وإذا بدأنا بالأبعاد الإيجابية التى كشفتها حريق سفينتى الغاز بميناء دمياط، فيأتى فى أولها، كفاءة خطط الطوارئ التى وضعتها وزارة البترول والثروة المعدنية فى عدم حدوث أى تأثير سلبى على إمدادات الغاز الطبيعى بصفة خاصة اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء والمصانع التى تعتمد على الغاز الطبيعى كمادة خام، مثل مصانع الأسمدة والبتروكيمياويات.
فبمجرد أن وقع حادث الحريق، وخروج سفينة التغويز بميناء دمياط، والتى كانت تضخ نحو 450 مليون قدم فى اليوم للشبكة القومية للغازات، قام المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية، وكافة المسئولين بالوزارة والشركات، بتفعيل خطط الطوارئ المعدة سلفا لمواجهة أية طوارئ فى الحال، وبالفعل حدث ذلك، ولم تنقطع الكهرباء فى أى مكان فى أنحاء مصر المحروسة فى ليلة حدوث حريق السفينة أو بعدها.
فعلى الفور، تم استعواض خطة الطوارئ، بضخّ كميات كبيرة من المازوت والسولار لبعض محطات الكهرباء والتى تعمل بالغاز الطبيعى والمازوت وقت الطوارئ أو السولار.
تم ضخّ كميات ضخمة من المازوت والسولار من المستودعات الاستراتيجية التى تتواجد بصفة خاصة فى شركة سوميد بالعين السخنة وكذلك من معامل التكرير المصرية.
ولم يكن هناك أدنى مشكلة فى توفير المازوت أو السولار الذى يعوض توقف كميات الغاز الطبيعى التى كانت تضخها سفينة التغويز بميناء دمياط التى احترقت.
وهناك أرقام تقول إنه يقابل توقف ضخ نحو 450 مليون قدم فى اليوم من السفينة المحترقة، استهلاك نحو 15 ألف طن من المازوت فى اليوم بمحطات الكهرباء وأقلها من السولار، الذى يعطى كفاءة فى التشغيل أكثر من المازوت.
وأيا كانت الكميات المطلوبة من المازوت أو السولار، فقد تم توفيرها فى الحال لبعض محطات الكهرباء وبحيث لم يحدث أدنى انقطاع فى الكهرباء على مستوى الجمهورية، الأمر الذى يؤكد كفاءة خطط الطوارئ وتأمين الإمدادات من الوقود البترولى اللازم لتشغيل محطات الكهرباء عند حدوث أى نقص فى إمدادات الغاز الطبيعى.
كما ينبغى أن نعرف أن فى كل محطة كهرباء مخزونًا ضخمًا من المازوت أو السولار بشكل دائم، لمواجهة أية طوارئ فى حالة حدوث أى نقص مفاجئ فى إمدادات الغاز الطبيعى.
وهذا المخزون الذى يتواجد بشكل طبيعى فى كافة محطات الكهرباء، والذى يكفى الاستهلاك يومًا أو يومين، قد جرى استعواضه من قيام وزارة البترول بتوفير كميات كبيرة من المازوت والسولار، وفقا لما أعلن الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فكان فى ذات التوقيت، تعمل مراكب التغويز الثلاثة بالعين السخنة بكفاءة، لزيادة ضخّ الغاز الطبيعى المسال، فضلا عن زيادات محدودة من واردات حقول شرق المتوسط.
ولم يتوقف الأمر عند هذا، بل تضمنت خطة الطوارئ فى الحال، بالاتفاق مع الجانب الأردنى، إرسال شحنات من الغاز المسال إلى سفينة التغويز التى تتواجد فى العقبة الأردنية، لضخ جزء كبير من الغاز الطبيعى إلى الشبكة القومية للغازات عبر خط الغاز العربى الذى تملكه شركة غاز الشرق.
وبصفة عامة، أظهر حريق سفينتى الغاز بميناء دمياط، كفاءة خطط الطوارئ التى نفذها المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية ورجال قطاع البترول فى الحال، ولم يحدث أدنى انقطاع للكهرباء فى أنحاء مصر المحروسة، ولن يحدث أى انقطاع خلال فترة ذروة الاستهلاك فى شهر أغسطس أو بعده.
