رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أوروبا تُخطط لـ«تفكيك الإخوان»


16-10-2026 | 13:56

.

طباعة
تقرير: مروة سنبل

على مدار عقود عدة، ظلت غالبية العواصم الأوروبية بمثابة «البيت الآمن» لعناصر جماعة الإخوان الإرهابية وقيادات التنظيم الدولي، ودائما كانت القارة العجوز الملجأ المثالى لـ«الجماعة» فى كل مرة تتعرض لـ«الملاحقة» فى المنطقة العربية والشرق الأوسط، لا سيما وأنها وجدت هناك الفرصة سانحة لإعادة التموضع، ووجد التنظيم فى أوروبا قانونا يحمى الجمعيات، وتمويلا سخيا للمجتمع المدني، فبنى هناك عالما موازيا، بشبكة من المساجد والمراكز الثقافية والجمعيات الطلابية والمدارس، عبر ما يصفه التقرير الفرنسى الصادر فى مايو 2025 بـ«الاختراق من القاعدة» أى بناء شبكة واسعة من الجمعيات والمراكز الدينية والتعليمية والطلابية، شبكة تتغلغل فى الأحياء، وتتحدث باسم الجاليات، وتطرق أبواب المؤسسات الأوروبية، وقادرة على التأثير على المستوى المحلى والوصول إلى التمويل العام الأوروبي.

فى المقابل، وفى غضون السنوات القليلة الماضية جرت مياه كثيرة فى نهر العلاقات «الأوروبية _ الإخوانية»، وبدأت تلك العواصم فى إدراك حجم وخطورة تنظيم الإخوان على مجتمعاتها ما يستوجب مواجهته وتجفيف منابع التمويل ووضع حد لتغلغلهم فى المؤسسات الأوروبية.

وفى قلب ستراسبورج، كتب البرلمان الأوروبى سطرا جديدا فى مواجهة خطر الإخوان، بأغلبية 381 صوتا مقابل 167 معارضا، تبنى البرلمان قرارا لا يكتفى بالتحذير، بل يطالب بخطة مواجهة ووضع استراتيجية أوروبية لمواجهة ما وصفه بـ«التغلغل والاختراق» شبكات مرتبطة بالإخوان، قرار تقدم به حزب الشعب الأوروبي، لكنه يعكس تحولا كبيرا ويقظة فى الوعى الأوروبى لإدراك خطورة الإخوان ومؤشرا على اتساع دائرة القلق داخل البرلمان من تغلغل تنظيم الإخوان، وأن زمن التسامح غير المشروط قد انتهى.

قرار البرلمان الأوروبى يعد خطوة مهمة لتشديد الرقابة وتتبع مسار الأموال ووقف أى تمويل لها، كما يسمح للهيئة الأوروبية لمكافحة غسيل الأموال بالتدخل، وهو ما يؤسس لمرحلة جديدة من الملاحقة المالية للتنظيم، كما يمثل القرار تطورا سياسيا وأبعادا قانونية، حيث إنه من المنتظر أن يفتح الباب أمام بحث إدراج الجماعة وكيانات مرتبطة بها على قائمة الإرهاب الأوروبية مستقبلا، حيث يطالب القرار بتبنى استراتيجية أوروبية مشتركة ومشددة ووضع سياسات موحدة لمواجهة شبكات تنظيم الإخوان الإرهابي، كما يستهدف قطع التمويل ومنع التعاون ووضع حد لتغلغل جماعة الإخوان الإرهابية فى الدول والمؤسسات الأوروبية، ويدفع القرار مؤسسات الاتحاد إلى اتخاذ إجراءات تنفيذية تفرض حظرا قانونيا على التنظيم الإخوانى والجمعيات المرتبطة به، مما يؤدى مباشرة إلى تجميد أصولها وتجريم التعامل معها.

لم يأتِ القرار البرلمانى من فراغ، فمنذ يونيو 2025 طُرحت مبادرات برلمانية حول مكافحة الشبكات الإسلامية العابرة للحدود فى مجالات الجمعيات والتعليم، ودعا القرار الجديد الصادر من البرلمان الأوروبى إلى استبعاد منظمة «فيميسو»، منتدى المنظمات الأوروبية للشباب والطلاب المسلمين، من المؤسسات الأوروبية باعتبارها مقربة من الإخوان، وتكليف الهيئة الأوروبية لمكافحة غسيل الأموال بمراقبة ورصد تمويل الجميعات وكشف مصادرها، فى خطوة تستهدف تجفيف التمويل من المنبع.

