لا خلاف على أن زيارة الرئيس الصينى إلى مصر سوف تعطى دفعة قوية لإقامة الكثير من المشروعات، خاصة فى الصناعة.
ومن المنتظر أن تكون صناعة السيارات الكهربائية فى مقدمة هذه الصناعات خاصة أن الصين قد تفوقت فى هذا المجال كثيراً، حتى أنها غزت أوروبا، ليس كصفقات تجارية، ولكن بإنشاء العديد من مصانع السيارات الكهربائية فى أوروبا، حتى أصبحت خطرًا على صناعة السيارات الأوروبية.
وبالفعل أدت منافسة السيارات الكهربائية الصينية، وإقبال المستهلك الأوروبى عليها، إلى إغلاق العديد من المصانع الأوروبية للسيارات واختفاء الكثير من الماركات والطرازات، لتحل محلها الماركات والطرازات الصينية.
ليس هذا فحسب، بل استحوذت مجموعة من الشركات الصينية على عدد من مصانع السيارات الأوروبية، ولا ينفصل توسع الشركات الصينية على إنتاج السيارات الكهربائية فى أوروبا عن إقبال المستهلك الصينى عن شراء السيارات الكهربائية، وإحلالها محل السيارات التى تعمل بالبنزين، ارتباطًا بالقرارات الأوروبية لإحلال السيارات الكهربائية بالكامل محل السيارات التى تعمل بالمنتجات البترولية قبل عام 2035.
وقد تعمدت فى هذا المقال، بالحديث عن غزو السيارات الكهربائية الصينية للسوق الأوروبى تحديدًا، كمدخل للحديث عن أسباب إحجام المصريين عن إحلال السيارات الكهربائية محل السيارات التى تعمل بالبنزين بشكل أساسى أو الأتوبيسات والشاحنات التى تعمل بالسولار.
ومنذ أيام وبعد زيارة الرئيس الصينى تحديدًا إلى مصر، قمت بجولة فى عدد من معارض السيارات بالتجمع الخامس، المتخصصة فى بيع السيارات الكهربائية الصينية، وكان تركيزى فى هذه الجولة على ما إذا كان هناك تعدد فى الماركات والطرازات، وما مستويات الأسعار؟ وهل لا يزال معدل النمو البطيء فى مبيعات السيارات الكهربائية يرجع إلى ارتفاع الأسعار أم إلى الصورة الذهنية السيئة لدى المصريين عن أى منتج صيني، أيا كانت نوعية هذا المنتج؟
وهل يرجع إحجام المصريين عن إحلال السيارات الكهربائية محل السيارات التى تعمل بالبنزين إلى العديد من المخاوف التى يأتى فى مقدمتها، عدم الانتشار الكافى لمحطات الشحن الكهربائية على مختلف الطرق فى أنحاء الجمهورية؟
وأيضا هل يأتى من هذه المخاوف عدم النمو الكافى فى مراكز صيانة السيارات الكهربائية، وبالتالى عدم توفر الخبرات التقليدية لدى ميكانيكى السيارات الذى ينتشر فى كل مكان لإصلاح السيارات الكهربائية، كما هو الحال فى إصلاح السيارات التى تعمل بالبنزين؟
وهل من هذه المخاوف الحديث الدائم عن ارتفاع أسعار قطع غيار السيارات الكهربائية خاصة أسعار البطارية الكهربائية فى السيارة الكهربائية إلى أسعار خيالية فى حالة تعطلها أو الحاجة إلى إحلالها بعد العمل بالسيارة الكهربائية؟
المخاوف عديدة ومشروعة فى سوق مصرى لا تتجاوز مبيعات السيارات الكهربائية وفقا لأرقام 2025 عن نحو 17.5 ألف سيارة كهربائية مقابل نحو 9.2 مليون سيارة تعمل بالبنزين.
لا ننكر أن هناك نموًا فى مبيعات السيارات الكهربائية من 6.1 ألف سيارة فى 2024 إلى 17.5 ألف سيارة كهربائية فى 2025، وبزيادة تقارب 182 فى المائة فى سنة واحدة.
