقهر، حتى إن وحدات المشاة والمدرعات بدأت تقلدنا وتطلب الإذن لعبور القناة وتنفيذ عملياتها الخاصة. فحرب الاستنزاف صنعت جيشًا جديدًا، يمتلك الخبرة والجرأة، جيشًا كان جاهزًا تمامًا لأكتوبر.
من وجهة نظرك، ما الذى ميّز رجال الصاعقة عن بقية وحدات الجيش فى تلك الفترة؟
كل رجل فى الصاعقة يعلم أن الطلقة لا تفرق بين ضابط وجندي، فالجميع فى خندق واحد، وهدفهم واحد، ومصيرهم واحد. فلقد تعلمنا أن النجاح ليس فرديًا، بل هو نتاج فريق متكامل، وأى شخص يقول «أنا» بدلًا من «نحن» فهو لا يفهم روح الصاعقة، وهذه الروح هى التى جعلت سلاح الصاعقة قادرًا على تنفيذ عمليات شبه مستحيلة، لأن كل جندى يعلم أن أخاه بجانبه، وأنه مستعد أن يفديه بنفسه.
حدثنا عن عملية «لسان بورتوفيق» عام 1969، والتى كان لها صدى كبير؟
كانت تلك إحدى العمليات المهمة، حيث كانت هناك نقطة قوية للعدو فى «لسان بورتوفيق» جنوب قناة السويس، تشبه الأرض الممتدة داخل البحر. وكانت هذه النقطة تنطلق منها الدبابات الإسرائيلية لضرب مدينة السويس ومنشآتها البترولية.
وفى يوليو 1969، كُلفنا بتنفيذ عملية للقضاء على هذه النقطة، وكانت العملية ناجحة بفضل الله، وتمكنا من تدمير تلك الدبابات وإسكات نيرانها.
ونتيجة لهذا النجاح، طلب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر مقابلتنا للاطمئنان على أبطال الصاعقة وتكريمهم، وهذا كان شرفًا كبيرًا لنا.
لو أردت أن تلخص فلسفتك فى الحرب وما حدث فى الفترة من 67 إلى 73، ماذا ستقول؟
أقولها بكل ثقة: إن مصر لم تُهزم فى حرب 67، بل تعثرت فى جولة، 67 كانت درسًا قاسيًا دفعنا فيه أثمانًا باهظة، لكننا تعلمنا منه كيف نُصلح الأخطاء، فحرب الاستنزاف كانت مرحلة إعداد، وكنا نكتوى بنار العدو كل يوم لنزداد قوة وخبرة. وعندما جاء أكتوبر 1973، كنا جيشًا مختلفًا تمامًا، جيشًا يعرف كيف يضرب، وكيف ينتصر، والجيش المصرى عندما يجد القيادة الرشيدة والإعداد الجيد والإيمان بالقضية، يستطيع أن يفعل المعجزات، فشعبنا العظيم وجيشنا الباسل أثبتا للعالم أن الكرامة المصرية فوق كل اعتبار.