وجاء هذا التحول الأوروبى متزامنا مع تحرك فرنسى كان بمثابة المحرك، ففى مايو 2025 نشرت وزارة الداخلية الفرنسية تقريرا رسميا بعنوان «الإخوان والإسلام السياسى فى فرنسا»، وهو التقرير الذى دفع الرئيس إيمانويل ماكرون لعقد اجتماع لمجلس الدفاع والأمن القومى فى يوليو 2025، كما يأتى التصويت الأوروبى بعد أن اعتمدت الجمعية الوطنية الفرنسية فى يناير 2026 قرارا يدعو إلى إدراج جماعة الإخوان وقياداتها على قائمة الاتحاد الأوروبى للمنظمات الإرهابية، ويؤكد المراقبون أن مراجعة التمويل الأوروبى للكيانات المرتبطة بالإخوان اعتراف بطبيعتها الإرهابية، وحول تداعيات قرار البرلمان الأوروبى وأهمية هذه الخطوة فى حظر وتقليص أنشطة الجماعة الإرهابية داخل المجتمعات الأوروبية.

وفى هذا السياق، أكد منير أديب، الباحث فى شئون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، أن «تحركات البرلمان الأوروبى باتجاه تبنّى استراتيجية مشتركة لمواجهة شبكات الإخوان تمثل تطورا مهما فى التعامل مع أنشطة الجماعة داخل المجتمعات الأوروبية، خاصة مع تنامى الإدراك لمخاطر توظيف المؤسسات والواجهات المدنية والعلاقات العابرة للحدود فى بناء النفوذ التنظيمي».

«أديب»، لفت إلى أن «أهمية هذه التحركات تكمن فى الانتقال من مراقبة الخطاب إلى فحص البنية التنظيمية والمالية، وتتبع مصادر التمويل والجهات المستفيدة منه، والتحقق من طبيعة الروابط بين المؤسسات والكيانات المشتبه فى ارتباطها بشبكات الجماعة .فالمعركة لا تتعلق بمجرد وجود أفراد أو جمعيات، بل بقدرة التنظيم على تحويل الأموال والعلاقات المؤسسية إلى أدوات لإعادة إنتاج نفوذه»، مشيرًا إلى أن «التداعيات القانونية والمالية المحتملة تشمل تشديد الرقابة على التحويلات والمنح، ومراجعة العقود والشراكات، والتحقيق فى مصادر الأموال واستخداماتها، وصولا إلى إجراءات قضائية بحق الجهات التى تثبت مخالفتها للقانون، وشدد على أن أى حظر قانونى يتطلب إجراءات تستند إلى الأدلة والقواعد المعمول بها، ولا يعنى القرار السياسى وحده حظر الجماعة تلقائيا فى جميع الدول الأوروبية».

وكشف «أديب»، أن «تضييق الخناق على التمويل والواجهات التنظيمية قد يحد من قدرة الإخوان على استخدام أوروبا ملاذا لنشاطهم، ويدفع شبكاتهم إلى إعادة ترتيب تحركاتها ومصادر تمويلها»، مؤكدًا أن «الاختبار الحقيقى يكمن فى تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات تنفيذية منسقة، عبر التعاون الأمنى والقضائى والشفافية المالية، بما يحمى المجتمعات الأوروبية من مخاطر التطرف».

من جانبه قال هشام النجار، الباحث فى شئون الجماعات المتطرفة، تحرك البرلمان الأوروبى مهم وخطوة كبيرة بدون شك فى طريق وضع حد لاستغلال الإسلام بالزيف والتزوير لحساب ومصالح جماعات طائفية شوّهت صورة الرسالة الإلهية، وأضرت بكل الأوطان والدول فى كل مكان بالعالم وليس بالشرق الأوسط فحسب، لافتا إلى أن «التحركات الأوروبية جاءت بالتوازى مع ما يحدث فى الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث تتخذ الولايات بشكل منفرد إجراءات تضيق الخناق على جماعة الإخوان، وتجعلها تحت السيطرة والرقابة الصارمة، كما أن التوقيت مرتبط بوجود علامات على أن أوروبا هى من باتت تحتضن وتؤوى جماعة الإخوان والهاربين من قياداتها، وأن ساحة التمركز والتموضع انتقلت من تركيا إلى أوروبا، وهذا المؤشر الأخير له شواهد مثل مؤتمر هولندا ومثل التحركات التى تقودها جماعة الإخوان الخائنة أمام السفارات، يعنى ذلك أن الدول الأوروبية معنية بالتنصل من الجماعة وأنها حريصة على أن تكون بمنأى عنها، وألا يظن أحد أن الدول الأوروبية باتت بديل تركيا لاحتضان الإخوان وتوفير ملاذ لها».

وأكد «النجار»، أن «هناك تداعيات مهمة ونتائج مترتبة على القرار الأوروبي، فإذا التزمت به الحكومات فسينعكس ذلك تلقائيا على وضع الجماعة وحركتها وحركة قياداتها وعناصرها وأموالها، ستصبح هناك صعوبة كبيرة فى الترويج الدعائى والتجنيد حيث بات التنظيم مصنفا إرهابيا، وأيضا ستكون هناك صعوبة شديدة فى استخدام الأموال والاستمرار كما كانت فى نشاطاتها الاقتصادية والدعوية ومختلف النشاطات غير المشروعة التى كانت تجلب من خلالها الأموال للإنفاق على التنظيم».