وهذا يعنى أن اتجاه المصريين لإحلال السيارات الكهربائية محل السيارات التى تعمل بالبنزين لا يزال بطيئا، وذلك للأسباب الآتية:
أولها: أنه لا يوجد فى مصر قانون لتحديد عمر السيارات التى تعمل، ومن ثم نجد على الطرق المصرية سيارات تعمل، ويصل عددها إلى أكثر من 40 سنة وهذا محدود، لكن هذا مؤشر على أنه يتم الترخيص لأى سيارة، مهما كان عمرها طالما قادرة على السير.
ثانيا: أن الطبقة المتوسطة القادرة على تحويل أى سوق استهلاكى فى مصر لا تستطيع تغيير السيارة الخاصة بسهولة، لعدم ارتفاع دخولها، بالشكل الذى يؤهلها لتغيير السيارات التى تملكها بشكل سريع حتى السيارات التى تعمل بالبنزين.
ولعلنا نرى أن الأسرة التى تستطيع شراء سيارة ملاكى تعمل بالبنزين تحتفظ بها لسنوات طويلة، وبالتالى لن تتجه هذه الطبقة المتوسطة إلى شراء السيارات الكهربائية بسهولة لعدم قدرتها على شرائها، فضلاً عن العديد من المخاوف المشروعة التى ذكرتها سلفاً والتى تؤكد الانحياز إلى السيارات التى تعمل بالبنزين، حتى لو اتجه البعض منهم إلى شراء سيارة جديدة أو سيارة مستعملة تعمل بالبنزين حتى لا تذهب تحويشة العمر فى شراء سيارة كهربائية فلا تزال ثقافة السوق المصرى تقف ضد التوسع فى شراء السيارات الكهربائية.
ثالثًا: لا يوجد حتى الآن توجه حكومى واسع أو لدى وكلاء السيارات الكهربائية أو المستثمرين الجدد فى صناعة السيارات الكهربائية، لنشر مزايا استخدام السيارات الكهربائية، أو لعمل حملات إعلامية وإعلانية للترويج لهذا النوع من السيارات والعمل على تبديد مخاوف المصريين من الاتجاه لشراء السيارات الكهربائية.
وذلك رغم أنه سبق وأن أعلنت الحكومة عن صرف حافز يصل إلى نحو مائة ألف جنيه لكل مَن يشترى سيارة كهربائية، ولكن بكل أسف لا توجد حتى الآن آلية لذلك، وليست هناك معلومات إذا كان ذلك سوف يكون مقصورًا على السيارات الكهربائية التى يتم إنتاجها فى شركة النصر للسيارات التى تعمل بالمشاركة مع القطاع الخاص أو لكافة مصانع المستثمرين التى سوف تتجه إلى إنتاج السيارات الكهربائية فى مصر؟ وهل سيمتد ذلك إلى السيارات الكهربائية التى يتم استيرادها أيا كانت مصادر الاستيراد؟.
رابعا: وهذا هو الأهم، أنه لا يوجد انتشار كافٍ لمحطات شحن السيارات الكهربائية على مختلف الطرق المصرية حتى الآن، ووفقا للأرقام المتاحة، يوجد حتى الآن 1200 محطة شحن كهربائية، لكنها على الطرق الرئيسية ولا تحقق الانتشار الجغرافى على الطرق التى تحقق الأمان للسير بمختلف السيارات الكهربائية.
وربما يكون هذا دون حساب الانتشار الجغرافى السليم، يقول إنه توجد محطة شحن كهربائية لكل 16 سيارة كهربائية، ولكن هذا الحساب بهذه الطريقة يعد مضللاً ولا يحقق الأمان فى شحن السيارات الكهربائية والذى يحقق الأمان فى السير على مختلف الطرق، باستثناء طريق الإسكندرية الصحراوى، وطريق العين السخنة، وبعض المحطات المحدودة فى القاهرة الكبرى وبعض المدن الكبيرة.
وهذا لا يساعد على انتشار السيارات الكهربائية حتى أثناء جولتى فى معارض بيع السيارات الكهربائية، يقول مندوب البيع إنه يمكن تجاوز ذلك من خلال الشاحن الكهربائى الذى سوف تعطيه لك الشركة للشحن من المنزل.
كما أن هناك سيارات كهربائية تكفى الشحنة الواحدة إلى السير نحو 500 كيلومتر، كما أنه يمكن الدخول على بعض مواقع محطات الشحن الكهربائية من خلال الموبايل لتذهب إليها لشحن السيارة الكهربائية.