وما يؤكد ذلك، عندما ذهب المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية فى اليوم التالى إلى مركز التحكم لإدارة الشبكة القومية للغازات بشركة جاسكو بالتجمع الخامس، وتأكد الوزير من كفاءة التشغيل، وضخ الغاز الطبيعى بكفاءة إلى محطات الكهرباء والمصانع، وأن النقص الذى حدث بعد حريق سفينة التغويز بميناء دمياط، سوف يتم تقليصه إلى أدنى حد، وإن كان تم استعواضه بضخّ عاجل من المازوت والسولار لبعض محطات الكهرباء، وسيتم استعواضه كاملاً خلال أيام من خلال تشغيل مركب التغويز فى العقبة الأردنية، ومن بعض الزيادات المحدودة من الإنتاج المحلى.
ولن يقف الأمر عند هذا، بل من المنتظر أن يتم إصلاح سفينة التغويز التى احترقت فى ميناء دمياط، لتعود مرة أخرى لضخّ نحو 450 مليون قدم فى اليوم من الغاز المسال المستورد.
وهنا أرى وقد أوشك فصل الصيف على الانتهاء، ألا يتم استقدام سفينة «تغويز» جديدة والاعتماد على سفن التغويز الثلاث بالعين السخنة، وسفينة التغويز بالعقبة الأردنية، وطالما نجحت وزارة البترول فى ضخ كميات كبيرة من المازوت والسولار لمحطات الكهرباء، تعويضًا عن كميات الغاز الطبيعى التى توقفت نتيجة حريق سفينة التغويز بدمياط.
كما أن الشبكة القومية للغازات التابعة لشركة «جاسكو»، والتى كانت تضخ خلال فترة ذروة الاستهلاك ما يقرب من 8 مليارات قدم من الغاز الطبيعى فى اليوم، لم ينخفض منها الآن سوى نحو 400 مليون قدم مكعب فى اليوم، وهذا لا يشكل خطرًا مع كفاءة ونجاح خطط وزارة البترول فى تحقيق الأمن القومى للطاقة.
وإذا كنا نشهد ويشهد كل الشعب المصرى بكفاءة خطط الطوارئ، والتى لم تنقطع معها الكهرباء حتى لو دقائق، فهناك دروس مستفادة نخاطب الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء والمهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية بضرورة الأخذ بها سريعًا.
أول هذه الدروس المستفادة أنه وفقًا لظروف الإنتاج المحلى من الغاز الطبيعى، والذى يصل الآن إلى نحو 3.7 مليار قدم مكعب فى اليوم، ومن ثم فإن كل المؤشرات تؤكد الاعتماد لسنوات قادمة على الغاز الطبيعى المسال المستورد، حتى لو وصل الإنتاج المحلى من الغاز الطبيعى إلى نحو 6 مليارات قدم مكعب فى اليوم عام 2030، فسوف نظل فى احتياج إلى مراكب التغويز التى ندفع لها إيجارا يوميا يتجاوز مليون دولار فى اليوم، أليس من الأجدى والأوفر أن يتجه قطاع البترول إلى إنشاء وحدة تغويز ثابتة أو وحدتين، بطاقات كبيرة بدلًا من سفن التغويز.
ودون لف ودوران نسأل: إذا كان الأردن الذى يستورد الغاز من إسرائيل ومن مركب التغويز بالعقبة الأردنية، يقوم الآن بإنشاء وحدة تغويز ثابتة بدلًا من الاعتماد على مركب التغويز، فلماذا لم نفعل ذلك حتى الآن؟
لم نتهم أحدًا بالتقصير، بالاتجاه سريعًا إلى مراكب التغويز، لتوفير الإمدادات من الغاز الطبيعى المسال المستورد، لكن آن الأوان أن يتجه المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية إلى الاتجاه إلى إنشاء وحدات تغويز ثابتة، تمهيدا للاستغناء عن مراكب التغويز.