وأوضح أنه «من الوارد أن تطال الإجراءات جسد تنظيم الإخوان المعلن وواجهات نشاطه، لكنه يستطيع مع ذلك الاستمرار فى العمل فى الخفاء بعناوين وأسماء وهمية، لذلك فإن طرق وأساليب التعامل مع الإخوان فى أوروبا مختلفة كونها تعمل بأسماء وهمية وتحت ستار مؤسسات وشركات ومراكز أبحاث»، مشددًا على أنه «إذا واصلت الدول الأوروبية الطريق إلى آخره بشكل جاد وبتعاون من أجهزة استخبارات تلك الدول، فإن الإخوان ستكون فقدت وخسرت الرئة المتبقية لها والتى تعيش عليها حاليا بعد فقدانها رئة المنطقة العربية والشرق الأوسط، ما يعنى أن التنظيم سيدخل فى طور الاضمحلال والتفكك بعد إتمام حظره فى دول أوروبا وأمريكا».

وحول دور الهيئة الأوروبية لمكافحة غسيل الأموال التى دعا القرار لإعطائها أولوية لرصد الجمعيات المرتبطة بالإخوان، أكد «النجار» أن «دور الهيئة حيوى كونه يرتبط بأهم مصادر قوة الإخوان فى أوروبا، وهو امتلاكها أصولا مالية واستثمارات متشعبة ومخفية فى بنوك وعقارات وشركات، وكشف هذا كله وتجفيفه سيقود دون شك إلى تقويض البناء التنظيمى الذى يتغذى فى الأساس على هذا الحجم الهائل من الأموال»، مشيرًا إلى أن «تحركات فرنسا وتبعتها النمسا كان لها دور لأنها هى من تحركت أولا ضد الانفصالية الإخوانية وحذرت منها وقادت الحملات ضدها، وها هو يحدث ما كان متوقعا، فبعد فرنسا هناك دول أوروبية عديدة تتبع نفس النهج بعد اكتشاف كارثية نشاطات الإخوان وتغولها فى الجسد والعمق الأوروبي».

بدوره، أكد النائب ناجى الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطى وعضو مجلس الشيوخ، أن «تحرك البرلمان الأوروبى نحو تبنى استراتيجية مشتركة لمواجهة الشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان يعكس تصاعد القلق من مخاطر استغلال المؤسسات والجمعيات وشبكات التمويل فى بناء النفوذ ونشر التطرف»، مشيرا إلى أن أهمية هذا التحرك تكمن فى الانتقال من المواقف السياسية العامة إلى المطالبة بإجراءات أوروبية أكثر تنسيقًا وفاعلية.

وقال «الشهابي» إن «الاختبار الحقيقى لجدية هذا التحرك يتمثل فى تجفيف منابع التمويل غير المشروع، وكشف مصادر الأموال ومساراتها، ومحاسبة كل من يثبت تورطه فى تمويل الإرهاب أو دعم الأنشطة المحظورة»، مؤكدا أن مواجهة هذه الشبكات لا ينبغى أن تقتصر على التصريحات، بل يجب أن تستند إلى تحقيقات دقيقة وأدلة واضحة وإجراءات قانونية قابلة للتنفيذ.

وأوضح أن «القرار البرلمانى لا يعني، بذاته، حظر الجماعة أوروبيا أو فرض عقوبات تلقائية على جميع المرتبطين بها؛ إذ يتطلب ذلك إجراءات من الجهات الأوروبية المختصة واستيفاء الشروط القانونية اللازمة، وقد تشمل التدابير اللاحقة تشديد الرقابة على التحويلات والمنح، ووقف التمويل المخالف، وتجميد الأصول أو فرض عقوبات على كيانات وأفراد تثبت مسئوليتهم عن أنشطة محظورة»، مضيفًا أن «استجابة مجلس الاتحاد الأوروبى ستتوقف على التوافق بين الدول الأعضاء، والأدلة المتاحة، والمسارات القانونية المعمول بها، لافتا إلى أن تشديد الرقابة المالية وتبادل المعلومات قد يمثلان خطوة أولى، يعقبها اتخاذ إجراءات أكثر تحديدا متى توافرت مبرراتها القانونية».

وأشار «الشهابي» إلى أن «هذه التحركات قد تضيق الخناق على الشبكات التى تعتمد على التمويل المؤسسى والعلاقات العابرة للحدود، لكنها لا تعنى بالضرورة نهاية التنظيم أو تفكيكه الفوري؛ فذلك يرتبط بمدى جدية التنفيذ واستمراريته وقدرته على كشف مصادر التمويل ووقف قنواته غير المشروعة»، مشددًا على أن «مواجهة التطرف والإرهاب مسئولية دولية لا تحتمل ازدواجية المعايير أو التساهل مع مصادر تمويله، وأن حماية المجتمعات والمؤسسات تقتضى إرادة سياسية حقيقية وتعاونا أمنيا وماليا فعالا، مع الالتزام بسيادة القانون ومحاسبة المسئولين على أساس الأدلة، دون تعميم الاتهامات أو الخلط بين النشاط الدينى المشروع والتورط فى الإرهاب».

 
 
 

الاكثر قراءة