وبالطبع فهذا كلام من مندوب البيع لكى يتمكن من بيع أى سيارة كهربائية فى المعرض الذى يعمل به لكنه ليس كلاما مقنعا، إذ لم يكن هناك انتشار كبير جدًا لمحطات الشحن الكهربائية الكافية على كافة الطرق المصرية، بما فى ذلك الطرق داخل المحافظات والمدن.
ومنذ سنوات تحدثت الحكومة مع الاتجاه للحديث عن نشر السيارات الكهربائية عن تأسيس شركة لنشر محطات شحن السيارات الكهربائية على مختلف الطرق المصرية.
وقيل وقتها إنه يمكن نشر الآلاف من الشواحن الكهربائية فى كافة محطات تموين السيارات بالبنزين، ولكن هذا لم يحدث، واقتصر الأمر على استيراد شواحن السيارات الكهربائية، ورغم الحديث أيضًا عن الاتجاه لتصنيع هذه الشواحن محليا لم يحدث أيضًا.
أيًا كانت المخاوف المشروعة التى تقف أمام انتشار السيارات الكهربائية فى مصر المحروسة؛ فلا ينبغى أن نهدر فرصة ذهبية لبعث صناعة قوية للسيارات فى مصر من خلال التركيز على مشروع قومى لتصنيع السيارات الكهربائية.
وأعتقد أنه من ثمار زيارة الرئيس الصينى إلى مصر، أنها سوف تدفع فى هذا الاتجاه الذى تخطط له الحكومة المصرية فى السنوات الأخيرة.
وعندما أقول «تصنيع السيارات الكهربائية فإننى أعنى ذلك، ولا أقصد تصنيع 100 فى المائة لأن هذا من المستحيل أن يحدث، وإنما أعنى صناعة قوية للسيارات الكهربائية فى مصر من خلال نسبة تعميق تصنيع لا تقل عن 60 فى المائة وتزيد بعد ذلك إلى أكثر من 70 فى المائة.
وعندما أقول تصنيع السيارات الكهربائية، فإننى أركز على ذلك حتى لا نجد أنفسنا أمام جزر منعزلة لكل مستثمر بالاتجاه إلى إنشاء مصنع لتجميع عدة آلاف من السيارات دون تصور حقيقى إلى زيادة المكون المحلى فى تصنيع السيارات الكهربائية.
وبالفعل هناك رؤية وطنية لدى الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء لتعميق تصنيع السيارات الكهربائية؛ لعل حديثه مؤخرا عن جذب مصنع لتصنيع أجسام السيارات الكهربائية فى مصر يؤكد ذلك.
وأعتقد أن المهندس خالد هاشم وزير الصناعة يدرك أهمية تعميق التصنيع فى السيارات الكهربائية وأنها ستكون فرصة ذهبية، لتأسيس صناعة قوية للسيارات الكهربائية، تعتمد على تعميق التصنيع المحلى.
وأرى أن المشاركة مع الشركات الصينية يمكن أن تحقق ذلك، ولا سيما أننى رأيت أثناء جولتى فى عدد من معارض السيارات الكهربائية الصينية تنوعا قويا ومبهرا فى الماركات والموديلات.
وبالتوازى أرى أن تبادر الحكومة إلى وضع خطة لجذب شركات تقوم بتعميق التصنيع فى شواحن السيارات الكهربائية من أجل التوسع الكبير فى إنشاء محطات شواحن السيارات الكهربائية، والعمل على التوسع فى إنشاء مراكز صيانة السيارات الكهربائية بالتوازى مع وضع خطة حكومية مع صُناع السيارات الكهربائية، للقضاء على المخاوف المشروعة التى تحدّ من اتجاه المصريين لإحلال السيارات الكهربائية محل السيارات التى تعمل بالبنزين، ولتكن البداية بتوجه الحكومة إلى إحلال السيارات الكهربائية لديها محل السيارات التى تعمل بالبنزين أو السولار فى كافة القطاعات.
فهل تبدأ الحكومة وأمامنا فرصة ذهبية لإنشاء صناعة سيارات قوية من خلال تعميق تصنيع السيارات الكهربائية؟