وإذا كنا قد سمعنا من قبل أن هناك دراسات لإنشاء وحدة تغويز ثابتة فى إدكو جنبا إلى جنب مع وحدة تصدير الغاز المسال، وقد أبدت شركة «شل» العالمية استعدادها للمشاركة فى ذلك، فلماذا التباطؤ فى ذلك؟
وكذلك سمعنا أن هذا سوف يتكرر فى دمياط، بإنشاء وحدة تغويز ثابتة مع وحدة تصدير الغاز المسال، ولم يحدث هذا أيضًا، وأصبح الاعتماد بشكل أساسى على مراكب التغويز التى ندفع لها أكثر من مليون دولار فى اليوم، وبما يزيد على نحو 400 مليون دولار فى السنة.
أعتقد أنه لا بد أن يتجه المهندس كريم بدوى لإنشاء وحدات تغويز ثابتة، بدلًا من مراكب التغويز، طالما أننا سوف نستمر لسنوات فى استيراد الغاز الطبيعى المسال.
وإذا كنا نتكلم عن مركز إقليمى للطاقة، فلا بد من إنشاء وحدات تغويز ثابتة، كما سبق أن أنشأنا وحدات تصدير للغاز المسال ثابتة فى دمياط وإدكو.
وهذا يجعلنا نتكلم عن الدرس الثانى المستفاد مما حدث فى ميناء دمياط، بالاتجاه إلى إنشاء وحدات وصهاريج أرضية ثابتة لتخزين الغاز الطبيعى، من منظور أن تكون مصر مركزًا إقليميًا لتجارة وتصدير الغاز الطبيعي.
وهذه فكرة مطروحة منذ سنوات، ولم يحدث حتى الآن، لذا قد آن الأوان أن يدرس المهندس كريم بدوى ذلك، بالاتجاه إلى إنشاء وحدات ثابتة لتخزين الغاز الطبيعى بالتوازى مع إنشاء وحدات التغويز الثابتة، والاستغناء عن سفن التغويز والتخزين معًا.
أما الدرس الثالث، وما هو بدرس، لأنه هدف وضعه المهندس كريم بدوى منذ أن تولى وزارة البترول والثروة المعدنية، بالعمل على زيادة الإنتاج المحلى من الغاز الطبيعي.
نعم.. لدى الوزير خطة ليصل الإنتاج المحلى إلى 6 مليارات قدم مكعب فى اليوم عام 2030، لكن حادث حريق سفينتى دمياط يعجل بتبكير هذا الهدف، وتبكير مواعيد تنمية الاكتشافات الجديدة، وعدم الانتظار إلى عام 2030.
كما ينبغى أن يعيد المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية النظر فى ضرورة طرح المناقصات لتنمية بعض الحقول، البعيدة عن التسهيلات، والمساهمة فى تحمل تكاليف إنشاء التسهيلات، قياسًا بتكلفة استيراد الغاز المسال والتى وصلت إلى نحو 20 دولارًا للمليون وحدة حرارية، بسبب الحرب الدائرة بين إيران وأمريكا.
أما الدرس الرابع، فقد آن الأوان أن يتبنى المهندس كريم بدوى خطة جديدة للتوسع فى إنشاء المزيد من خزانات الزيت الخام والمنتجات البترولية فى جميع أنحاء الجمهورية، من منظور تحقيق الأمن القومى للطاقة، وتحويل مصر لمركز إقليمى للطاقة.
وعندما أطالب بذلك، فإن استعواض الكميات التى توقف ضخها من سفينة «تغويز» دمياط بسبب الحريق تطلب ضخ كميات كبيرة من المازوت والسولار لمحطات الكهرباء، الأمر الذى يستوجب إنشاء المزيد من خزانات الوقود، سواء لسد احتياجات خطط الطوارئ أو لمواكبة الطلب، لتخزين الزيت الخام والمنتجات البترولية لبعض دول المنطقة التى تتجنب العبور من باب المندب أو غيره.
تلك هى الدروس المستفادة من حريق سفينتى غاز ميناء دمياط، وتلك هى الأبعاد الإيجابية التى تجلت فى خطط وزارة البترول لمواجهة أية تطورات قد تؤثر على وفرة الوقود من الغاز الطبيعى لمحطات الكهرباء.